sliderالتحقيقات

مصر عصية على الذوبان بصمود الأزهر

رجاله حافظوا على الهوية المصرية حتى فى عهد العثمانيين

 موسى حال

إذا ذكرت مصر الإسلامية.. كان الأزهر وإذا تحدثنا عن مصر الأبية الرافضة للظلم والطغيان فهى الأزهر، ولو قلنا الحفاظ على الثرى المصرى فبدماء الأزهر، ولو بحثنا عن الوحدة الوطنية فها هو الأزهر.

الأزهر هو الحفاظ على الدولة المصرية.. على التراب المصرى.. ومؤسس الوحدة الوطنية المصرية، ولكن كيف حافظ الأزهر على مدار تاريخه على الدولة المصرية.. وما دلالة ذلك؟ سؤال نجيب عليه فى هذا التقرير.

إن الاهتمام بالدعوة الدينية فى المجتمع المصرى على وجه الخصوص لهو أقوى قوة لتدعيم الدولة شعباً ومنظومة حكم، فدولة بلا دين.. بلا قيم دينية.. دولة بلا أخلاق.. لا ينفع معها لا قانون ولا سيف.. ولذلك وضع الأزهر على عاتقه نشر الدعوة الإسلامية الوسطية بين جموع الشعب المصرى وعمل على تقوية الوازع الدينى داخل نفوس المصريين.. والخوف من الله فى كل مناحى الحياة، ولذلك عاش المجتمع المصرى عقوداً وعقوداً من الزمن فى أمان.. وكل الأمان.. الجرائم قليلة.. وفى بعض العهود معدومة، مشاكله كثيرة لكنها سرعان ما تنتهى وتتحطم على صخرة علماء الأزهر، ولتأكيد هذا المعنى كان إنشاء هذا الصرح العلمى الصامد هو هدف الدولة الفاطمية التى نزحت من المغرب العربى سكنت مصر و حكمتها ما يقرب من 200 سنة، فكان إنشاء جامع الأزهر وتدريس العلوم الإسلامية والعربية هو أكبر تدعيم لبقاء الخلافة الفاطمية وأدرك كبار الفاطميين هذا الدور الخطير لتدعيم دولتهم بالأزهر.. فاتجهوا لتدعيمه بكل السبل كى ينهض بدوره فى حفاظ الخلافة وتدعيم الدولة مجتمعاً وحكاماً فى مصر، ولذلك قرر الخليفة الفاطمى العزيز بالله اعتمادات مالية للإنفاق على الأزهر بسخاء، والدارسين به، وعمل الوزير ˜ابن كلسŒ على الإنفاق على الدارسين وإسكانهم وتقديم ما يعرف بالجراية والملابس، ورتب لهم ابن كلس مرتبات من ماله الخاص، كل ذلك كان إداركاً صادقاً من الدولة الفاطمية أن نشر الوعى الدينى هو عمود الخيمة فى أى مجتمع، به ينهض المجتمع وبصدره يقف الغزاة منكسرين يهابون الاقتراب، إن خير ما يدعم.. وما يحمى النظام فى مصر.. ويصنع مجتمعاً سمحاً.. آبيا.. شجاعا.. متماسكا.. هو الأزهر ولدعوته لدين الإسلام.

