sliderندوات

مشيئة الله بالأمان.. وردت فى القرآن لمصر والمسجد الحرام فقط

العلماء فى ندوة وزارة الأوقاف و"عقيدتى" بمدينة شلاتين

د.أمين عبد الواجد: حب الوطن لا يحتاج مساومة ولا مزايدة ولا مجادلة

د.هشام عبد العزيز: الحب الصادق للأوطان .. واجبات ومسؤوليات نترجمها على أرض الواقع

الشيخ طارق السعيد:  من لا ينتمى لدينه.. لا ينتمى لوطنه

أدار الندوة: إبراهيم نصر

متابعة: محمد الساعاتى

تصوير: عمر دسوقى      

اليوم موعدنا لنشر تفاصيل الندوة التى أقامتها وزارة الأوقاف بالتعاون مع جريدة “عقيدتى” فى مدينة شلاتين، ضمن فعاليات “قافلة التنوير” التى انطلقت إلى مثلث الجنوب: “شلاتين ـ أبو رماد ـ حلايب” على آخر حدود مصر مع السودان، بقيادة الدكتور محمد مختار جمعة وزير الأوقاف الذى كان فى استقباله اللواء أ.ح أحمد عبد الله محافظ البحر الأحمر.

أقيمت الندوة بمسجد النور وسط مدينة شلاتين، وحضرها جمع غفير من المواطنين، وعدد من قيادات وعلماء وزارة الأوقاف يتقدمهم فضيلة الشيخ ماهر محمدين ياسين مدير إدارة أوقاف حلايب وشلاتين ممثلاً لفضيلة الشيخ رفعت ثابت وكيل وزارة أوقاف مثلث الجنوب.

الشيخ رفعت ثابت وكيل وزارة أوقاف مثلث الجنوب
الشيخ رفعت ثابت وكيل وزارة أوقاف مثلث الجنوب

أدار الندوة الكاتب الصحفى إبراهيم نصر مدير تحرير “عقيدتى”، وحاضر فيها الدكتور أمين عبد الواجد أمين وكيل وزارة الأوقاف لشؤون المساجد والقرآن الكريم، والدكتور هشام عبد العزيز وكيل الوزارة لشؤون مديريات الوجه القبلى، وفضيلة الشيخ طارق السعيد إمام وخطيب مسجد الميناء الكبير بمدينة الغردقة.

افتتحت الندوة بآيات من الذكر الحكيم تلاها فضيلة الشيخ محمود الطوخى قارئ القرآن الكريم بالإذاعة والتليفزيون، واختتمت بابتهالات للشيخ عبد اللطيف العزب وهدان المبتهل بالإذاعة والتليفزيون، وسجلتها الإذاعة المصرية كسهرة دينية تذاع لاحقا من تقديم الإذاعى على السلمى.

أكد العلماء أنه يجب على كل مسلم أن يحب وطنه، ويعمل كل خير لبلده، ويتفانى في خدمته، ويضحي للدفاع عنه، وإن المسلم مطالب بأن يعمل للأمة، ويحزن لحزنها، ويفرح لفرحها، ويدافع عنها، ويسعى لوحدتها. فحب الوطن لا يحتاج لمساومة؛ ولا يحتاج لمزايدة؛ ولا يحتاج لمجادلة؛ ولا يحتاج لشعارات رنانة؛ ولا يحتاج لآلاف الكلمات، موضحين أن أفعالنا تشير إلى حبنا، حركاتنا تدل عليه؛ حروفنا وكلماتنا تنساب إليه، أصواتنا تنطق به؛ آمالنا تتجه إليه، طموحاتنا ترتبط به، لأجل أرض وأوطان راقت الدماء؛ لأجل أرض وأوطان تشردت أمم، لأجل أرض وأوطان ضاعت حضارات وتاريخ وتراث، لأجل أرض وأوطان تحملت الشعوب ألواناً من العذاب؛ لأجل أن نكون منها وبها ولها وإليها، ونحن مطالبون أينما كنا أن نحافظ عليها.

