sliderالرأى

محمد والمسيح.. حينما يُهاجران

بقلم د. ناجح إبراهيم

الهجرة قَدَر علي الأنبياء، وكأنها جزء من حياتهم ورسالتهم, هاجر إبراهيم ويوسف ويعقوب والأسباط، كما هاجر محمد والمسيح عليهم السلام، هاجر المسيح وعمره عامان مع أمه العذراء مريم ويوسف النجار كفيله.

لم تكن هجرة المسيح اختياراً شخصياً ولكنه كان تكليفاً سماوياً، فقد عزم ملك فلسطين الروماني هيرودس قتل المسيح خوفاً علي مُلكه من ذلك النبي الذي ينشر التوحيد وينصر الفقراء والضعفاء ويسوِّي بين الناس ويظهر المعجزة تلو الأخرى.

أرسل  الملك جنوده إلي بيت لحم ينقضّون علي الأطفال الرُضَّع يذبحونهم بغير رحمة حتي تحوّلت منازلها إلي ساحات للبكاء والعويل والنحيب، وفي هذا الصباح كان ركب المسيح يغادر متجهاً إلي مصر عبر سيناء.

ولكن لماذا إلي مصر؟ وكان يمكنه أن يتجه إلي بلاد حوله لا يمتد إليها سلطان هيرودس طاغية فلسطين.

كان بإمكانه التوجّه إلي الشام والعراق أو تبوك أو ينبُع، ليكون آمنا فيها ولكن الله اختار له مصر، لأن أهل مصر فيهم من الرِّقة والعطف والرحمة والتحضر الكثير، وهي نفس الأسباب التي اختار الله من أجلها المدينة المنورة ليهاجر إليها الرسول لأن فيها من الرفق والنصرة والتحضر الإنساني ما لا يوجد في غيرها مثل ثقيف بالطائف التي صدّت الرسول صلى الله عليه وسلم وآذته وسبَّته وكانت نموذجاً للغلظة والجفوة فالأنبياء لا تهاجر إلي أي مكان بل يختار الله لها كل شئ.

تُري لو أن الطائف استجابت للرسول وآوته، لحصَّلت كل الخيرات والبركات والدعوات النبوية المباركة التي حلَّت بالمدينة وأهلها؟!

لقد كان بإمكان ركب المسيح المبارك أن يتوطّن في بلدة صغيرة في مصر إذا كان هدف رحلته إلي مصر الأمان والهروب من الطغيان فقط، ولكن الرحلة كانت تهدف في المقام الأول لحلول بركة المسيح وأمّه العذراء في أرض مصر الطيبة التي احتضنت الرسل والرسالات، فعيسي ابن مريم كان يأمل في نُصرة المصريين له، كما كان الرسول يأمل في نُصرة الأوس والخزرج له.

وكأن ركب المسيح المبارك يريد أن يقول للدنيا كلها: إن مصر ستتحدى بالتوحيد الخالص مشركى الرومان، كما كان محمد صلى الله عليه وسلم يأمل في أن يتحدي أهل المدينة من الأوس والخزرج مشركى قريش.

جاء المسيح ليُبارك مصر وأهلها، جاء محمد ليبارك المدينة وأهلها وليقول كل منهما: إن أهل الرِّقة والتواضع والرحمة هم من يستحقّون احتضان رسالات السماء.

كان ركب المسيح مكوناً من ثلاثة: المسيح طفلاً وأمّه العذراء ويوسف النجار ومعهم حمار يركبونه أحياناً أو يحمل متاعهم، وكما خلَّد القرآن “كلب أهل الكهف” ذكرت السير هذا الحمار الذي نال بركة من الذين حملهم ومتاعهم.

أما ركب محمد في هجرته فاثنان فقط: الرسول والصدّيق العظيم أبو بكر، وكان الله مع كلا الركبين حارساً وناصراً “مَا ظَنُّكَ بِاثْنَيْنِ اللَّهُ ثَالِثُهُمَا” فلم يكن مع القافلتين حراسة أو حتي سلاح أو حماية.

