sliderالتحقيقات

قراءة في القضايا الساخنة بمؤتمر “نصرة القدس”

اختلاف حول الزيارة.. وإجماع على إحياء الوعي عبر المناهج

كتب- إيهاب نافع

اختتم الأزهر الشريف ومجلس حكماء المسلمين أعمال وفعاليات مؤتمرهما العالمي لنصرة القدس، وسط زخم دولي واهتمام عالمي واسع عبر مختلف منصات الإعلام التقليدي في الشرق والغرب، بل أحدثت تأثيرا واسعا حتى في الداخل الفلسطيني والإسرائيلي، وقد اختلف الحضور حول بعض القضايا واتفقوا حول بعضها الآخر، في إطار من الاختلاف الذي لا يفسد للود قضية، من هنا تأتي أهمية القراءة في أهم القضايا الساخنة في المؤتمر:

احتلت قضية زيارة القدس دعما لأهلها المقدسيين والمحافظة علي المقدسات الإسلامية والمسيحية اهتماما كبيرا من الحضور، سواء من كبار السياسيين والدعاة وممثلي الوفود، فقد دعا بشكل واضح لضرورة إعادة النظر في قضية زيارة القدس دعما للمرابطين في رحاب المسجد الأقصى.

السيد عمرو موسى- الأمين العام لجامعة الدول العربية الأسبق- دعا إلى ضرورة دراسة مسألة زيارة القدس وشد أزر أهلها والصلاة في مساجدها وكنائسها، وهو أمر قد طُرح بشكل رسمي من رئيس الدولة الفلسطينية وعدد من القيادات الدينية والسياسية، وهو موضوع حاد يتطلب بحثاً ودراسة تتناول كل أبعاد المسألة، داعياً الجامعة العربية ومنظمة التعاون الإسلامي لدراسة هذه المسألة والاستماع إلى الفلسطينيين حتى يتثنى دراسة المسألة بما يخدم قضيتهم.

نجاح النضال

واعتبر البروفيسور أكمل الدين إحسان أوغلو- الأمين العام السابق لمنظمة التعاون الإسلامي- الوحدة الوطنية الفلسطينية هي الشرط الأول لنجاح النضال الوطني الفلسطيني ولصون المنجزات الوطنية، وبدونها لا يمكن الدفاع عن القدس، وكذلك يجب دعم القطاعات الحيوية في مدينة القدس من خلال التركيز على قطاعات التعليم والصحة والإسكان باعتبارها تشكل أسس الصمود الفلسطيني في المدينة المقدسة.

وأكد “أوغلو” أن هذا الوقت تشهد فيه مدينة القدس أحد أقسى فصول تاريخها الحديث في ظل الهجمة الشرسة التي تتعرض لها بغية تغيير واقعها الديموغرافي والجغرافي وطمس هويتها وتزوير تاريخها وتقديمها على أنها مدينة يهودية وعاصمة لدولة الاحتلال الإسرائيلي.

ما ذكره أوغلو وعمرو موسى هو التوجه ذاته الذي تبناه الرئيس الفلسطيني محمود عباس أبومازن- في كلمته- معتبرا أن زيارة القدس الشريف تمثل دعما ماديا ومعنويا للمرابطين في القدس الشريف، وكذلك سندا قانونيا لهم، في مواجهة الانتهاكات الإسرائيلية المتتالية.

شدّ الرحال

ودعا الأمين العام لمنظمة المؤتمر الإسلامي الأوروبي د. محمد البشاري، إلى ضرورة فك الحصار الإسلامي عن المدينة المقدسة بمقاطعة زيارتها من قبل المسلمين والمسيحيين في الشرق.

ودشن البشاري هاشتاج “#شد_الرحال_إلى_القدس وقوفا ضد تهويدها “، في محاولة لكسر الحصار علي القدس، مبررا ذلك بأن تحريم الزيارة يجعل المقدسيين المرابطين صيدا سهلا للاحتلال ينكل بهم كيفما شاء، ويجب على السلطة الفلسطينية العمل على إنهاء الانقسام الفلسطيني وتحقيق المصالحة الفلسطينية مع كل فصائل الشعب الفلسطيني وإعلان القدس عاصمة فلسطين الأبدية وقبر كل اتفاقيات السلام المبرمة وعلى المسلمين.

