slider

هاتوا برهانكم.. السلم الاجتماعي..العهد المدني نموذجاً “2”

بقلم الدكتور : إبراهيم صلاح الهدهد.. الأستاذ بجامعة الأزهر

نتعرف علي أطياف مجتمع المدينة عند الهجرة فقد كان مجتمع المدينة عند الهجرة مجتمعا متنوعا من حيث الانتماءات الدينية والعرقية، فهو يضم قبائل عربية شتى أهمها قبيلتا الأوس والخزرج، وقد أسلم قبل الهجرة عدد من القبيلتين في بيعتي العقبة الأولى والثانية، وأسلم بعضهم على يد مصعب بن عمير ــــ رضي الله عنه ــــ وقد سموا بالأنصار، ووفد إليهم مهاجرو مكة، وسموا بالمهاجرين، وقد قدم النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ إلى المدينة ، والعداوة والبغضاء بين الأوس والخزرج راسخة منذ مائة وعشرين عاما، وعند مقدمه ـ صلى الله عليه وسلم ـ كانت طائفة من القبيلتين على الوثنية، كما ضم مجتمع المدينة قبائل يهودية هم ( بنو النضير وبنو قينقاع، وبنو قريظة) وعلى مقربة من المدينة يهود خيبر، هذه صورة موجزة لمجتمع المدينة عند الهجرة : مسلمون ـ كفار ـ يهود، وقد كان قائما على التناحر والتنافر، وقد كان اليهود شديدي الحرص على استمرار هذا الحال، ويمكنك معرفة عظمة ما صنعه الحبيب ـ صلى الله عليه وسلم ـ حينما ترى الإحصاء السكاني لأهل المدينة عند الهجرة،فقد كان عدد سكّان المدينة 10 آلاف شخص، منهم 1500 مسلم و 4000 يهودي و 4500 من المشركين العرب.

وقد كان الحبيب ــ صلى الله عليه وسلم ـــ من أول دخوله المدينة يتحسس حركته وأفعاله بما يحفظ وحدة الأنصار، ألا تراه حين دخوله المدينة يدخل مع أخواله من بني النجار،ويرفض الدخول مع أية قبيلة أخرى، وذلك حتى لاتتأثر القبائل الأخرى بعدم استجابته لها، فكلهم متساوون عنده، وليس دخوله في معية أخواله بمحزن أحدا من القبائل الأخرى التي كانت تريد أن تحظى بهذا الشرف العظيم، فكلهم دعوه بقولهم : هيا يا رسول الله إلى العزة والمنعة والعدة، لكنه آثر أخواله عليهم، فذوو القرابة أولى، وهذا عرف مستقر عند العرب.

ومقولته عن ناقته حينما كانوا يمسكون بخطامها :”دعوها فإنها مأمورة” فيها قدر كبير من حفظ التئام الأنصار ووحدتهم، لأن معناها أن تحديد موطن رحلي ، ومنزلي ليس أمر أختاره، وإنما هو أمر يختاره الله لي، وهذه المقولة أغلقت باب التنافس على منزل رسول الله ــــ صلى الله عليه وسلم. ومسلكه حينما بركت الناقة في فناء تطل عليه عدة بيوت للأنصار، فأي البيوت يختار رسول الله ــــ صلى الله عليه وسلم ــــ ولمن يستجيب من الأنصار، واستجابته لأحدهم دون غيره ليست أمرا هينا إن لم يستند إلى عرف متبع، وسنة ماضية فيهم، مرضية منهم، وبينا هو على هذا الحال إذ يلتقط أبو أيوب الأنصاري ـــ رضي الله عنه ــــ رحل رسول الله، ويدخله بيته، فيقول ــــ صلى الله عليه وسلم ــــ ” المرء مع رحله” وهو عرف عربي ماض في الضيافة، وسنن مرضي عند العرب، كان هذا التحسس في عدم ترك أي شئ في نفوس الأنصار، ولو كان بسبب التنافس في الخيرات كان ديدن الحبيب في الحرص على السلم الباطن، وهو أرقى طبقة في السلم الاجتماعي.

أولا: معالم السلم الاجتماعي في المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار.

إن بناء المجتمع المتواد المتراحم، القائم على إذهاب الوحشة الحادثة بسبب فراق الأهل والعشيرة، والوطن الذي شهد ذكريات النشأة والحياة، وسجل آثار الأجداد والأصدقاء، لم يكن أمرا هينا أن يُبصر طريق لإذهاب تلك الوحشة، وجلب الإيناس ليحل محلها، وإنبات ما يشد الأزر من بعد ترك الأهل والوطن، لم يكن ذلك ميسورا، إلا على الحبيب، وما أعظم مقالة السهيلي ـــ رحمه الله ـــ في قوله:” آخى رسول الله ـــ صلى الله عليه وسلم ــــ بين أصحابه حين نزلوا المدينة ليذهب عنهم وحشة الغربة،ويؤنسهم من مفارقة الأهل والعشيرة، ويشد أزر بعضهم ببعض”

ولقد كان من أوائل ما عمله الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ بعد وصوله إلى المدينة هو إيواء المهاجرين الجدد الذين قدموا إلى المدينة، وتأمين الحاجات المعيشية الضرورية لهم،ولأسرهم،لذا قام ـــ صلى الله عليه وسلم ـ كما مضى بيانه بتأسيس علاقات التعاون الاجتماعية والاقتصادية بين مسلمي المدينة (الأنصار) ومسلمي مكة (المهاجرين)، وأطلق اسم (المؤاخاة) على هذه العلاقة، وقد ضمت المؤاخاة آنئذ 45 أنصارياً و45 مهاجراً

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

شاهد أيضاً

إغلاق
handjob-hd.net
إغلاق
التخطي إلى شريط الأدوات