sliderالمرأة

متى يُباح للمرأة أداء الحج والعُمْرَة.. بدون مِحْرِم؟!

الشيخ عبد الحميد الاطرش: الشيطان أكثر نشاطا في أماكن العبادة

د‌.عبدالحليم منصور: مرهون بانتفاء مخاطر السفر

تحقيق: سمر عادل

مناشدة من المذيعة دعاء فاروق تقدمت بها إلى الملك سلمان بن عبدالعزيز- خادم الحرمين الشريفين- للسماح للمرأة دون سن الخامسة والأربعين بالسفر لأداء الحج والعمرة دون مِحْرِم.. وتساءلت المذيعة: إذا كان الرجال يُصلّون في مكان غير النساء، فما هو مصدر الخوف على المرأة، خاصة أن مكة هي دار الأمن والأمان؟!

المناشدة رغم اتخاذها شكل الاقتراح إلا أنها تثير قضية في غاية الأهمية: ماذا تفعل المرأة الأقل من خمسة وأربعين عاما، وليس لها أبا أو أخا أو زوجا وقادرة ماديا؟ هل تُضيّع فريضة الحج لمجرد غياب المِحْرِم؟

وإذا كانت السعودية قد سمحت مؤخَّرا بالتأشيرات السياحية للنساء دون محرم، كما أجازت دار الإفتاء المصرية في فتوى لها سفر الفتيات للتنزّه دون محرم، إذا توفر الأمن بالطريق، أليس من باب أولى أن نُطبِّق هذا التيسير على السفر لأداء الفرائض والعبادات؟!

علماء الدين يجيبون في السطور التالية.

د. عبدالحليم منصور- عميد كلية الشريعة والقانون بتفهنا الأشراف- يؤكد أن سفر المرأة بدون محرم سواء كانت في سن الخامسة والأربعين أو أكثر مسألة بها رأيان بالشرع، الأول: إن المرأة لا يجوز لها أن تسافر إلا مع زوج أو محرم، حيث قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: (لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر مسيرة يوم وليلة إلا مع ذي محرم) وهذا رأي قديم حيث كان السفر قديما شاقا، ووسائل التأمين غير متوفرة، والحكم هنا مُعلَّل بهدف تأمين المرأة.

أما الشافعية فقد رأوا أنه إذا كانت مع المرأة نسوة مأمونة يجوز لها أن تسافر دون محرم، وهذا الرأي يتماشى مع المرحلة المعاصرة وفكرة التيسير على المُكلَّفين، فالمرأة الآن تسافر في مطار مؤمَّن برجال الشرطة والجيش، وفكرة الأمان والرفقة موجودة على الطائرة، وكذلك الحال في مطار جدَّة وفي المدينة، من ثَمَّ يتسنى القول بمشروعية أداء المرأة للعُمرة دون محرم، وهذا يتناسب وفقه الواقع وتجديد الخطاب الديني، فطالما انتفت المخاطر التي كانت تستدعي ضرورة سفر المرأة مع زوجها أو أحد محارمها، وأصبح هناك تأمين على البواخر والقطارات وكل وسائل المواصلات فإن الدعوة لسفر المرأة  لأداء الحج والعمرة دون محرم اقتراح مقبول وجيد لا يتنافى مع الشرع الإسلامي إطلاقا بل يتماشى مع روحه.

شروط وضوابط

ويرى د. محمد الشحات الجندي- أستاذ الشريعة والقانون بكلية الحقوق جامعة حلوان، أمين عام المجلس الأعلى للشئون الإسلامية الأسبق- أنه لا يوجد نص يمنع  أداء المرأة للحج أو العمرة دون محرم، خاصة أن الوضع الآن يختلف عما كان موجودا في العصر الإسلامي الأول، حيث كانت المملكة العربية السعودية عبارة عن صحراء، أما الآن فهي مأهولة بالسكان ومعمورة، والناس تسافر بصورة جماعية بالطائرات أو غيرها، وبالتالي فالمسألة لا توجد بها الخلوة التي تحدَّث عنها الحديث الشريف، حيث قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: (لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر مسيرة يوم وليلة إلا ومعها ذو محرم).