تغيير الواقع

وشدَّد الوزير وليد العساف- رئيس هيئة مقاومة الجدار والاستيطان بفلسطين- على أن تغيير هوية مدينة القدس الشرقية تطلب من الكيان الصهيوني سلسلة من الإجراءات والقوانين ضد المدينة؛ من ضمنها إتباع سياسات اقتصادية واجتماعية طاردة للفلسطينيين العرب وتشجيع إحلال اليهود مكانهم، والسيطرة على المسجد الأقصى وتقاسمه مؤقتًا زمانيًّا ومكانيًّا، وسن قوانين وفتاوى لصالح اليهود؛ لتثبيت الرواية اليهودية التاريخية والدينية المزورة والمتناقضة مع الواقع والتاريخ.

أوضح عساف، أن الحكومات الإسرائيلية المحتلة المتعاقبة ومؤسساتها المختلفة اتبعت سياسات وفرضت إجراءات أدت إلى خلق مشاكل اقتصادية وحوَّلت حياة الفلسطينيين إلى جحيم متواصل، مشيرًا إلى أن هذه السياسات أذكت على مدار العقود السابقة حالة العداء والكراهية بين الفلسطينيين واليهود ولهذا لابد للأمتين العربية والإسلامية أن تعمل على توفير الدعم السياسي والمعنوي والاقتصادي والاجتماعي.

موقف الأزهر

مع هذا الزخم الذي ركَّز بشكل أو بآخر على قضية زيارة القدس يبقى الموقف الرسمي للأزهر مؤكدا رفضه لزيارة القدس، تماشيا مع موقفه التاريخي ووجهة نظره الثابتة، إلا أننا نجد من بين كبار علماء الأزهر كل من وزير الأوقاف الأسبق د. محمود حمدي زقزوق، والمفتي الأسبق د. على جمعة، من المتحمّسين بأشخاصهم لزيارة الأقصى والقدس، إلا أن وكيل الأزهر د. عباس شومان، رد على كافة الدعوات التي أطلقت في ذلك الاتجاه داخل أروقة المؤتمر، حيث أكد أن موقف الأزهر الرافض لزيارة القدس تحت الاحتلال ثابت،والرافض للتطبيع مع الكيان الصهيوني بكل أشكاله ثابت ولن يتغير، معتبرا أن الاختلاف راجع إلى تقدير المصالح والمفاسد وأن معركة الوعي هي الأخطر مع الكيان الصهيوني وانتصارنا فيها مفتاح التحرير وأن تحرير القدس والصلاة في الأقصى وعد إلهي لن يتخلف، وأنه علينا إعداد العدة لهذا اليوم مع الأخذ في الاعتبار أن المواقف تتبدل حسب المصلحة العامة للأمة عامة الأشقاء الفلسطينيين خاصة باعتبار أن زيارة القدس في ظل الاحتلال من عدمها أمر دنيوي مرتبط بالمنفعة، كما أن نصرة أشقائنا المقدسيين بكل الوسائل فريضة دينية.

وأشار د. شومان، إلي سرعة إنجاز مقرر دراسي أزهري يؤصل لعروبة فلسطين ويبين مكانة القدس الدينية إسلاميا ومسيحيا، وأن الأزهر سيظل حائط صد منيعا في وجه من يريد شرا بالإسلام ومقدساته بل بالإنسانية وحضارتها، وأن قرار ترامب يبعث الأمل من جديد في جمع الأمة بعد تفرقها، وحسبه أنه أحيا القضية في الأذهان، وأن ارتباط وجدان المسلمين والمسيحيين بالقدس الشريف وثيق لا يمكن التشكيك فيه، وأن الأزهر يناشد الأمة أن تتسامى على تحزّبها وتفرّقها وخلافاتها.