كرسى الولاية

هذه الحقائق هى التى اغتنمها كل من قعد على كرسى الولاية فى مصر، فبقاء الحكم مرهونا بتدعيم الأزهر، والحفاظ على المجتمع مرهونا بدعوة الأزهر، أكد هذه النظرية نابليون وهو يخاطب خلفاءه.. إذا حصلتم على ثقة كبار مشايخ القاهرة كسبتم الرأى العام المصري، استمرت الدولة الفاطمية قوية موفرة العافية.. بأيدى علماء وطلاب الأزهر، وتستمد بريقها من ضياء الأزهر وتسوس المجتمع بكلمة الأزهر، حتى جاء العصر الأيوبى الذى أغلق الأزهر واستبدله بالمدارس الشرعية ˜المدارس الصالحيةŒ لتدريس المذاهب الإسلامية الأربعة، واللغة العربية.. وتكونت طبقة من العلماء على المذهب السني.. كانوا هم نواة للأزهر السنى حتى يومنا هذا، ونفس النهج مع العلماء انتهجه الناصر صلاح الدين.. دعم المدارس الصالحية بالمال والرعاية لإدراكه أن حكمه مرهون بدور العلماء وأن نصره على الصليبيين مرهون بما يبثه علماء الإسلام وسط جموع الشعب يستنهضونه ودفعه للجهاد بالنفس والمال فى سبيل الحفاظ على الدولة وسيادتها، وفى ذلك الوقت كان علماء الإسلام يأتون فى المرتبة بعد السلطان نفسه.. ولولا ذلك لما رضى الشعب المحب للعلماء على السلطة والسلطان،  الحفاظ على الهوية واللغة الحفاظ على الأمن القومى للدولة المصرية هو فى المقام الأول الحفاظ على هوية المجتمع ولغته وحمل الأزهر من خلال علمائه وطلابه على أكتافهم الحفاظ على الهوية الإسلامية التى تحتضن التعددية وحب الآخر، والحفاظ على لغة تخاطب المجتمع، ومن الأمور البديهية أن اللغة الرسمية منذ الفتح الإسلامى لمصر هى اللغة العربية، ولذلك عمل الأزهر بكل ما لديه من نفحات علمية وتأثير يؤكد فى قلوب أهل مصر على الحفاظ على اللغة العربية، وبنى حائطاً سميكاً شامخاً أمام أى غزو للغة المجتمع وتبديلها، هذا الاستنتاج لم يكن كلاماً نظرياً، أو هوى يمليه حماس أمثالنا.. ولكنها الوقائع التاريخية ماثلة حية أمامنا، الفرنسيون احتلوا مصر حوالى ثلاث سنوات وكان احتلالاً ثقافياً قبل أن يكون احتلالاً عسكرياً، حيث جاء نابليون بالعلماء والمطبعة وغيرها من الوسائل الثقافية التى تغير الأعراف واللغة عند الشعب المصري.. واستمرت حملة نابليون وعلماء هذه الحملة فى العمل فترة الثلاث سنوات.. ولم يستجب لهم مصرى واحد فى تغيير حرف واحد من حروف العربية، وظل الأزهر برجاله يجاهدون لمنع غزو الفرنسية للعربية، وخرج الاحتلال الفرنسى يجر أذيال الهزيمة فى عدم الاستطاعة فى تغيير لغة المصريين للغة المحتل

500 سنة

الخلافة العثمانية التى مكثت فى مصر حوالى ˜500Œ سنة، ارتبطت فيها مصر بالأتراك ارتباطاً وثيقاً، ومع ذلك لم تتغير لغة المصريين للغة التركية، رغم أن النظرية الاجتماعية أن المغلوب مولع بعادات ولغة الغالب إلا أن أى نظرية تخالف ثوابت الأزهر وحفاظه على الأمن القومى المصرى فمصيرها الأوراق التى سنت عليها فقط، استمر الشعب المصرى محكوماً بولاة وإدارة تركية ˜500Œ سنة ولم يتغير حرف من حروف لغته العربية، والفضل هنا لله سبحانه وتعالى أولاً، ثم رجال الأزهر.. لذلك كان رجال الأزهر بعروبتهم وعربيتهم محل التقدير والتبجيل من السلطان العثمانى نفسه حيث كان لا يستجيب لأى قوى مصرية إلا للأزهر الشريف، وحيث إن رغبة الأزهر حماية هوية ولغة مصر العربية فقد أزعن لها السلطان العثمانى.

