sliderدعوة ودعاة

حكمة نزول القرآن على سبعة أحرف (1)

بقلم: الدكتور شعبان إسماعيل

أستاذ علمي القراءات وأصول الفقه بجامعة الأزهر

من فضل الله تعالى على هذه الأمة أن جعلها خير الأمم وآخرها حتى تحمل منهج الله تعالى صورته الأخيرة، تبلغه للناس جميعا، وتشهد عليهم بذلك يوم القيامة، ويتوَّج هذه الشهادة أفضل الرسل والأنبياء: سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم.

قال الله تعالى: (وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا) سورة البقرة: 143.

وفد اقتضى ذلك: أن الله تعالى حفظ على هذه الأمة مصادر تشريعها من التحريف والتبديل، أو النقص والزيادة. قال تعالى: (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ)، سورة الحجر: 9.

وأول هذه المصادر وأعظمها: القرآن الكريم، كتاب الله تعالى المعجز، والآية الكبرى على صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم، نزل باللسان العربي الفصيح لينير الطريق أمام البشرية بعد أن حادت عنه، فخاطب العقل البشري في جميع مراحله، وأجناسه المختلفة، وبيئاته المتباينة، حتى يكون الإسلام صالحا لكل زمان ومكان.

قال الله تعالى: (لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ) سورة آل عمران: 164.

وقد كان القرآن الكريم – في أول الأمر – ينزل على رسول الله صلى الله عليه ويسلم بلغة قريش ولهجتها باعتبارها أفصح اللهجات العربية.

قال مجاهد بن جبر رضي الله عنه: “نزل القرآن بلغة قريش”.

ولما كثر الداخلون في الإسلام وجد رسول الله صلى الله عليه وسلم في أصحابه مشقة في تلاوة القرآن الكريم بلغة قريش فقط، فتوجّه إلى الله تعالى وسأله أن يخفف عن أمته، وييسّر لها تلاوة كتابه، فأجاب الله تعالى رجاءه، وأنزل القرآن على سبعة أحرف.

عن أبي بن كعب رضي الله عنه قال: “إن النبي صلى الله عليه وسلم كان عند أضاة بني غفار، قال: فأتاه جبريل عليه السلام فقال: إن الله يأمرك أن تقرأ أمتك القرآن على حرف. فقال أسأل الله معافاته ومغفرته، وإن أمتي لا تطيق ذلك.

ثم أتاه الثانية فقال: إن الله يأمرك أن تقرأ أمتك القرآن على حرفين. فقال: أسأل الله معافاته ومغفرته، وإن أمتي لا تطيق ذلك.

ثم جاءه الثالثة فقال: إن الله يأمرك أن تقرأ أمتك القرآن على ثلاثة أحرف. فقال: أسأل معافاته ومغفرته، وإن أمتي لا تطيق ذلك.

ثم جاءه الرابعة فقال: إن الله يأمرك أن تقرأ أمتك القرآن على سبعة أحرف، فأيُّما حرف قرؤوا عليه فقد أصابوا”.

وللعلماء خلاف طويل في المراد بالأحرف السبعة التي جاءت بها الأحاديث النبوية، إلا أنهم متفقون على أنها تتضمن القراءات التي نقرأ بها اليوم سواء أكانت سبعية أم عشرية؛ لأنها عبارة عن كيفية أداء كلمات القرآن الكريم، مع نسبة كل قراءة أو رواية إلى من يقرأ بها، والتي عبّر عنها الرسول صلى الله عليه وسلم بالأحرف، لأن من معاني الحرف: الوجه، قال الله تعالى: (وَمِنَ النَّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَىٰ حَرْفٍ) الحج:11.

أي: على طرف وجانب من الدين، فالحرف يطلق ويراد به القراءة الواحدة من القراءات التي نزل بها القرآن الكريم، لأنها تمثل وجهًا من وجوه الأداء التي يُتلى بها القرآن الكريم.

وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ بهذه الأوجه كلها، إلا أن الصحابة رضي الله عنهم كانوا يختلفون في الأخذ عنه صلى الله عليه وسلم، فمنهم من أخذ بحرف، ومنهم من أخذ بأكثر، ثم تفرقوا في الأمصار يقرئون الناس بما تلقوه من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا هو السبب في اختلاف القراءات بين الأئمة الذين انقطعوا لنقل هذه القراءات؛ فقيل: قراءة نافع، وقراءة عاصم، ورواية ورش عن نافع، أو رواية حفص عن عاصم وهكذا.

ولا شك أن لهذه القراءات حكماً وأسراراً كثيرة يصعب حصرها في هذا المقام، وهذا ما سوف نوضحه في الحلقات القادمة إن شاء الله.

مقالات ذات صلة

إغلاق