sliderالتحقيقاترمضان

مسنون في الشوارع ودور الإيواء ..والوحدة تقتل فرحتهم برمضان

"صباح" تقضيه مع الكلاب الضالة ..و"عيسى" تركه وحيده وسافر

تحقيق: منى الصاوي

يعتصر قلبك حزنًا عندما تري وجوههم البائسة التي تكسوها التجاعيد وافترسهم المرض وقتلوا معنويا بسبب إهمال الأبناء الذين تركوهم عُرضة للتخبط الذي قد يصل إلي الإهانة .. أنهم الآباء والأمهات ليس في دور للمسنين بل في الشوارع يعيشون مع الكلاب الضالة التي وجدوا فيها وفاء لم يجدوه من أبنائهم الذين ضيعوا العمر من أجلهم وكان مصيرهم الجحود ، قامت “عقيدتي ” بجولة بأحد شوارع العاصمة، التقت بعضهم وتعرفت منهم علي قصص تدمي القلوب وتدمع العيون فماذا قالوا؟

صباح

البداية كانت مع سيدة عجوز تخطي عمرها ال 70 ، ملقاة علي الأرض، واضعة حجر من الطوب أسفل رأسها بديلًا عن الوسادة، وتحتها أكياس بلاستيكية وكراتين ورقية حتى لا يلمس جسدها الرصيف، ويجلس بجوارها مجموعة من الكلاب الضالة وقطط الشوارع ويطوف حولها الذباب والناموس والحشرات الزاحفة، اقتربنا منها وسألناها عن كُنيتها وسبب وجودها بهذا المكان، ردت قائلة: أنا اسمي صباح، جئت هنا بعد أن طردني ابني من منزلي، كنت أسكن في شقتي التي تزوجت بها وأقمت بها حتى بعد وفاة زوجي، وكنت أوفر من قوتي ومن ميزانية علاجي لأجمع المال كي أساهم في زواج ابني، وبالفعل زوجته معي في نفس الشقة.

أضافت صباح والدمع في عينيها : بعد فترة قليلة من الزواج فوجئت بزوجة ابني تعاملني معاملة قاسية وتتعمد إهانتي وأحيانا تضربني وتسبني بأبشع الألفاظ، وكانت تفعل كل هذا وتشتكي لزوجها أنى افتعل معها المشاكل رغم معاملتها الطيبة لي فكانت تتبع المثل الشعبي القديم ” ضربني وبكى وسبقني واشتكى”.

الوضع الجارح

وأكملت الحاجة صباح حديثها والدموع تملأ عينيها قائلة : تحملت هذا الوضع الجارح لشهور طويلة، حتى بدأت تمنع عني الأكل والماء، وتتعمد إخفاء أدوية الضغط والقلب، وفي مرة من ذات المرات اشتدت آلامي بسبب الوجع وقت أذان الفجر ، دعوت عليها من كل قلبي حتى سمعتني وفوجئت بها كالمجنونة تطيح بكل من حولها، فأستيقظ ابني من غفوته وامسكني من أعلى جلبابي كما يمسك الضابط الحرامي، وقالي لي ” غوري في داهية أنتِ ملكيش مكان هنا”، حاول الجيران التدخل ووجهوا لابني وزوجته اللوم وقالوا لهم “اتقوا الله فيها” وقامت مشاجرة كبيرة بين ابني وجيرانه وصلت لحد الشتيمة والضرب ، ومنذ هذا الوقت – قبل حوالي شهرين- وأنا قررت ألا أعود إليه مرة أخري واخترت الإقامة في الشارع، فرغم قساوته إلا إنه أحن على من أبني وزوجته.

وأوضحت صباح، أنها قديمًا كانت تقضي أيام رمضان في بيتها وسط أحبابها، لكنها في هذا الشهر الكريم الظروف أجبرتها أن تقضيه وسط الحيوانات الضالة، وقبل المغرب بربع ساعة تتعكز كي تذهب إلي “مائدة رحمن” قريبة من “فرشتها”، فيعطونها الأكل ثم تعود مرة أخري إلي مكانها بالشارع، أما في السحور فالكلاب الضالة تشاركها الطعام، كما أنه لم يعد بمقدورها أن تقوم خمس مرات تلبي نداء ربي فاكتفت بأن تصلي بقلبها وعينيها قائلة: عسى الله أن يتقبل دعائى ويأخذ روحي ويرحمني من عذابي هذا!

غدر الوحيد

قامت “عقيدتي” بزيارة إحدى دور المسنين وصادفت حكايات مُبكيات ومُحزنات، أبطالها أبناء عاقون، وآباء مجني عليهم، فكلما مر عليهم الوقت شعروا بالمعني الحقيقي للغدر والخيانة والظلم والقهر، متسائلين: كيف بعد هذا العمر الذي ضاع هباءً في الكدح والعناء لتوفير حياة كريمة لهم أن يكون هذا مصيرنا؟ بعضهم يقارن نفسه ببعض الآباء الذين يعيشون في راحة بال وهدوء في كنف أولادهم بعد أن كللوا مسيرة الكفاح والكد.

هجران الأب

في إحدى دور المسنين بمنطقة إمبابة، التقينا بالحاج عيسى، الذي اكتسي وجهه بالحزن وتعسكر المرض في جسده لا يصدق أنه وبعد هذا العمر نزيل دار مسنين، وقال بوجه مكلوم ونظرات شاردة: كنت أعمل محاسبًا بأحدى شركات القطاع الخاص، وميسور الحال وربيت أبني الوحيد بشكل جيد وأنفقت على تعليمه كل مدخراته، إلى أن أصبح طبيبًا وجاءته فرصة للهجرة والعمل بأمريكا، وبالفعل لملم أغراضه وهاجر وتركني وهمومي نتخبط سويًا حتى يأتي الأجل.

أضاف عيسى: ابني لم يبال بتوسلاتي إليه ويتركني وحيدًا، ورفض أن يشق طريقه في بلده وقال لي “متقفش أمام حلمي يا بابا”، لافتًا إلي انه كان يتصل به من فترة لأخرى للاطمئنان على صحته لكنه منذ أكثر من سنة لم يعد يتصل به وانشغل في حياته ودراسته.

وأوضح عيسى، أن القائمين علي دار المسنين التي يقيم فيها يتعاملون معه معاملة طيبة ويراعونه ويوفرون مطالبه ويدفع لهم معاشه كاملًا مقابل خدمته.

رمضان زمان!

وعن حاله في رمضان قال: قديمًا كنت أقضي رمضان في بيتي وسط زوجتي التي توفاها الله من سبع سنوات وابني الذي كان حينها في مرحلة الدراسة، كان شهر رمضان من أفضل شهور السنة تقربًا وتضرعًا إلي الله، فكان يجمعنا الحب والمودة والرحمة إلى أن قرر ابني الغدر فدخل الحزن بيتنا، وأصبح رمضان الآن ليس له أي طعم فلم أعد أشعر بجو الأسرة، وأفضل ألا أخرج من غرفتي وألا أقوم من سريري.

مقالات ذات صلة

handjob-hd.net
إغلاق
التخطي إلى شريط الأدوات