طيب القول

مصر.. ودوائر انتمائها

بقلم: مصطفى ياسين

وهبَ الله تعالى بلدنا الحبيبة الغالية مصرَ عِدَّة دوائر انتماء، شكَّلت فى تداخلها وتناغمها المكانة والمنزلة الفريدة التى تميَّزت بها فكانت “أُمّ الدُنيا” بحق، فلمصر دوائر انتماء جغرافية وحضارية بل ديموجرافية أيضا ودينية وإنسانية، فهى إفريقية، عربية، شرق أوسطيّة، دولية، ذات جذور حضارية تضرب فى أعماق التاريخ، مُتَّصِلَة عبر كل الحضارات والأُمم والشعوب، لديها قُدْرَة كبيرة وعجيبة على استيعاب كل جديد، وهضمه، ثم تمصيره وإخراجه فى صورة مصرية خاصَّة وخالصة، لذلك نجدها تحتوى على كل الحضارات المختلفة والمتنوعة، بل المتعارضة أحيانا، لتكون فى النهاية بوتَقَة مُتفرِّدة، جامعة وحاضنة لكل هذه الاختلافات والأضاد.

ونفس الشئ تميَّز به أهلُها من التنوّع والثراء والقُدرة على الاستيعاب والاحتواء، بل التعايش مع الاختلافات والتناقضات، حتى صارت الشخصية المصرية ذات تركيبة غير قابلة للتكرار أو التقليد فى أى مجتمع آخر، ليس لصعوبتها، بل على العكس قد تندرج تحت ما يُمكن تسميته “السهل المُمْتنع”، وفشلت كل محاولات البحث عن “مفتاح سِرِّ” هذه الشخصية للسيطرة عليها وتطويعها لمصالح وأغراض الكثيرين من الانتهازيين والمُتَسَلِّقين، فى المقابل يسهل على الوطنيين والمُخلصين امتلاك هذا “المفتاح” وبالتالى الفوز بـ”قلوب” المصريين.

ويُخْطِئ مَنْ يحاول العبث بنِسَب وتداخل دوائر الانتماء المصرية تلك، مُتَوَهِّما قُدْرَته على تعظيم دائرة على حساب تهميش الأخرى، لأنه بذلك يكون كَمَن يريد العَبَث بـ”جينات” الخِلْقَة ذاتها! وهذا ما تعرَّضت له مصر- للأسف الشديد- فى فترات سابقة، فكانت النتيجة اهتزاز مكانتها ومنزلتها التى أرادها الخالق سبحانه وتعالى لها.

أقول هذا بمناسبة مؤتمر قمَّة الاتحاد الأفريقى الذى عُقد على مدى اليومين الماضيين، واختُتمت أعماله أمس الاثنين فى العاصمة الأثيوبية أديس أبابا، بحضور الرئيس عبدالفتَّاح السيسى، الذى يسعى جاهدا لإعادة الروح والمكانة المصرية إلى وضعها الطبيعى، من دائرة انتمائها الإفريقية، بالتوازى مع باقى الدوائر، التى تُشَكِّل الحالة المصريّة الخاصَّة.

فمصر هى كل تلك الدوائر مُجتَمِعَة، إفريقية، عربية، إسلاميّة، شرق أوسطيّة، دوليّة، إنسانيّة، وليس من مصلحة أبنائها- بل الإنسانية كلّها- أن يتم تغليب دائرة على حساب الأخرى، وإلا اختَلَّت الموازين، واختلطَت الأمور، وعَمَّت الفوضى، كما هو حادث الآن من تطاول الأقزام، وادّعاء البطولة والزعامة الموهومة والمُصْطَنَعَة، وتراجع أو انكماش دور الكبار والعِظَام، إيثارا للسلامة.

وكان من نتيجة ذلك أن عمَّت الفوضى والإرهاب كل بقاع الأرض، وعاث المُجرمون والمُفْسِدون فى الأرض تخريبا وإفسادا للبلاد والعباد، وارتدت الشياطين والذئاب رداء الملائكة والوعَّاظ، واختلط على العامّة الخطأ من الصواب، مع أن “الحلال بيّن والحرام بيّن”.

لكن مصر ستظل بإذن الله ومشيئته محفوظة مُتَمَسِّكة بتميّزها وتَفَرّدِها، لأن إرادة الخالق لا يستطيع المخلوق تغييرها أو تبديلها، ولتظل على الدوام هى أرض الأمن والأمان، ومُنْطَلَق السلام والمحبَّة، فهو عزَّ وجلَّ القائل فى كتابه الكريم، الخالد إلى يوم الدين: “ادخلوا مصر إن شاء الله آمنين”، فهل نُدرك نحن أبناءها هذه الحقيقة، ونعمل على تحقيقها وتأكيدها، لأن سُنَّة الله فى كونه “إن الله لا يُغيّر ما بقوم حتى يُغيّروا ما بأنفُسِهِم” فنكون على قَدْرِ المسئولية والمكانة التى أرادها لنا المولى جلَّ شأنه؟!

لا أشك فى هذا أبدا، والأيام بيننا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

pmclips.com
إغلاق
التخطي إلى شريط الأدوات