كنانة الله

د أمين عبد الواجد أمين
د أمين عبد الواجد أمين وكيل وزارة الأوقاف

قال الدكتور أمين عبد الواجد أمين: علموا أولادكم حب الوطن، فإن الذى يعيش فى كنانة الله فى أرضه وينعم بخيرها ويشرب من مائها ويستظل بسمائها، لابد أن يكون وفيا لها، موضحاً أن الكنانة هى الخزانة، ولكنها خزائن الله، وخزائن الله لا تنفد أبداً، فالذى يعيش فى هذه الخيرات لابد أن يكون من الذين رضوا، ولا يكون من الذين إذا لم يعطوا منها إذا هم يسخطون.

أضاف: مصر الكنانة رب العرش حاميها .. كأنها نخلة فى الأرض منبتها .. وفرعها فى السماء يخزى أعاديها، فمشيئة الله بالأمان لم ترد فى القرآن الكريم إلا مرتين، مرة للمسجد الحرام فى قوله تعالى: “لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين”، ومرة لمصر فى قوله تعالى: “ادخلوا مصر إن شاء الله آمنين”.

ويدلل الدكتور أمين على أن حب الوطن وتعلق القلب به من هدى سيد الأنام سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، بما رواه عبد الله بن عدى أنه سمع رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وهو واقف على راحلته بالحَزْوَرَة مِنْ مَكَّةَ يَقُول: “وَالله إِنَّك لَخَيْرُ أَرضِ اللهِ وَأحَبُّ أرْضِ اللهِ إِلًى اللهِ، وَلَوْلاَ أنِّي أخْرِجْتُ مِنْكِ مَاَ خَرَجْتُ” (رواه الترمذي وحسنه) كلمات قالها الحبيب صلى الله عليه وسلم وهو يودِّع وطنه، تكشف عن حبٍّ عميق، وانتماءٍ صادقٍ؛ وتعلُّق كبير بالوطن، بمكة المكرمة، بحلِّها وحَرَمها، بجبالها ووديانها، برملها وصخورها، بمائها وهوائها، هواؤها عليل ولو كان محمَّلًا بالغبار، وماؤها زلال ولو خالطته الأكدار، وتربتُها دواء ولو كانت قفارًا. إنها الأرض التي ولد فيها، ونشأ فيها، وشبَّ فيها، وتزوَّج فيها، فيها ذكرياتٌ لا تُنسى، فالوطن ذاكرة الإنسان، فيها الأحباب والأصحاب، فيها الآباء والأجداد.

أشار إلى إن تراب الوطن الذي نعيش عليه له الفضل علينا في جميع مجالات حياتنا الاقتصادية والصناعية والزراعية والتجارية؛ بل إن الرسول – صلى الله عليه وسلم – كان يستخدم تراب وطنه في الرقية والعلاج؛ فعن عائشة رضي الله عنها: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول في الرقية: ” باسم الله، تُرْبَةُ أَرْضِنا، ورِيقَةُ بَعْضِنا، يَشْفَى سقيمُنا بإذن ربنا”( البخاري ومسلم.). والشفاء في شم المحبوب، ومن ألوان الدواء لقاءُ المحبِّ محبوبَه أو أثرًا من آثاره .. ألم يُشفَ يعقوبُ ويعود إليه بصره عندما ألقَوْا عليه قميصَ يوسفَ؟! .. قال الجاحظ: “كانت العرب إذا غزَتْ، أو سافرتْ، حملتْ معها من تربة بلدها رملًا وعفرًا تستنشقه”.

