sliderالرأى

لمــــاذا الشُـــفْعَة؟

بقلم: المستشار: محمد محمد خليل.. رئيس محكمة الاستئناف

من القواعد القانونية المستقاه من الشريعة الإسلامية فى القانون المدنى: الشفعة والفضالة، ونقصر الحديث فى هذه الكلمة عن الشفعة من حيث أهميتها, وآثارها فى المجتمع, دون النظر إلى أركانها, وصحة إجراءاتها, أو بطلان هذه الإجراءات.

الشفعة هى جواز أن يحل الجار محل المشترى فى بيع العقار.

وضع المشرّع شروطاً لصحتها, وحالاتها التى تجيز للجار الأخذ بالشفعة فى العقار المبيع.

يهمنا أن نبيّن الحكمة المرجوة من تشريع الشفعة, وأخذ فقهاء الإسلام بها, إذ أن العرف الإسلامى السائر فى بلاد المسلمين وغير المسلمين, أنه يتعيّن الاهتمام بالجار قبل الاهتمام بالدار, وفى قول العامة: السؤال عن الجار قبل السؤال عن الدار, فالتوافق الاجتماعى والانسجام الخُلُقى بين المتجاورين من شأنه أن يزرع الأمن والأمان فى المجتمع ويسود الوئام, وتنتشر المحبة بين أوساط الناس, وتحسن علاقتهم ببعضهم البعض.

من هنا يمكن تحقيق حديث سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: “ما زال جبريل يوصينى بالجار حتى ظننت أنه سيورّثه”.

فاختيار الجار عمل إيجابى لتنظيم العلاقات الاجتماعية ورعايتها بين المتجاورين, فتنتظم الحياة, وتُراعى أسرار الناس, وخصوصيتهم, ولا يجرح جار شعور جاره أو يؤذيه, يفرح لفرحه, ويحزن لحزنه, ويكون أقرب الناس إلى نجدته إذا تطلب الأمر, والوقوف على رعايته بقدر ما يستطيع أو يمكنه القيام به.

كم من الأزمات تحدث بين الجيران, وكم من المشاكل تشتعل بين متجاورين, لا يطفؤها صلح, ولا يمحوها زمن, كم من المعارك الرهيبة قامت بين متجاورين, لأسباب تافهة صغيرة, لا تستحق أن يقدّم بشأنها عتاب, فإذا ما رعى جار مشاعر جاره وحقوقه, آمن المجتمع وانتشر السلام بين الناس, وأصبح الجمع فى أمن وأمان.

لا غرابة فى ذلك إذ أن الجار هو الأكثر إطلاعاً ومعرفة على أحوال جاره, يزيد ذلك لدى المتطفّلين والذين يرغبون أو يعشقون تتبع أخبار الناس, الحسنة أو السيئة على السواء, يبحثون عن عوراتهم فيحكون عنها, وعن خصوصياتهم فيكشفونها للرائح والغادى.

ومن ثم كان تقرير حق جار العقار فى الإحلال محل المشترى القادم إلى المكان, يعد إطفاءً لمشاكل شتى, واطمئناناً لنفوس الناس ورعايةً لأسرارهم, ولا مجال لمن زعموا أن الشفعة تعد قيداً على حق من حقوق الملكية وهو التصرف.

الشفعة لا تمنع من استعمال حق التصرف, ولكنها تجعله إلى الجار الذى يرغب فى الشراء بذات الشروط والثمن الذى يفرضه المالك أو المعروض عليه من جانب الآخرين, ما دام ذلك يتفق والأسعار والشروط المتعارف عليها والمماثلة فى ذات الموقع والمدينة.

رحم الله فقهاء الإسلام الذين راعوا فى اجتهاداتهم ظروف المجتمع وأعرافه.

وسوف نتناول فى المقال القادم بإذن الله الحديث عن الفضالة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

pmclips.com
إغلاق
التخطي إلى شريط الأدوات