طيب القول

التطبيع.. المرفوض والمفروض!!

بقلم: مصطفى ياسين

ما أن يُذكر لفظ “التطبيع” إلا ويتبادر إلى الذهن، خصوصا العربى، مفهوم خَلْق وإقامة نوع من التعامل الطبيعى، خاصة الشعبى، مع الكيان الصهيونى المُحتَل للأراضى العربية فى فلسطين المُحتَلَّة منذ عام 1948م، وأعتقد أن هذا المُصطلح خرج إلى الوجود- على الأقل فى العصر الحديث من جيلنا- مع وجود هذا الكيان السرطانى فى جسد الأُمَّة العربيَّة، وتحديدا فى أواخر سبعينيات القرن الماضى مع توقيع اتفاقية السلام بين مصر والعدو الصهيونى.

وبسبَبِه عانت مصر الكثير من قطيعة الأخوة والأشِقَّاء العرب، بل نُقِل مقر جامعة الدول العربية من أرضها عقابا لها على توقيع الاتفاقية، وخاضت مصر كثيرا من المُقاطعات والمجادلات وتحمَّلت الأكثر من الاتهامات بالخيانة والعِمَالة و”بَيْع” القضية الفلسطينيّة، إلى أن فَهِم وأدرك الأخوة الأشقَّاء خطورة استمرار هذه القطيعة اللامُبرَّرة بل الضارَّة جدا على الجميع، فعادت المياه إلى مجاريها فى علاقات مصر بأشقَّائها العرب والمسلمين.

ورغم توقيع مصر على اتفاقية السلام- من الجانب الحكومى فقط- إلا أن الموقف الشعبى ظلَّ رافضا لإقامة أيَّة علاقات طبيعية بينه وأتباع الكيان المُحْتَلّ- الذين هم كلهم جنود وعسكر مُرتَزَقة فى جيش العدو ولا يوجد منهم مواطن مدنى واحد!- واتخذت كل الهيئات والمُنظّمات والمؤسَّسات موقفا واحدا رافضا لـ”التطبيع”، وكان لأكبر مؤسَّستين دينيَّتين فى مصر، وهما الأزهر والكنيسة، الفضل فى تجسيد وتمثيل “حائط الصد” لأى محاولة اختراق هذا الموقف الشعبى العام، ليس على المستوى المصرى فحسب بل على المستوى العربى، ولا أُبالغ إن قلتُ الإسلامى كلّه.

وضرب الراحل البابا شنودة الثالث- بابا الإسكندرية وبطريرك الكرازة المرقسية- المثل بنفسه وإعلانه وإصراره الدائم على عدم زيارة القُدس إلا بصحبة إخوته المسلمين، ونفس الموقف اتّخذه البابا الحالى، تواضروس الثانى، وغالبية الإخوة المسيحيين فى مصر والعالم العربى، وكان هذا أيضا هو موقف السَاسَة والقادة العرب والمسلمين، بل الفلسطينيين، بزعمائهم السياسيين والدينيين، على اختلاف مذاهبهم ومشاربهم ورؤاهم.

لكننا فوجئنا بتغيّر وتحوّل هذا الموقف فى الفترة الأخيرة، خاصة من الجانب الفلسطينى، وفى أعلى قِمَّته، الرئيس الفلسطينى محمود عباس أبو مازن، الذى طالب فى مؤتمر الأزهر الأخير لنُصرة القدس، بفتح الباب أمام العرب- مسلمين ومسيحيّين- لزيارة القدس، ونفس الطلب كرَّره القادة الدينيون والساسة والدبلوماسيون الفلسطينيون، حيث أطلقه السفير الفلسطينى الجديد بمصر “دياب اللوح” فى ندوة له بمركز دراسات الشرق الأوسط بجامعة عين شمس.

وقد جاء هذا المطلب تحت ضرورة الحاجَة المُلِحَّة لمواجهة العمليّات المحمومة من قِبَل الكيان المُحْتل لطمس الهُويّة العربيّة- الإسلاميّة والمسيحيّة- لمدينة القدس، بل كل الأراضى المُحتّلَّة وفرض التهويد عليها، والتى تسير على قَدَم وساق، فى ظل غياب التواجد الدولى وضعف قُدرة الداخل الفلسطينى على الاستمرار فى المقاومة والصمود، مما يساعد العدو المُغْتَصِب على تنفيذ مُخطَّطاته الخبيثة بفرض الهُويّة اليهوديّة على الأرض، واقعا جبريّا لا فِرار منه.

هذا التحوّل- خصوصا من أصحاب الشأن ذاته- يفرض على المجتمع العربى- مسلميه ومسيحييه- بل العالم الإنسانى أجمع، أن يُعيد النظر فى مسألة “التطبيع” والتفرِقة بين المرفوض منه والمفروض الذى تقتضيه المصلحة والضرورة، حماية لما تبقَّى من “بقايا” هُويّة فلسطينيّة على “أطلال” الأرض المُحْتَلَّة، وأن يكون هناك موقف موحَّد يلتزمه الجميع، ويؤدّى إلى تقوية الجبهة الداخلية لأصحاب القضية، وإنَّا لمُنتظِرون.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

handjob-hd.net
إغلاق
التخطي إلى شريط الأدوات