تعلق القلب بالوطن

جماهير الندوة
جماهير الندوة

ويوضح الدكتور أمين عبد الواجد تعلق قلب النبي – صلى الله عليه وسلم – بوطنه الذي نشأ وترعرع فيه ووفائه له وانتمائه إليه، بأنه دعا ربه لما وصل المدينة أن يغرس فيه حبها فقال: ” اللهم حبِّبْ إلينا المدينةَ كحُبِّنا مكةَ أو أشدَّ”. (البخاري ومسلم.) إنه يدعو الله أن يحبِّب إليه المدينةَ أكثرَ من حبِّه لمكة؛ فحبُّ مكة فطرةٌ؛ لأنها وطنه، أما حبُّ المدينة فمنحةٌ وهِبة، فسأل النبي صلى الله عليه وسلم ربَّه أن يحبِّبها إليه حبًّا يفوق حبَّه لمكة؛ لما لها من الفضل في احتضان الدعوة، ونشر الرسالة.وقد استجاب الله دعاءه، فكان يحبُّ المدينة حبًّا عظيمًا، وكان يُسرُّ عندما يرى معالِمَها التي تدلُّ على قرب وصوله إليها. ولذا يجب على كل مسلم أن يحب وطنه، ويعمل كل خير لبلده، ويتفانى في خدمته، ويضحي للدفاع عنه، وعلى المسلم أن يعمل للأمة، ويحزن لحزنها، ويفرح لفرحها، ويدافع عنها، ويسعى لوحدتها، وقد تجد بعضنا يجهر بحب بلده ثم يسرق مقدراته أو يفسد فيه، فيجب أن نعلم أبناءنا كل السلوكيات التي تنبثق عن حب الوطن وأنها ليست مسيرة أو شعاراً بل فعل وممارسة، وعندما قال القائل: ارفع راسك فأنت مصري، يجب أن نترجمه إلى عمل وفعل وننته عن كل سلوك سلبى يفسد ولا يصلح، مثل الطالب الذي يخرب في مدرسته فيتلف ممتلكاتها .. العامل الذي يضرب عن عمله ويعطل إنتاجه .. المتنزه الذي يلقي نفاياته في طريق الناس وأماكن جلوسهم . راكب السيارة الذي يلقي علبة العصير من النافذة أو ربة البيت التي تلقي النفايات في الشارع .. الموظف الذي لا يلتزم بوظيفته ولا يخدم الناس .. المعلم الذي لا يخلص لوظيفته ولا يشعر بالمسؤولية عن طلابه .. رب الأسرة الذي لا يقوم بواجبات أبنائه ورعايتهم وتأديبهم وتأمين عيشهم الكريم .. الأستاذ الجامعي الذي لا يرتقي بطلابه ولا يحفز الإبداع والتفوق فهيم .. الشيخ الذي لا يغرس القيم النبيلة بين الناس بفعله .. أيها الأخوة أنظروا إلى إبراهيم عليه السلام وهو يقول”رب اجعل هذا بلداً آمناً وأرزق أهله من الثمرات” هذا انتماء للوطن ونلحظ هنا أنه قدم الأمن على الرزق وهي التفاتة طيبة نوجهها للذين من أجل مطالب الدنيا يخرجون ويضربون ويعطلون مصالح الناس .

ويختتم الدكتور أمين عبد الواجد كلمته بقوله: لقد قيض الله للدعوة فى مصر رجلاً لم يهدأ باله إلا وقداسترد المنابر ممن اغتصبوها، كما أنه يصل الليل بالنهار خدمة للقرآن الكريم والمساجد، متمثلاً فى شخص معالى وزير الأوقاف الأستاذ الدكتور محمد مختار جمعة، وستظل مصر إلى يوم القيامة بلد الأمن والأمان، حيث لا نعرف قيمتها الحقيقية إلا عندما نعيش خارجها، فنتمنى أن نعود إليها ونمشى على ثراها، ونتنسم من عبق هوائها .. حفظ الله مصر وجعلها بلد الأمن والأمان والسلم والسلام، آمنة مطمئنة وسائر بلاد المسلمين.

واجبنا نحوه

د هشام عبد العزيز
د هشام عبد العزيز

وبدأ الدكتور هشام عبد العزيز كلامه بقوله: حب الوطن لا يحتاج لمساومة؛ ولا يحتاج لمزايدة؛ ولا يحتاج لمجادلة؛ ولا يحتاج لشعارات رنانة؛ ولا يحتاج لآلاف الكلمات؛ أفعالنا تشير إلى حبنا، حركاتنا تدل عليه؛ حروفنا وكلماتنا تنساب إليه، أصواتنا تنطق به؛ آمالنا تتجه إليه، طموحاتنا ترتبط به، لأجل أرض وأوطان راقت الدماء؛ لأجل أرض وأوطان تشردت أمم، لأجل أرض وأوطان ضاعت حضارات وتاريخ وتراث، لأجل أرض وأوطان تحملت الشعوب ألواناً من العذاب؛ لأجل أن نكون منها وبها ولها وإليها، ونحن مطالبون أينما كنا أن نحافظ عليها.

