sliderبروفايل

خضير البورسعيدى.. رائد تجديد فن الخط العربى

كتب المصحف الشريف 7 مرات

د.عمرو أبو الفضل

لم يكن عشق الفنان والخطاط خضير البورسعيدى لفن الخط العربي منفصلا عن ولعه بالعمارة والفنون الاسلامية، فقد أثرت فيه ابداعات الحضاة الاسلامية منذ وقت مبكر ودفعته لاكتشاف اسرارها الفنية والهندسية والانسانية، والمساهمة فى تقديم اضافات قيمة لفن الخط تعتمد على تشكيلات وأشكال هدفها تحقيق الجمال الفني النسبي المبني على النسبة والتناسب، من حيث الأسس والاشتراطات الكلاسيكية، وجودة العلاقة بين الحروف، والمقاييس والنسب التكوينية، والعلاقات اللونية، وكفاءة تكامل التشكيلات.

وكانت بدايته مع فن الخط مبكرة فى عام 1946 وهو فى الخامسة من عمره، ولم يكن قد تعلم القراءة، فقد شغف بالكتابات التى يكلفه بها الثوار إبان مقاومة الاستعمار، حين كانوا يطلبون منه كتابة بعض العبارات مثل ” من يتعاون مع الاستعمار له الموت ” على حوائط المبانى، وإسفلت شوارع بورسعيد، وكان يتخير اللون الأزرق الذى اتقن تركيبه من زهرة الغسيل وبعض قطرات من العسل ليتماسك قوامها عند الكتابة، وظل هذا اللون لونه المفضل حتى عندما تربع على عرش فن الخط العربى.

واكتشف موهبته عندما التحق بالمدرسة الابتدائية، ووجد لديه شغف شديد بالكتابة على السبورة بالطباشير، حتى لفتت انتباه أستاذ اللغة العربية الذى دفعه لتعلم قواعد الخط العربى. كما استأجر له ناظر المدرسة محلا فى واحدة من عماراته، ونشرت مجلة “البعكوكة” تحقيقا تثنى فيه على موهبته الفريدة.

توالد الحروف

ولم يكتفى بالدراسة بل أعطى كل وقته للتجريب والابتكار وتمكن من إحياء مدرسة بصرية قديمة وتقليدية هي “توالد الحروف” وأخرجها من بعدها التعليمي ليكون لها بعد فني اشتهرت به لوحاته، كما عنى بدراسة الالوان وانتقاء ما يتناسب مع لوحاته غير التقليدية التي تعكس بعدا تشكيليا حقيقيا تستفيد منه لوحات الخط العربي. ولنبوغه المبكر شارك فى كتابة آخر كسوة للكعبة أرسلتها مصر للسعودية عام 1962.

وخلال مشواره الفنى دخل البورسعيدي اطوار فنية عديدة كان طابعها المميز التمرد فنيا والرغبة فى صياغة ابعاد جديدة تعتمد على أدخل حركات الحروف المختلفة من الأنواع المتنوعة للخط العربي في بعضها البعض، واستغلال طاقات الحرف ومنحه حرية التمدد والاستطالة محتفظا في ذات الوقت بأبعاده وقياساته التقليدية.

وكان ظهروه فى وقت وقف الخط العربى فيه عند طريقين، الأول الاتجاه الكلاسيكى التقليدى، والثانى هو الاتجاه الحروفى، وجاء سبقه من رفضه أن يكون الفنان متبعا لا يعرف طريق التجديد والاضافة ولذلك اتسمت لوحاته بالتاقئية والتجديدية، وكان دائما يحث تلاميذه على الاستفادة من المدارس الفنية المختلفة والاجتهاد لتحصيل التطور ثم اتخاذ خط منفرد يعبر عن الذاتية والشخصية التى تقدم على ابداع كتابات تعبيرية تتسم بالجدة والتجريب وتكتسب من بساطتها وتناغمها القدرة على تعليم من لا يجيد القراءة المعنى، إذ أن الفن الحقيقى لا يحتاج إلى شرح أو تفسير فهو فى مفهومه يعطى صورة حية عن حياة الناس وتاريخهم وثقافتهم.

الحرية والفهم

ولم ينكر قيمة القوانين التى تحكم فنيات الخط العربى، ولكنه استوعب جيدا فى لوحاته فكرة أن الجمال لا يخضع لقانون، وأن الخط العربى يتحرك مثل الإنسان ويمكن أن تشده باللين، وتجرى معه حوارا تحدد من خلاله الوضع الذى يمكن التغيير فيه ونسبه وابعاده، فمن المهم فهم شخصية كل حرف ومعرفة مكامن الجمال فيه، واكتشاف الحروف الجامحة والمسالمة، وكيفية ترويضها جميعا لتصبح طوع بنان الفنان.

وبلور قاعدة للتعامل مع الحرف العربى قائمة على الحرية والفهم العميق للمواقع المحظورة فيه، حيث إنه فى خط الثلث لا يتم الاقتراب من الرؤوس أو بداية الحروف، أما الأجسام أو التكملة فيتاح فيها ذلك، حيث إن ملامحه فى الرأس، التى تعتبر وجه الحرف مثل الإنسان، وأن الخطاط الفنان يستطيع التحكم فى النسبة والتناسب لكتلة الحرف، فالخط يبدأ من نقطة، والزيادة أو النقص بلا دراية بالقيم الجمالية للحرف تفقده شكله، كما أن الاختيار واجب فى الحرف، فليست كل الحروف قابلة للتحديث فى شكلها بالاستطالة أو القصر، كما أن ذلك يكون تبعا لموقع الحروف.

واقام عشرات المعارض الفنية فى مصر وخارجها قدم فيها لوحات يغلب عليها الخط التشكيلى والخط الأكاديمى المدروس والمستخدم فيه الزخارف العربية والتركية، وخط الثلث وغيرها التى كشفت عن مراحل تطور فى أسلوبه بالتحديد والابتكار فى تشكيلاته المعبرة من خلال رؤيته وحسه الفنى وثقافته الواسعة التى ظهرت فى أعماله واضافت مقومات وتكوينات وتصميمات لوحدات زخرفية إسلامية، بالإضافة إلى استخدام الأشكال الهندسية كالدائرة والمربع وكذلك الأشكال الحرة فى بناء عمله الفنى، كما زاوج بين عدة خطوط فى العمل الفنى الواحد. وكانت الميزة الأساسية فى أعماله هى فهمه وتعامله مع معالم النجاح فى الطريقة الحروفية وإكسابها رونق الطريقة الكلاسيكية للخط العربى، فكان البعد التكوينى للوحة الخط العربى وسهولة إدراك العين لها.

وكتب المصحف فى سبعة آلاف لوحة 7 مرات، وأسس الجمعية المصرية للخط العربى، وشارك فى عضوية لجان تحكيم مسابقات الخط العربى محليا ودوليا وحصل على عدد كبير من الجوائز، منها جائزة الكوفة التقديرية فى الخط العربى عام 1995، والوسام الذهبى لمهرجان كاظمة العالمى بالكويت عام 1996، وجائزة الصين فى الفن الإسلامي عام 1996، ويحضر معارضه كثير من الشخصيات العامة والشهيرة، كما اقتنت الكثير من المتاحف الفنية والمؤسسات والشخصيات الدولية لوحاته وقامت العديد من المحطات التليفزيونية الاجنبية بعمل افلام تسجيلية عن إبداعاته وإسهاماته فى مجال الخط العربى.

 

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

handjob-hd.net
إغلاق
التخطي إلى شريط الأدوات