sliderالتحقيقات

كتاب يكشف الدور التخريبي للجماعات والتنظيمات المتطرفة

وتوظيفها الشريعة لخدمة أهدافهم السياسية.. !!

د.عمرو أبو الفضل 

لا خلاف أن توظيف السيرة النبوية وأحداثها لخدمة المشروع السياسي للجماعات المتطرفة والعنيفة هو أحد أخطر إشكالياتنا الفكرية المعاصرة، التي أثرت بشدة في واقعنا الديني والدعوي، فقد سعت هذه التنظيمات عبر عقود طويلة إلي تشويه المفاهيم، وتحريف المقاصد الشرعية للنصوص، والقراءة المغلوطة للسياقات والأسباب والأحداث لإسباغ شرعية على رؤيتها وتحركاتها وتعاملاتها مع المجتمع.

تحرير السنة

غلاف كتاب تحرير السيرة
غلاف كتاب تحرير السيرة

ويعد كتاب “محاولة في تحرير السيرة النبوية من القراءة التنظيمية” محاولة بحثية جادة لتحرير السيرة النبوية الشريفة من هذه القراءة غير المنضبطة والمنحرفة، ونقدها وكشف العوار والزيف الذي حاولت ترويجه حول جاهلية المجتمع وضرورة الهجرة لإقامة دولة السنة والشريعة.

وناقش الكتاب الذي شارك في تحريره محمد عبد العال عيسى، ورشا عبد الواحد، وحمدي رزق، المغالطات والأباطيل التي اعتمدت عليها التنظيمات عبر بحث وتنقيب واستنتاج وتتبع لسياقات وروايات ومصادر السيرة النبوية الشريفة في محاولة لإبراز الوجه النقي والحقيقي للسيرة بعيداً عن تشوهات الجماعات الدينية المتطرفة، من خلال عدد من التساؤلات المهمة والشائكة استنبطها الباحثون من عملية عقلية مقارنة بين الأصول الأولي للسيرة النبوية وبين الكتابات الحديثة والخطابات والأفكار التي زرعتها الجماعات الدينية عبر مؤلفاتهم ورجالهم وأنصارهم.

دين السلام

وركزت الأسئلة على قضايا المجتمع والدولة، والإصلاح الديني، والقتال في حياة النبي صلى الله عليه وسلم وهل هو الأصل أم الاستثناء؟، وكيف قضي النبي وقته إذا كان القتال دفاعي واستثناء لرد العدوان؟ وهل كان للنبي تنظيم ديني وسياسي مغلق في مكة المكرمة؟ ومدى صحة القول بوجود فترة سرية وأخري جهرية كما هو مشاع في كتابات السيرة؟

الشيخ حمدي رزق
الشيخ حمدي رزق

وأكد الباحثون أن القراءة العسكرية والسياسية طغت في رؤية الجماعات الدينية لشخص النبي صلى الله عليه وسلم وللسيرة النبوية، رغم أن القتال والغزوات كانت “دفاعية” و”استثنائية”، وتوصلوا إلي أن المنهج الذي اتبع في كل غزوات النبي صلى الله عليه وسلم هو الحرص علي الأرواح والممتلكات وإجبار الخصم والتضييق عليه ليقبل بالسلام والعيش المشترك، فمجموع سنوات رسالة النبي- صلى الله عليه وسلم- 23 سنة منهم سنة و5 شهور تقريبا، أي 7% من سيرة النبي قضاها في القتال، بينما قضي 93% في البناء والتنمية والتزكية والخير والدعوة، وبالتالي يتضح أنهم عطلوا رصيد ضخم من الأخلاق والقيم والروحانيات فأين ذلك من تدويناتهم؟، وأين ذلك من تشكيل وعي عموم المسلمين؟

