sliderالمرأة

صِناعة الأُم

بقلم: د. سالم الهنداوى

كثيرًا ما نشاهد تنافس الدول في الصناعة أو التجارة أو الزراعة أو البحث العلمي، حتى في غزو الفضاء، ونقرأ أيضًا عن تنافس الدول العظمى في تطوير الترسانات النووية التي تمتلكُها، وكذلك اهتمام الدول بزيادة الاحتياطي النقدي لديها، وغير ذلك من الاهتمامات الكثيرة الهامة والمفيدة.

ولكننا يندرُ في هذا العصر أن نقرأ أو أن نسمع عن دولٍ أو مؤسساتٍ تهتم بـ (صِناعة الأُم)؛ إذ تنعكس آثار تلك الصناعة على وظيفة الأسرة ودورها ورسالتها، وتنعكس آثار هذه الصناعة أيضًا على ما سيمتلكه الأبناء في المستقبل القريب من رؤى وأفكار وسلوكيات ومعتقدات.

بناء المجتمع

والأسرة هي اللبنة الأولى في بناء المجتمع، فلو أخرجت الأُم لأُمتها أبناء صالحين انعكس ذلك على قوة الدولة ونهضتها وتقدمها، فعلى بِناءِ الأُمِ حتمًا تَبْنِي الدِولُ مفاخرها وتُشيد مجدها.

إن الأمم الفاضلة هي التي تعي رسالتها جيدًا، وتحدد أهدافها، وترسم سبل رُقيها، وتُلزِم وتحفز وتُعرِف كل فردٍ من أفرادها بدوره المنوط ورسالته في الحياة.

في مرةٍ من المرات وأنا أركب إحدى المواصلات مررنا بشارع لمدرسة ثانوية للبنات، فرأيت أعدادًا كثيرة جدًا من الفتيات أثناء خروجهن من المدرسة بعد انتهاء اليوم الدراسي.

ويتكرر المشهد أيضًا في الحرم الجامعي في المدرجات أو المتنزهات والحدائق داخل الجامعات.

محاكم الأسرة

فعندما رأيتُ هذا المشهد أضفت إليه مشاهد أخرى، تذكرت أعداد النساء أيضًا أمام محاكم الأسرة، وتذكرت أيضًا نسب الطلاق المرتفعة، والخلافات والجفاء بين الزوج وزوجته، وتذكرت فساد الأبناء، والخلل التربوي داخل الأُسرة، وتذكرت الأبناء الذين انسخلوا من قيمٍ وعاداتٍ طيبة كانت لدى الآباء والأجداد السابقين، مُقلدين بلاد الشرق أو الغرب في العادات والسلوكيات والأخلاقيات.

عندما جالت هذه الأفكار والمشاهد في مخيلتي علمتُ يقينًا أن هنالك خللاً عظيمًا في بناء المجتمع، خلل داخل الأُسرة، يشترك فيه الرجل والمرأة على السواء، وتشترك فيه أيضًا المؤسسات التربوية والتعليمية والدعوية، ويتمثل هذا الخلل في: غياب ما يسمى بـ (صناعة الأُم).

نماذج مضيئة

وأمام هذا الخلل المجتمعي والتربوي تذكرت نماذج مضيئة ومشرقة في تاريخنا الإسلامي أتقنت صناعة الأم.

تذكرت كيف أخرجت أُم الإمام الشافعي رضي الله عنه وهو يتيم هذا الإمام العظيم للدنيا، الذي ملأ طباق الأرض علمًا، وكذلك سفيان الثوري أيضًا.

وعندما أقرأ القرآن الكريم أتذكر أيضًا أم سيدنا موسى عليه السلام، وأتذكر أيضًا السيدة مريم أم سيدنا عيسى عليه السلام، والنماذج كثيرة جدًا.

فماذا يحدث لو أننا استثمرنا في هذه الفتيات، فتيات اليوم أمهات المستقبل، ماذا يحدث لو أننا أحسنا صِناعة الأُم؟؟

إن (صِناعة الأُم) المستقبلية تُعدُ هي الصناعة الأَوْلى بالاهتمام والرعاية والتجديد والتطوير، بالمقارنة إلى غيرها من الصناعات الأخرى، الصناعية أو الزراعية، ولقد تعلمنا في الأزهر الشريف أن صناعة الإنسان قبل البنيان، وبناء الساجد قبل المساجد.

ولصناعة الأُم يلزمنا أن نُراعي ونتبع ما يلي:

1-أن نغير النظرة المحدودة والضيقة للمرأة، وللفتيات الصغيرات، وكما قال أمير الشعراء رحمه الله:

الأُمُ مدرسة إذا أعددتها      أعددت شعبًا طيب الأعراق

فالأُم تصنع أُمة، هكذا يجب أن تكون نظرتنا إلى المرأة، إلى الفتيات الصغيرات في مراحل التعليم المختلفة.