جاء الاحتلال الإنجليزى عام 1882 وانتهى 1952 حيث استمر حوالى 70 سنة استطاع لطول المدة أن يغير فى بعض الأمور فى مصر إلا أنه لم يستطع أن يغير هوية ولغة المصريين.. حيث وقف علماء الأزهر يرسخون قيم الإسلام، واللغة العربية فى المجتمع.. ولم يثنيهم سعى الإنجليز لتقويض دعوتهم، وانتصر علماء الأزهر وحافظوا على اللغة العربية وعروبة مصر واللسان المصري، فالحفاظ على الهوية ˜الدين واللغةŒ فى المهن هو العامل الكبير فى الحفاظ على الدولة المصرية من الذوبان، فهى وإن كانت قد احتلت عسكرياً فلم تحتل ثقافياً، ولذلك سيظل الأزهر الصخرة التى تتحطم عليها الغزوات على مصر، الأزهر قلعة مصرية تعمل على تعميق الوحدة بين عنصرى الأمة المسلمين والأقباط، وكان للأحداث التى تفاعلت داخل جدرانه وانبثقت منه أصداء بعيدة سواء على المستوى الداخلى فى مصر أو على مستوى السياسة الدولية، تصدى الأزهر للحملة الفرنسية عام 1798م، ووقف علماء الأزهر وطلابه فى وجه أول غزو عسكرى مسيحى أوروبى فى التاريخ الحديث لولاية عربية إسلامية.. وفجع الأزهر فى عدد من علمائه وطلابه وقتل وأعدم منهم الكثير وانسحبت دون أن تحقق أهداف فى إنشاء حكم فرنسى على ضفاف النيل، وقدم الأزهر فى ذلك الكثير من دماء رجاله قدم يدى سليمان الحلبى الطالب الأزهرى التى أحرقها الفرنسيون ووضعه على الخازوق فى تل العقارب القريب من السيدة زينب، ومع زملائه الأربعة وقدم الأزهر العشرات من رجاله فى ثورة القاهرة على الفرنسيين، بالإضافة إلى من كان يقدمه يومياً من دماء طلابه وهم يهاجمون الفرنسيين، ولذلك كانت آخر كلمات لبونابرت وهو خارج من مصر فى وصية لكليبر ˜إذا حصلتم على ثقة كبار مشايخ القاهرة كسبتم الرأى العام المصرى كلهŒ،  تعطيل الدراسة تصدى الأزهر للحملة البريطانية على مصر عام 1807م والتى كانت تتكون من جنود إنجليز وإيطاليين مرتزقة ومجموعة من كتائب المهاجرين الفرنسيين من خصوم الثورة الفرنسية، وقتها أصدر علماء الأزهر أمراً بتعطيل الدراسة فى الأزهر كى يتفرغ مدرسوه وطلابه للدفاع عن البلاد، وشرع الطلاب فى حفر الخندق فى شمال القاهرة وبناء سور لمنع الغزاة من الوصول إلى القاهرة عن طريق شبرا، ونفر فريق آخر منهم مع سائر الشعب المصرى خفافاً وثقالاً إلى رشيد للدفاع عنها، وتكبدت الحملة خسائر فادحة، وكانت هزيمتها فى رشيد وقرية الحماد من الأسباب الحاسمة التى حملت بريطانيا على الجلاء عن مصر فى ذات السنة،  فتوى خلع توفيق ولايزال الأزهر يقدم دماء رجاله رخيصة من أجل الحفاظ على الدولة المصرية أمام كل الأطماع.. فقد انضم علماء الأزهر إلى الثورة العرابية بعد ما تبين لهم خيانة الخديو توفيق وانضمامه للإنجليز، عقد محمود سامى البارودى باشا رئيس الوزراء اجتماعاً فى ثكنات عابدين حضره ضباط الجيش وأعلنوا التصميم على الدفاع عن مصر، وقام الشيخ محمد عبده بوضع صيغة اليمين وتحليف الحاضرين وشارك العلماء وعلى رأسهم شيخ الجامع الأزهر الشيخ محمد إنبابي، وأصدروا فتوى خلع الخديو