كانت هجرة الرسول بناءً علي اتفاق سابق مع الأوس والخزرج عبر بيعتي العقبة الأولي والثانية التي تنص علي أن يدافعوا عن الرسول ودعوته ورسالته كما يدافعون عن أبنائهم وذويهم، أما المسيح وركبه فقد جاءوا إلي مصر دون سابق معرفة أو اتفاق مع أهلها.

كانت هجرة الرسول للمدينة تدشينا لدولته الجديدة واختياراً لعاصمتها، سيحيا فيها ويموت فيها، ولن يتركها حتي بعد فتح مكة التي هي أحبّ بلاد الله إليه، وهو قالها لأهل المدينة: “المحيا محياكم والممات مماتكم”، أما المسيح وركبه فسيجول في مصر ثم يعود بعدها إلي مهد دعوته ورسالته في فلسطين حيث بطش الرومان ومكر الكهنة، وكيد بني إسرائيل له.

كانت رحلة ركب المسيح طويلة وشاقة، فمن بيت لحم إلي القوصية بأسيوط قطع قرابة ألفي كيلو متر، واستغرقت الرحلة ثلاث سنوات كاملة، انتقلت فيها الأسرة المباركة من العريش إلي الفرما “بالقرب من القنطرة شرق حالياً” ثم بورسعيد فالشرقية التي ساحت منها إلي بلبيس وأنشاص، ثم دخلت إلي قلب الدلتا فمرَّت بسمنود وسخا ووادي النطرون ثم المطرية والمعادي، ثم مرَّت ببني سويف والمنيا ثم استقرّت ستة أشهر كاملة في القوصية، وهي أطول فترة قضاها الركب المبارك في مكان في مصر.

ولذلك لم يشيّدوا مكاناً للتعبّد إلا في القوصية حيث تحوّل بعد ذلك إلي الدير المحرق الشهير، فقد كانوا يسيحون في الأرض ولا يمكثون في موضع طويلاً.

وفي طريقهم عبر سيناء تذكَّرت مريم أنه في مثل هذا الطريق بيع يوسف بدراهم معدودة، وجاء منه جدّهم الأكبر إبراهيم وزوجته سارة، وفيه أيضاً جاء يعقوب وأولاده وأسرته فدخلوا مصر آمنين، ومنه هرب موسي من بطش فرعون ثم بُعث رسولاً.

لم يمر ركب المسيح ببلدة أو قرية في مصر إلا وحلَّت فيهم بركتهم وأكرم المصريون وفادَتهم رغم أنهم لا يعلمون شيئاً عن قصة المسيح ونبوّته ومعجزاته ولكن حبهم سكن في قلوب المصريين.

جاء المسيح إلي مصر وعمره عامان وغادرها وعمره خمس سنوات، لم يلق الركب خلاله إلا الترحيب والتكريم.

وكذلك وجد الرسول وأبي بكر أهل المدينة يحيّونه ويستقبلونه بالأناشيد التي خلَّدها التاريخ .

دشَّن الرسول المسجد النبوي الذي صار أيقونة للإسلام، ودشَّن المسيح دير المحرَّق كأول مكان للتبتّل والعبادة علي الأرض.

كان مركز رسالة محمد “مكة والمدينة” أما مركز رسالة المسيح ففي مصر وفلسطين، مولد محمد كان في مكة ودعوته ورسالته ونصرته كانت المدينة، ومهبط رسالة المسيح كانت فلسطين ولكن دعوته الحقيقية كانت في مصر.

ورغم ذلك فإن رسالات السماء ليست حكراً علي قوم دون قوم أو بلد دون آخر، إنها للعالم كله وللإنسانية جمعاء، إنها أرض الله الواسعة لا تضيق بنبي أو وليّ أو عابد أو زاهد أو مظلوم أو مضطهد.

 

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

pmclips.com
إغلاق
التخطي إلى شريط الأدوات