كلام من القلب

الشيخ مصطفى عبدالرازق.. فيلسوف العرب

بقلم: أحمد شعبان

جميل أن يظل الأزهر الشريف على عهده بشيوخه القدماء، يُذكِّر الناس بفضلهم ويوثِّق حياتهم ومسيرتهم العلمية، وهذا ما حدث عندما احتفى الأزهر في جناحه بمعرض القاهرة الدولي للكتاب، في دورته هذا العام، بالشيخ مصطفى عبدالرازق، بعد أن قرر الإمام الأكبر د. أحمد الطيب- شيخ الأزهر الشريف- اختياره ليكون شخصية جناح الأزهر لهذا العام، باعتباره باعث الفلسفة الإسلامية في العصر الحديث.

والشيخ مصطفى عبدالرازق، لمن لا يعرفه، خاصة في جيل الشباب والفتيات الذين لم يطَّلعوا على علماء ذلك العصر، من أبرز من تولّوا مشيخة الأزهر، وهو رائد الفكر الفلسفي الإسلامي، فضلا عن كونه أديب وشاعر، كما كان كاتبا صحفيا متميزا.

ويعتبر الشيخ مصطفى عبدالرازق مجدِّدا للفلسفة الإسلامية في العصر الحديث، وصاحب أول تاريخ لها بالعربية، ومؤسس “المدرسة الفلسفية العربية”، تولى وزارة الأوقاف ثماني مرات، وكان أول أزهري يتولاها، واختير شيخا للأزهر في ديسمبر عام 1945.

وتتلمذ الشيخ مصطفى عبدالرازق على يد كبار علماء الأزهر، وتبحَّر في مختلف العلوم الشرعية واللغوية، وتخصَّص في دراسة الفلسفة، وحصل على الشهادة العالمية عام 1908، والتقى خلال دراسته بالإمام محمد عبده وأصبح من خواص تلاميذه وتأثر بمنهجه وأفكاره الإصلاحية.

ترك الشيخ مصطفى عبدالرازق للمكتبة الإسلامية والإنسانية تراثا فكريا وعلميا مهمّا، فقد كتب مصنّفات في الأدب والتصوّف، إلا أن كتاباته في الفلسفة كانت أهم ما قدّمه للفكر العربي والإسلامي، حيث نجح في تفنيد تبعية الفلسفة الإسلامية للتراث اليوناني، وأثبت أن نشأة الفلسفة في كتابات المسلمين كانت سابقة على الفلسفة اليونانية، ومن أهم ما كتبه الشيخ مصطفى عبدالرازق في الفلسفة “تمهيد لتاريخ الفلسفة الإسلامية”.

ومن كرمه وسعة يده وإيمانه بدوره كعالم ومربّي أجيال، تقول سيرته العطرة أنه كان من عائلة صعيدية عريقة وثرية جدا، وكان محبوبا من معظم من يتعامل معهم، خاصة من تلاميذه الذين كان يحنو ويعطف وينفق عليهم بما يملك من أموال، حتى لا يتركوا العلم والتعلّم بسبب فقرهم واحتياجهم.

رحم الله عالمنا الفيلسوف الذي ملأ قلبه بالحب والخير والجمال، وبرغم رحيله منذ زمن، سنظل نتذكّره ونتدارس علمه الذي ورَّثه لشعوب العالم، فالعلماء ورثة الأنبياء كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “وإن فضل العالم على العابد، كفضل القمر على سائر الكواكب، وإن العلماء هم ورثة الأنبياء”، وسنظل نتذكّر مقولته المشهورة: “إن الذين يخدمون الحرية الفكرية هم خُدَّام الحق وأنصاره، فإن العقول المستعبَدة لا تسمو إلى جلال الحقيقة وجمالها”.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

شاهد أيضاً

إغلاق
pmclips.com
إغلاق
التخطي إلى شريط الأدوات