كتابة انتقائية

وبينت الدراسة أن كتابات التنظيمات ركزت علي أن الرسول- عليه الصلاة والسلام- كان يسعي إلي تأسيس “دولة” أو “سلطة سياسية” أو.. الخ واعتمدت على تعميمات مخلة واقتباسات من المؤلفات التراثية المتخصصة في ما يسمي بـ”الأدب السلطاني” أو السياسة الشرعية مما أدى إلي “مركزية” فكرة الدولة أو السلطة، و”هامشية” المجتمع والفرد، حيث غالي كثيرين- كتابةً وبحثاً وسلوكاً– عند كتابة السيرة النبوية في ضرورة تشكيل تنظيم ما في المجتمع، والعزلة عنه ومفاصلته وكأنه مجتمع مشرك وكافر. ثم محاولة اعتلاء الدولة والسيطرة عليها بقياس فاسد باطل علي عهد الرسول، وإنكارا للواقع المعاصر.

وأوضحت أن الاهتمام في سيرة النبي الأعظم تركز على الفرد وبناءه ومن ثم المجتمع كان “المركز”، و”السلطة” أو “الحكم” كان الهامش، يأتي أو لا يأتي لا ضير، فسلطة القلوب أقوي من سيطرة الرقاب، وفتح القلوب أهم من غزو البلدان.

الخطيئة الأخري

محمد عبد العال عيسى
محمد عبد العال عيسى

يؤكد الكتاب علي أن الخطيئة الأخرى للجماعات الدينية المتطرفة هي اختزال السيرة النبوية في عقول الناشئة بإنشاء مدينة ثانية علي غرار مدينة الرسول بحيث أن تلك الجماعات السياسية الدينية تريد العيش في العشر سنين الأخيرة من حياة النبي، فتتنكر لواقعها وتسعي للبطش بالمسلمين وتبدأ في تقسيم الناس من مع تنظيمهم ومن ضد تنظيمهم متناسين أنهم في مجتمع مسلم ومؤمن!

وكشفت الدراسة أن الجماعات غيبت البعد الروحاني والنفسي للسيرة النبوية، حيث عمدت تغييب الكتابات التاريخية التي تمثل رصيد معرفي ومخزون روحاني وأخلاقي للمسلمين عبر تجنيبها أو إزاحتها أو التهجم عليها لصالح كتابات تركز علي ما يسمي بالبُعد الحركي أو الجهادي في السيرة النبوية. فأحوال المسلم مجموعة في قول الله تعالي:” لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة”، وكانت المُخرجات لغياب البعد الروحاني مُسلم مُشوه داخلياً، كاره لمجتمعه، يهتم بالقشور، سريع العنف والغضب، سطحي التفكير، وغير مُشبع نفسياً بقين الإيمان.

طمس الحقائق التاريخية

وتطرق الكتاب لفكرة الانقطاع التاريخي مع السيرة النبوية التي اوجدتها الجماعات المتطرفة من خلال الاهتمام بالمظاهر والشكليات والحرص على تُحريم وتُجريم الاحتفال أو استرجاع أهم اللحظات في تاريخ الإسلام والمسلمين بهدف طمس المعالم التاريخية النورانية النبوية الشريفة التي تمثل معيناً لا ينضب، وتربط المسلم المعاصر بتاريخ نبيه صلي الله عليه وسلم. مما زاد من جفاء بعض المسلمين وبُعدهم عن السيرة النبوية وحياة المصطفي، بل وحالة من حالات الغربة عن سيدنا رسول الله وحياته وسيرته ومواقفه.

واظهر الكتاب خطورة قراءة التنظيمات لأحداث السيرة النبوية بطريقة مُبتسرة ومُختزلة، ومقطوعة من سياقاتها، حيث يُسقطونها بفهمهم التنظيمي المغلق علي واقعهم وتنظيمهم وتصرفاتهم وأحداثهم، ويُسمون ذلك قُدوة بسيرة الرسول.