إذا، فالنهي في هذا الحديث كانت علَّته أن المرأة في الماضي كانت وحدها ومنفردة مما يثير الخشية عليها، فجاء هذا الحديث يشمل كل المراحل العُمرية للمرأة سواء كانت فتاة صغيرة أو متزوجة أو ناضجة أو راشدة، وذلك لعلَّة ألا يخلو أحد بها أو يضايقها أو يعرِّضها موقف لأمر يخالف الشريعة الإسلامية، لذلك كان السفر وحدها غير جائز، أما الآن فالأمر مختلف اختلافا جذريا لأنه لا توجد مثل هذه الخلوة الآن، فشعائر الحج كلها تُمارَس بصورة جماعية يكاد الإنسان فيها لا يجد لنفسه فرصة لأن يخلو بنفسه، بل يكون محاطا بالزحام في كل مكان، وحتى في إجراءات  السفر بدءا من خروج المرأة من بيتها للوصول للمطار ثم ركوب الطائرة والوصول لمطار السعودية والذهاب مع قريناتها من النساء لأداء الشعائر، كل هذا يتم بصورة جماعية لا تتحقق فيها الخلوة، إذا فالمطالبة بالسماح للمرأة بالسفر لأداء العمرة والحج دون محرم مطالبة في محلها، خاصة أنها رحلة دينية تعبّدية إلى بيت الله المقدس، لكن  مسألة السن ينبغي ألا تؤخَذ على عواهنها، فالفتاة ذات الخمسة عشر أو العشرين ربيعا مثلا هل نفتح لها المجال  للسفر لأداء العمرة والحج؟ إن أمامها متسع من العمر، ولا يوجد وجه للاستعجال لأدائها الفريضة، ولكن في الوقت نفسه السفر بشكل منفرد لابد ألا يكون  إلا للمرأة التي بلغت سن الرشد على الأقل،  ولا أقصد بذلك سن الرشد بالمعنى الحرفي، بل ينبغي وضع ضوابط لسفر المرأة الأقل من أربعين سنة، وأن تُدْرَس كل حالة على حدة، بمعنى أن ينظر لحالة المرأة التي تريد السفر: هل هي متزوجة؟ هل أدت كل ما عليها من فرائض وتريد أن تؤدي فريضة الحج وهي قادرة على ذلك؟ لأن الزحام يكون شديدا في أداء المناسك بل يكون أشبه بيوم الحشر، فإذا انطبقت الشروط والضوابط على المرأة التي تريد السفر سُمح لها، وإن لم تنطبق مُنعت.

سألنا د. الجندي: إذا كانت دار الإفتاء المصرية قد أباحت سفر الفتيات للتنزّه إذا وجدن الرفقة المأمونة، والطريق الآمن، أليس من الأولى أن تُعمم الإباحة على أداء فريضة الحج؟! فأجاب قائلا: لابد أن ندرك جيدا أن الفتوى تكون في مواجهة المستفتي، فمن الممكن أن يفتي شيخ بأن هذا الفعل حلال لشخص ما، بينما يفتي لشخص آخر أن نفس الفعل حرام بالنسبة له طبقا لحال المستفتي، وبالتالي لا يجوز القياس على فتوى دار الإفتاء بإباحة التنزّه للفتاة لأننا لا نعلم حالة الفتاة السائلة عن هذا الأمر، ولا يمكن أن نأخذ الفتوى مجردة، وهذا ما نسميه في الشريعة: (قياس مع الفارق) لأن الوضع مختلف ويصعب ان نقيسه على السؤال الذي بين أيدينا.