وعن واجبنا نحو وطننا قال: إذا كان الإنسان يتأثّر بالبيئة والوطن الذي ولد فيه، ونشأ على ترابه، وعاش من خيراته، فإن لهذا الوطن عليه حقوقاً وواجباتٍ كثيرةً تتمثل فيما يلي:

– تربية الأبناء على استشعار ما للوطن من أفضالٍ سابقةٍ ولاحقة عليه – بعد فضل الله سبحانه وتعالى – منذ نعومة أظفاره ، ومن ثم تربيته على رد الجميل ، ومجازاة الإحسان بالإحسان؛لاسيما أن تعاليم ديننا الإسلامي الحنيف تحث على ذلك وترشد إليه كما في قوله تعالى : { هَلْ جَزَاءُ الإِحْسَانِ إِلا الإِحْسَانُ } (الرحمن :60).

– الحرص على مد جسور المحبة والمودة مع أبناء الوطن في أي مكانٍ منه؛ لإيجاد جوٍ من التآلف والتآخي والتآزر بين أعضائه الذين يمثلون في مجموعهم جسداً واحداً مُتماسكاً في مواجهة الظروف المختلفة .

– غرس حب الانتماء الإيجابي للوطن، وتوضيح معنى ذلك الحب، وبيان كيفيته المُثلى من خلال مختلف المؤسسات التربوية في المجتمع كالبيت، والمدرسة، والمسجد، والنادي، ومكان العمل، وعبر وسائل الإعلام المختلفة مقروءةً أو مسموعةً أو مرئيةً.

– العمل على أن تكون حياة الإنسان بخاصة والمجتمع بعامة كريمةً على أرض الوطن، ولا يُمكن تحقيق ذلك إلا عندما يُدرك كل فردٍ فيه ما عليه من الواجبات فيقوم بها خير قيام ؛ فالحب الصادق للأوطان واجبات ومسؤوليات يجب علينا أن نترجمها على أرض الواقع؛ وهذا مكلف به الجميع كل حسب استطاعته ووسعه وما في مقدوره.

– تربية أبناء الوطن على تقدير خيرات الوطن ومعطياته والمحافظة على مرافقه ومُكتسباته التي من حق الجميع أن ينعُم بها وأن يتمتع بحظه منها كاملاً غير منقوص .

– الإسهام الفعال والإيجابي في كل ما من شأنه خدمة الوطن ورفعته سواءٌ كان ذلك الإسهام قولياً أو عملياً أو فكرياً ، وفي أي مجالٍ أو ميدان ؛ لأن ذلك واجب الجميع ؛ وهو أمرٌ يعود عليهم بالنفع والفائدة على المستوى الفردي والاجتماعي .

– التصدي لكل أمر يترتب عليه الإخلال بأمن وسلامة الوطن، والعمل على رد ذلك بمختلف الوسائل والإمكانات الممكنة والمُتاحة.

– الدفاع عن الوطن عند الحاجة إلى ذلك بالقول أو العمل؛ فجميل أن يموت الإنسان من أجل وطنه، ولكن الأجمل أن يحيى من أجل هذا الوطن.