وإذا كانت الأُم تستطيع صناعة أُمة فيلزمنا أن نؤهلها لذلك، ونُعدها إعدادًا مسبقًا يناسب هذا الدور العظيم.

2-وصناعة الأم تعني: أن نعرفها بدورها الصحيح ورسالتها في الخالدة الحياة، وكيفية القيام بذلك على أكمل وأتم وجه.

3-وصناعة الأم تعني: أن نعرفها من تختار ليكون شريكًا لها في رحلة الحياة، فنعلمها الأُسس الصحيحة التي تختار عليها، وكيفية التمييز بين الخبيث والطيب من الرجال.

4-وصِناعة الأُم تكون: بتعريفها كيفية إدارة بيتها لتعيش حياة طيبة سعيدة مستقرة.

5-وصِناعة الأُم تكون: بتعريفها طرق ووسائل وأدوات التربية الصحيحة للأبناء؛ لأن ذلك هو دورها ورسالتها السامية في الحياة.

6-وصِناعة الأُم تكون: بتدريبها على مواجهة الأزمات والمشكلات داخل البيت والأسرة، وكيفية تجاوز ذلك.

7-وصِناعة الأُم تكون: بغرس القيم والآداب داخل الفتيات الصغيرات؛ لتورثها لاحقًا للأجيال القادمة، فهم أبناء اليوم أُمهات المستقبل.

الحقوق الزوجية

8-وصِناعة الأُم تكون: بتعريفها الحقوق الزوجية، ما لها وما عليها، حتى لا تُهمل جانبًا من جوانب حياتها فيؤثر سلبًا على الجوانب الأخرى.

9-وصِناعة الأُم تكون: برعايتها نفسيًا وسلوكيًا وتربويًا، ومتابعتها في ذلك في جميع مراحل حياتها المختلفة، من نشأتها إلى زواجها، ثم تنتقل هذه الرعاية النفسية إلى الزوج لاحقًا.

10-وصنِاعة الأُم تكون: بتربية الفتيات تربية دينية صحيحة وسطية، فنعلمها شيئًا من القرآن الكريم والسنة النبوية والسيرة العطرة والآداب والأخلاق والقيم الإسلامية.

وهذه الصناعة العظيمة للأُم المستقبلية تكون من خلال الوالدين، والمؤسسات التعليمية والتربوية، ومن خلال المناهج التعليمية.

وتكون أيضًا: عن طريق وسائل الإعلام المختلفة، والبرامج الهادفة، وعن طريق المساجد، والكتابات الإسلامية في هذا الموضوع.

وتقوم دار الإفتاء المصرية منذ فترة بإعداد دورة للمقبلين على الزواج، وهو أمر غير مسبوق، وذو تأثيرٍ فعال جدًا.

وأتمنى أن يكون الإعداد يسبق فترة الزواج بكثير؛ إذ لا يمكن للكثيرين من المحافظات المختلفة والقرى والنجوع حضور دورات دار الإفتاء المصرية.

كتاب

وأقترحُ: أن تُعد مادة تدرس للفتيات بداية من المرحلة الثانوية (الفنية أو العامة) مع الاهتمام السابق بهم عن هذه المرحلة أيضًا، في كِتاب يحتوي على هذه المحاور والأُسس، ويشترك في كتابته علماء الدين والنفس والاجتماع والإدارة وغيرهم، ويقوم على تدريسه التربويين والدعاة.

وإن إهمالنا في صِناعة الأُم يعود بالآثار السيئة والسلبية على الأسرة وعلى المجتمع وعلى الدولة أيضًا.

وإن حديثنا عن ما يسمى بـ (ِصناعة الأُم) يهدف إلى الآتي:

1-بناء الأسرة بناء قويًا متينًا راسخًا.

2-تحقيق استقرار البيوت.

3-تحقيق السعادة الأسرية.

4-تقليل نسب الطلاق.

5-إخراج نشئ تربى تربية صحيحة.

6-الحفاظ على النشء من آثار الطلاق، وما يترتب عليه.

7-المشاركة في بناء وقوة الدولة عن طريق بناء الأبناء وتربيتهم وتعليمهم.

وإنني أتمنى أن تهتم المؤسسات التعليمة والتربوية والدينية بـ (صِناعة الأُم)، عن طريق المناهج التعليمية أو الدورات والندوات والأمسيات الثقافية وغيرها، فصناعة الأُم تعني صناعة أُمة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

pmclips.com
إغلاق
التخطي إلى شريط الأدوات