سنن مهدرة

ويؤكد الباحثون أن هناك سنن مهدرة ومهجورة في سيرة النبي، بصورة أصبح الإسلام معها غريباً، فسنة التعارف، والتعاون والتعايش والتفكر والاعتبار والنصح والوفاء بالوعد والإتقان، والصبر والجمال، والحضارة..الخ باتت مهجورة في حياة المسلمين لصالح سنن أخري شكلية ظاهرية.

وشددوا على أن الصياغة السياسية للدين وللسيرة النبوية تخصم من رصيدها الروحي ومعينها الذي لا ينضب.

فتأثرت بعض الجماعات المتطرفة بالكتابات الشيعية عن الإمامة فحاولت أن تظهر النبي بمظهر السياسي، حيث ظل هذا التوجه موجودا بكثافة في هذا القرن- التفسيرات الحركية للسيرة النبوية- والتي بدأت تلوي ذراع السيرة من أجل تحقيق أهدافها السياسية،

مثل استخدام أحداث السيرة النبوية لإسقاطها علي مسيرة تيار ديني بعينة بحيث يبدو وكأنهم هم الصحابة، وكأن حياتهم هي إعادة إنتاج لفصول السيرة النبوية، فتجرأ بعضهم وقال علي السيرة ما ليس فيها، كالقول بوجود تنظيم للنبي في مكة له رأس ونواب وأعضاء،

وأن دعوة النبي كانت حركة سرية خوفا من قريش. مع إسقاطهم عدد من المصطلحات المعاصرة علي السيرة كقول بعضهم “الرسول يؤسس دولة في المدينة”، وكأن الدولة بمعناها القومي الأوروبي المعاصر كان مُتبلورا وقائما في عهد النبي- صلي الله عليه وسلم- وغير ذلك من أساليب الخلط والتلاعب والتسيس.

تعمد الخلط

ويحاول الكتاب فض الاشتباك الذي أحدثته كتابات التنظيمات وتسببت في  إدخال مسائل الفقه في دوائر العقيدة، وحملت الأوامر المرتبطة بالعادات على الوجوب، وخلطت بين المطلق والعام، وبين تناول أحاديث الأحكام وتناول أحداث السيرة، ولم تفرق بين المسائل والقضايا، فقدموا قياسات مزيفة ومشابهات باطلة لأحداث السيرة النبوية مع ترويج سريع لذلك بين صفوف العامة بالاعتماد على ماكينة إعلامية ودعائية ضخمة.

عناصر القوة

وشدد الباحثون على ضرورة إبراز عناصر القوة في السيرة النبوية الشريفة والتي تم إهدارها علي يد الجماعات المتطرفة التي حاولت سرقة سيرة النبي الأكرم وتشويهها، فوظفت بعض الأحداث لحسابها، وأكدوا أن تحرير السيرة النبوية يُفيد في إرجاع السيرة النبوية الشريفة إلي سابق عهدها قبل العدوان عليها من الجماعات المتطرفة، وفي تجديد الثقة بكتابات علماء المسلمين المُسندين عن السيرة، كما أنه نافع لواقع المسلمين اليوم بالتعرف الحقيقي علي حياة وقيم سيرة النبي الأعظم، ويُمكّن من تفادي العنف والتطرف والحكم علي الآخرين، كما يُساعدنا أن نعيش قيم السيرة لا أحداثها، وأن نفرق بين القضايا والمساءل، وأن لا نُدخل مسائل الفقه في دوائر العقيدة، ولا نحمل الأوامر المرتبطة بالعادات علي الوجوب، أو نخلط بين المطلق والعام أو لا نميز بين حالة الاستقرار والقلق فضلا عن احترام المقام النبوي الشريف وأنه ينتفع به بعد انتقال جسده.

وانتهى الكتاب إلي أن تحويل الدين إلى أيديولوجيا احدث تداعيات خطيرة في الفكر الإسلامي تدفع ثمنها المجتمعات والشعوب الإسلامية.

 

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

pmclips.com
إغلاق
التخطي إلى شريط الأدوات