الحضن الدافئ

وفى ختام كلمته يقول الدكتور هشام عبد العزيز: إن كلمة وطن بضعة أحرفٍ تُكوّن كلمةً صغيرةً في حجمها، ولكنّها كبيرة في المعنى؛ فالوطن هو بمثابة الأمّ والأسرة، وهو الحضن الدّافئ لكلّ مواطنٍ على أرضه، وهو المكان الذي نترعرع على أرضه، ونأكل من ثماره ومن خيراته، فمهما ابتعدنا عنه يبقى في قلوبنا دائماً، إنه الأرض التي نبت فيها الإنسان وترعرع، والسّماء التي أظلّته، والهواء الذي يتنفّسه، والماء الذي يشربه، والخير الذي يأكل منه، وقد تغنّى الشّعراء بحبّ الوطن، فقال أحد الشّعراء: وطنى نشأت بأرضه ودرجت تحت سمائه .. ومنحت صدري قـوةً بنسيمه وهوائه .. ماء الحياة شربته لمّا ارتويت بمائه .. وملأت جسمى عزة حين اغتذى بغذائه .. ولذلك يجب أن نحافظ على وطننا بالدّفاع عنه وقت الخطر، وحمايته من كيد الأعادي، وفي وقت السّلم نعمل مخلصين لرفع علم بلادنا عالياً، وفي الحرب نهبّ للدّفاع عن الوطن ونقدّم أرواحنا فداءً له. قال أمير الشعراء أحمد شوقي: وطني لو شغلت بالخلد عنه .. نازعتني إليه في الخلد نفسى. ولأنّ حبّ الإنسان لوطنه فطرة مزروعة فيه، فإنّه ليس من الضّروري أن يكون الوطن جنّةً مفعمةً بالجمال الطبيعيّ، تتشابك فيها الأشجار، وتمتدّ على أرضها المساحات الخضراء، وتتفجّر في جنباتها ينابيع الماء، لكي يحبّه أبناؤه ويتشبّثوا به،فقد يكون الوطن جافّاً، أرضه جرداء، ومناخه قاسٍ، لكنّ الوطن رغم كلّ هذا، يظلّ في عيون أبنائه حبيباً، وعزيزاً، وغالياً، مهما قسا ومهما ساء. ولكن هل الوطن يعرف حقيقة حبّ أبنائه له؟ هل الوطن يعرف حقاً أنّه حبيب، وعزيز، وغالٍ على أهله؟ إنّ الحبّ لأيّ أحد أو أيّ شيء لا يكفي فيه أن يكون مكنوناً داخل الصّدر، ولابدّ من الإفصاح عنه، ليس بالعبارات وحدها وإنّما بالفعل، وذلك كي يعرف المحبوب مكانته ومقدار الحبّ المكنون له. والوطن لا يختلف في هذا، فهو يحتاج إلى سلوك عمليّ من أبنائه، يبرهن به الأبناء على حبّهم له، وتشبّثهم به.

الحب فى الله

الشيخ طارق السعيد
الشيخ طارق السعيد

ويؤكد الشيخ طارق السعيد أن الإنسان يرتبط منذ الأزل بالمكان الذى ولد وتربى فيه، ولهذا يطلق عليه اسم الوطن، موضحاً أن الانتماء للوطن فطرة داخلية لدى الإنسان مثل انتمائه لأبيه وأمه، وأن هناك أموراً تزيد من انتماء الإنسان لوطنه، وتجعله يحافظ عليه وأن يكون إيجابياً وفعالاً لتحقيق الرفاهية لأبناء وطنه، وأول هذه الأمور الحب والمودة لكل أهل وطنه، مشيراً إلى أن الحب فى الله من أهم العبادات التى تعمل على تقوية الروابط بين أبناء الوطن، وبالتالى ينتقلون إلى مرحلة التعاون فيما بينهم على كل خير يؤدى إلى رفعة الوطن، لأن الانتساب للوطن لا يكون إلا بواقع ملموس حيث يتكاتف الجميع للعمل على تنمية وطنهم، وهذا يتأتى بنبذ الخلافات والمشاحنات، وعدم تفريغ الطاقات بشكل سلبى فيما لا يفيد، وإنما يكون التعاون فى كل ما يحقق المنفعة للوطن، وحين يقوى الوطن يقوى كل فرد ينتمى إليه ويعيش على أرضه.

أضاف: ولابد من إبراز مبدأ الوحدة الوطنية كمنهج حياة متكامل، وهذا يتأتى بالتعايش السلمى بين كل طوائف وأفراد الوطن الواحد، ففى مصرنا الغالية نجد التآخى والمحبة هما الأبرز فى العتامل بيثن أبناء الوطن من مسلمين وأقباط، وهذا انعكاس لتاريخا العريق، فقد مر النبى محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ فى رحلة الإسراء والمعراج من عند جبل الطور بسيناء، وكانت مصر هى الحاضنة والحامية للسيدة مريم ولولدها سيدنا عيسى عليه السلام، وفيها عاش سيدنا موسى عليه السلام، وعاش سيدنا إدريس وسيدنا يعقوب وسيدنا يوسف عليهم جميعا السلام، وغيرهم من الأنبياء، وأهل مصر هم أخوال العرب من جهتين: من جهة السيدة هاجر، والسيدة مارية القبطية.