لانحرافه عن الدين الحنيف، ولما اخفقت الثورة العرابية تعرض علماء الأزهر لانتقام الخديوى والإنجليز، وعزلوا شيخ الجامع الأزهر وقدموا علماء الأزهر للمحاكمة العسكرية التى حكمت على عشرة منهم بالنفى خارج مصر، وفصلت أحد عشر عالماً مع تجريدهم من امتيازاتهم وعلامات شرفهم،  قسيس فوق منبر الأزهر فتح الأزهر أبوابه على مصاريعها للأقباط ورجال الدين الأقباط يخطبون من فوق منبره إبان ثورة 1919، حيث كان علماء الأزهر وطلبته فى مقدمة المشتركين فى ثورة 1919 وتساقطوا على أبواب الجامع إذا كانت ترابط على مقربة منها القوات البريطانية وكثيراً ما كانت تبدأ المظاهرات من الجامع الأزهر وتنتهى داخله، وكانت الاجتماعات السياسية العامة غالباً ما تعقد بداخله، فكان الأزهر يتحدى بريطانيا مطالباً بإنهاء الحماية واستقلال البلاد، عاملاً على تعميق الوحدة بين المسلمين والأقباط، وخطب من فوق منبره علماء الأزهر والمحامون، والمهندسون والأطباء والأقباط، خطب من فوق منبره فى تلك الفترة.. من علماء الأزهر.. الشيخ محمود أبوالعيون، ومحمد عبداللطيف دراز، ومصطفى الغاياتي، وعلى سرور الزنكلونى وعبدربه مفتاح وعبدالباقى سرور، ومن الإخوة الأقباط.. القمص مرقص سرجيوس والقمص بولس غبريال، وغيرهما من الأقباط، كما خطب على منبره.. زكى مبارك ود،محجوب ثابت ويوسف الجندى وإبراهيم عبدالهادى وحسين ياسين، ومن المواقف المشرفة لرجال الأزهر فى الوقوف أمام المساس بمصر وظلم أهلها الفتوى التى أصدرها الشيخ محمد عليش وحسن العدوى ومحمد أبوالعلا الخلفاوى بمروق الخديو توفيق عن الدين لانحيازه إلى الإنجليز الذين يحاربون البلاد،  موقف سليم وفى عام 1951 كان لأحد شيوخ الأزهر وهو الشيخ عبدالمجيد سليم من الجرأة فى الحق ما جعله يقف فى وجه الملك فاروق مندداً بتبذيره ومجونه وفسقه وواجهه بقولته الخالدة ˜تقطير هنا وإسراف هناكŒ فما كان من الملك الخليع إلا أن أرسل برقية إلى القاهرة من مضيفه فى دوفيل بفرنسا بعزله من منصبه، ولما أبلغ الشيخ بالقرار حمد الله، ولما قامت ثورة 1952 أعادته إلى منصبه فى ذات السنة، واستمر دعم الأزهر لحماية وتقوية الدولة المصرية بعد ثورة 1952 وحتى الآن.. فقد وقف الأزهر يضمد جراح المصريين بعد هزيمة 67، وارتجت المنابر الأزهرية لشحذ الهمم لمساندة الجيش المصري، ولا ينسى التاريخ حينما ذهب شيخ الأزهر الإمام عبدالحليم محمود للرئيس السادات قبل حرب أكتوبر ليبشره بالنصر عندما يدخل فى الحرب مع الصهاينة وأخبره برؤياه التى رآها فى منامه التى تؤكد النصر، ولا ينسى التاريخ الاجتماعات المتتالية داخل أروقة الأزهر عقب ثورة 25 يناير لجمع الشمل ودشن عدة وثائق لينتهى الشعب المصرى للخروج من أزمته، هذه لمحة سريعة من فيض زاخر لتاريخ الأزهر فى حفاظه للدولة شعباً وحكماً وجيشاً.. هذه كلمات جمل من أسطر من صفحات بالآلاف جمعها مجلد التاريخ.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

handjob-hd.net
إغلاق
التخطي إلى شريط الأدوات