الرفقة الآمنة

ويشير د. حامد أبو طالب- عضو مجمع البحوث الإسلامية، عميد كلية الشريعة والقانون الأسبق- إلى أن الفقهاء القدماء تحدثوا في سفر المرأة بدون محرم للحج، وأجازوا لها أن تسافر للحج بدون محرم إذا كانت هناك رفقة آمنة وطريق آمن، بمعنى أنه إذا كان السفر للعمرة مع ركب أو مع وفد في طائرة يزيد عن عشرين شخصا فهذا يسمى رفقة آمنة، فإذا كانت هناك عشرة نساء وعشر رجال يمكن أن تسافر هذه المرأة للحج أو العمرة بدون محرم، ولا حرج عليها في ذلك.

وإذا كانت دار الإفتاء قد أجازت التنزّه للمرأة بدون محرم إذا كانت مع رفقة آمنة، فمن الأولى أن تجيز السفر لأداء الحج والعمرة مع رفقة آمنة، وهذا رأي فريق من الفقهاء القدماء.

حفظ المرأة

ويؤكد الشيخ عبدالحميد الأطرش- رئيس لجنة الفتوى الأسبق بالأزهر الشريف- أن الإسلام حافظ على المرأة محافظة شديدة، وجعل أمرها بيد وليّها أيا كانت، ومهما بلغت.

وسيدنا عمر بن الخطاب قال: لا يخلو رجل بامرأة ولو كانت عجوزا شمطاء، ولو كان يُقرئها القرآن. فالشيطان يزيِّن المرأة للرجل، ويزيِّن الرجل للمرأة.

من هنا وضع الإسلام قواعد وأسس  للمرأة أنها لا يجوز لها أن تسافر دون ذي محرم، ومسألة دون سن الخامسة والأربعين أو فوقها لا أصل لها في الإسلام، لكن الشرع أباح للمرأة أن تخرج للحج والعمرة إذا كانت معها رفقة مأمونة من النساء، والمملكة العربية السعودية لا تُمانع في ذلك.

سألنا الشيخ الأطرش: لماذا يخشى على المرأة وهي ذاهبة لأداء فريضة دينية في بقعة مباركة تعتبر الأكثر أمنا وأمانا على وجه الأرض؟ فاجاب قائلا: جاءتنا بلجنة الفتوى منذ أكثر من عشر سنوات امرأة تشكو: تعرضت لحالة إغماء في ساحة الحرم، فحملني رجل وذهب بي إلى بيته وحدث بيننا ما لا يُحمد عقباه، ولم أشعر بنفسي إلا وهو يطببني، فماذا أفعل؟!

من هنا ندرك أن الشيطان في أماكن العبادة له نشاط، فلا نجده في الخمَّارة مثلا أو في بيوت الدعارة لأنه اطمأن على ساكنيها، لكنه ينشط في أماكن كالمسجد مثلا، بدليل أن الإنسان قد يتذكر أثناء أدائه الصلاة كل ما كان قد نسيه من قبل، وكثير ما نشعر ونحن نصلَّي أننا قد نسينا هل قرأنا الفاتحة أم لا؟ هل الركعات كاملة أم بها نقص؟ كل هذا من عمل الشيطان.

وقد جاء رجل إلى الإمام أبي حنيفة يقول له: ضاعت صُرَّة نقودي، فقال له: اذهب هذه الليلة وانو أنك ستقومها لربك، فنوى الرجل أن يقوم لله، وبعد أن صلَّى أربع ركعات جاءه الشيطان وقال له: صُرَّتك وضعتها في المكان الفلاني، فذهب للمكان فوجدها، فتوجَّه لأبي حنيفة، وقال له: وجدت الصُرَّة، فرد أبو حنيفة قائلا: علمتُ أن الشيطان لن يتركك الليلة.

فقه الواقع

ويؤكد د. إمام رمضان- أستاذ العقيدة والفلسفة بكلية التربية جامعة الأزهر- أن الإسلام ما جاء ليشق علينا، وأن منع سفر المرأة منفردة قديما كان وليد عصره، لأن السفر وقتها كان شاقا، فكان من الصعب أن تخرج امرأة من بغداد مثلا إلى المدينة، أما الآن فإذا أمنت المرأة على نفسها وكانت مع رفقة آمنة، ففقه الواقع الذي نعيشه يقضي لها بأن تسافر بلا حرج.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

إغلاق