الحفاظ على الهوية

أوضح الشيخ طارق السعيد أن الحفاظ على الهوية والأرض والعادات والتقاليد،يحث عليه ديننا الحنيف، فمن قواعد الشريعة الإسلامية أن المعروف عرفاً كالمفروض فرضاً، وقال النبى ـ صلى الله عليه وسلم ـ  “من مات دون دينه فهو شهيد، ومن مات دون ماله فهو شهيد، ومن مات دون عرضه فهو شهيد” ولكل ما سبق فإن الذى يموت ويضحى بنفسه من أجل وطنه فهو شهيد، وشهادته هذه تتضمن كل الشهادات السابقة، لأن الدين فى الوطن والمال فى الوطن والعرض فى الوطن، وهذا الذى دافع عن وطنه ومات فداء ذلك، فقد مات فداء لدينه وماله وعرضه، ويجب علينا أن نعتز بهويتنا المصرية، فهى بلد زكاها الله، وزكاها رسوله ـ صلى الله ليه وسلم ـ وعلينا كذلك أن نعتز برموز الوطن ومؤسساته فى الداخل والخارج، وأن نلتزم بقوانين وقواعد الوطن السلوكية حتى يكون انتماؤنا إلى وطننا انتماءً إيجابياً، وليس مجرد شعارات .. فشرف للواحد منا أنه ينتمى إلى وطن تجلى الله على أرضه وعليه سار أشرف خلقه.

أضاف: والرسول صلي الله عليه وسلم كان حين يذكر أحد الصحابة مكة أمامه تذرف عيناه بالدمع ويقول له :”دع القلوب تقر” فهو عندما خرج من مكة خرج حزيناُ مكلوماً فبشره ربه قائلاً ” إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَاد”(القصص/85)..  جاء في تفسير القرطبي أن النبي لما خرج من مكة مهاجراً فبلغ الجحفة اشتاق إلى مكة فأوحى الله إليه هذه الآية. ولما أصبحت المدينة هي دار دولة الإسلام أحبها كما أحب مكة، فإذا كان في سفر فاقترب من المدينة أسرع في سيره كما ذكر البخاري في صحيحه أنه إذا كان في سفر فأبصر المدينة أوضع راحلته أي أسرع. يقول ابن حجر في شرحه فتح الباري لشرح صحيح البخاري وفي الحديث دلالة على مشروعية حب الوطن والحنين إليه، وقال بعض الفلاسفة: “فطرة الرجل معجون بحب الوطن” ولذا قال أبقراط: يداوي كل عليل بعقاقير أرضه فإن الطبيعة تتطلع لهوائها وتنزع إلى غذائها. وقالت الهند: حرمة بلدك عليك كحرمة أبويك لأن غذاءك منها وأنت جنين وغذاءهما منه” وقال أخر:من إمارات العاقل بره لإخوانه وحنينه لأوطانه ومداراته لأهل زمانه. وكانت العرب إذا غزت وسافرت حملت معها من تربة بلادها رملا وعفرا(ترابا) تستنشقه عند نزلة أوزكام أو صداع، لذلك كانت السيدة عائشة رضي الهو عنها دائماً تقول: “مارأيت القمر أبهي ولا أجمل مما رأيته في مكة” وذلك كناية علي حبها وعشقها وشدة حنينها للوطن. والحب يقتضي الانتماء والتعلق بالأوطان والمحافظة عليها وصيانتها وبذل النفيس الغالي من أجلها وفي سبيل رفعتها وبقائها ورفع رايتها عالية خفاقة فالانتماء، كلمة معناها عظيم.. وهذا الانتماء يكون للدين وللوطن كما يكون للأسرة والأهل وللأرض.

الانتماء للدين

ويوضح الشيخ طارق السعيد أن الانتماء للدين قبل كل شيء، فمن لم ينتم لدينه، ومن هو جاحد لدينه فلن يتعلم الانتماء للوطن وحب الوطن .. من أجل ذلك تحمل الرسول صلي الله عليه وسلم ومن معه من المسلمين الأوائل الصعاب والمشاق في سبيل نشر الدين الإسلامي وتعرضوا لأشد أنواع العذاب والتنكيل .. حتى أن المسلم كان يأتي لرسول الله صلي الله عليه وسلم يشكو قسوة التعذيب ..كما روي أن خبابا يقول : “أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وهو متوسد ببردة وهو في ظل الكعبة وقد لقينا من المشركين شدة فقلت: ألا تدعوا الله؟ فقعد وهو محمر وجهه فقال: قد كان من كان قبلكم ليمشط بأمشاط الحديد ما دون عظامه من لحم أو عصب ما يصرفه ذلك عن دينه، و يوضع المنشار على مفرق رأسه يشقه نصفين ما يصرفه ذلك عن دينه وليتمن الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت ما يخاف إلا الله عز وجل” .. أو كما قال صلى الله عليه وسلم.

تساؤلات مهمة

أما عن الانتماء للوطن فيقول: الانتماء للوطن يأتي في المنزلة الثانية مباشرة بعد الانتماء للدين والعقيدة، وقبل الحديث عن حب الوطن والانتماء إليه نطرح عدة أسئلة لعلنا أن نجد الإجابة عليها من خلال حديثنا إليكم اليوم .. هل الانتماء للوطن هو مجرد تحديد الرقعة الجغرافية ؟.. هل هو مجرد تحديد لشكل العلم الذي سأحمله في مباريات كرة القدم؟.. هل نعتبر من هم خارج الوطن أقل انتماءً لأنهم تركوه أم قد يكونوا أكثر انتماءً ممن يعيشون داخل حدود الوطن و يخربونه؟.. من منهم أكثر انتماءً؟.. هل كل من قال أنا وطني ، ينطبق عليه شروط الانتماء ؟.. ما هو مفهوم الانتماء إلى الوطن؟.

وللإجابة علي كل هذه الأسئلة يقول: إن انتماءنا لوطن معين يفرض علينا واجبات كثيرة، فالانتماء ليس فقط لتحديد جنسية في خانة الجنسية لتكملة شهادة الميلاد أو البطاقة، اعتقد أن كلمة انتماء لها معاني عميقة، وهي تعنى الكثير، اعتقد أنها تعنى الإحساس بحب الوطن والرغبة في الدفاع عنه والتباهي بالانتماء إليه مهما حدث، والتضحية من أجله، الانتماء للوطن هو أن نربى أبناءنا على حب الوطن، على معنى كلمة الوطن .. الانتماء للوطن، هو التعرف على تاريخه، على حضارته والمساهمة في بناء مستقبله .. اعتقد أننا افتقدنا المعنى الحقيقي للانتماء وضاع الانتماء مع معاني أخرى كثيرة ضاعت .ويعد مفهوم الانتماء الوطني من المفاهيم العالمية المهمة في عالمنا المعاصر الذي أصبح من المفاهيم المتكررة في وسائل إعلامنا وفي محاضراتنا وندواتنا بل أصبح مفهومًا رئيسًا في حياتنا العامة، وإذا كان حبّ الوطن فطرةً، فإنّ التّعبير عنه اكتساب، وتعلّم، ومهارة، فهل قدّمنا لأطفالنا من المعارف ما ينمّي لديهم القدرة على الإفصاح عمليّاً عن حبهّم لوطنهم؟.. هل علّمناهم أنّ حبّ الوطن يقتضي ان يُبادروا إلى تقديم مصلحته على مصالحهم الخاصّة؟ فلا يتردّدوا في التّبرع بشيء من مالهم من أجل مشروع يخدم مصلحته، أو أن يسهموا بشيء من وقتهم، او جهدهم، من أجل إنجاز مشروع ينتفع به، هل علّمناهم أنّ حبّ الوطن يعني إجبار النّفس على الالتزام بأنظمته، حتّى وإن سنحت فرص للإفلات منها، والالتزام بالمحافظة على بيئته ومنشآته العامّة، حتّى وإن رافق ذلك مشقّة؟ هل دربّناهم على أن يكونوا دائماً على وفاق فيما بينهم، حتّى وإن لم يعجبهم ذلك، من أجل حماية الوطن من أن يصيبه أذى الشّقاق والفرقة؟ إنّها تساؤلات إجابتها الصّادقة هي معيار أمين.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

إغلاق