أضاف: يجب على المؤسسات التعليمية في وطننا العربي والإسلامي تداركُ هذا التقصير سريعًا قبل أن تختلط الأمور في عقول الناشئة، خاصةً في ظل حملةٍ لا هَوادةَ فيها لتزييف تاريخ تلك المدينة المقدسة وطمسِ هُويتِها، فنحن في هذه المرحلة في غِمار معركةٍ طاحنة على المستويات كافة، ولعل الأشرسَ والأخطرَ في تلك المعركة هو مستوى الوعي الذي يقتضي عدم ترك أجيالنا- وخاصةً النشءَ- فريسةً لتغريبٍ ثقافي، وآلةٍ إعلاميةٍ ضخمة تُستخدم اليومَ سلاحًا فعَّالًا بل فتاكًا لقلب الحقائق في إطار معركة الوعي هذه!

مشيرا إلى أنه حتى لا يكونَ هذا الكلامُ مجردَ تنظير أو توصية، فقد شَرَعَ الأزهر في اتخاذ خطوات عملية في هذا الصدد، في مبادرة لعلها تجد مَن يحذو حذوها؛ حيث اعتمد الأزهر مقررًا دراسيًّا يدرس بدايةً من المرحلتين الإعدادية والثانوية في التعليم ما قبل الجامعي وصولًا إلى مرحلة التعليم الجامعي، ولا شك أن هذا المقرر سيؤتي ثمارَه المرجوة بمشيئة الله تعالى، خاصةً إذا عُرف أن مجموع الطلاب المستهدفين سنويًّا يزيد على مليوني طالب، وأن هذا المقرر سيُعنى بالتأصيل التاريخي لفلسطين العربية، وبيانِ المكانةِ الدينية للقدس الشريف مهدِ المسيح عيسى- عليه السلام- ومسرى محمدٍ- صلى الله عليه وسلم- ومعراجِه، والتأصيلِ التاريخي للصراع العربي الإسرائيلي بدايةً من زرع هذا الكيان الصهيوني اللقيط في منطقتنا تنفيذًا لوعد مشئوم قبل مائة عام منح فيه مَن لا يملك مَن لا يستحق، مرورًا بالحروب التي دارت بين العرب والصهاينة ومَن خلفَهم مِن قوى ترتدي زي الأصدقاء ورعاة السلام وهم كاذبون مخادعون، وكذا الاعتداءاتِ والانتهاكاتِ التي مورست بحق البشر والمقدسات، وصولًا إلى ذاك القرار المجحف الذي أصدره الرئيس الأمريكي ترامب في تحدٍّ سافرٍ واستفزازٍ قَميءٍ لمشاعر قرابة ملياري مسلم حول العالم، فضلًا عن الإخوة المسيحيين.

وأنهي د. شومان كلمته- التي ألهبت مشاعر الحضور قائلا-: سنعلِّم أبناءنا وبناتِنا أن القدسَ بأرضِها، وبيوتِها، ومَعالمِها، ومآذنِها، وكنائسِها، وأقصاها، وقُبةِ صخرتِها، كانت وما زالت وستبقى عربيةً عاصمةً أبديةً لدولة فلسطين، ولن يغير قرارُ ترامب ومسايرةُ بعضِ الدول مجهولةِ الموقع على خريطة العالم له من هُوية القدس وتاريخِها شيئًا، ولعل الصفعةَ التي تلقاها القرار في الهيئات الأممية والمؤسسات الدولية خيرُ شاهد على ذلك، ولعلنا نحن العربَ والمسلمين نستثمرها في دعم القضية، ونبني عليها كخُطوة في طريق تصحيح الوضع ميدانيًّا وإحقاق الحق تاريخيًّا، ولعل أهمَّ مهامنا في هذا الصدد هو انتصارنا في معركة الوعي، وأن نُعِدَّ العُدةَ ونكونَ على أُهبةِ الاستعداد على الأصعدة كافة، لليوم الموعود الذي تعود فيه فلسطينُ عربيةً إسلامية، ويُحرَّر القدسُ الشريف بكل مقدساتِه الإسلامية والمسيحية، وعسى أن يكون قريبًا.

تلاحم مسيحي

وقد شهد المؤتمر تواجدا مسيحيا كبيرا من مسيحي الشرق وعلي رأسهم البابا تواضروس، وكذلك مسيحيي الغرب وعلي رأسهم د. أولاف فيكس تافيت- الأمين العام لمجلس الكنائس العالمي- وأعلن الجميع رفض تهويد القدس وتشويه طابعها العربي المسيحي الإسلامي، وكذلك المطالبة بمنع تهجير العرب والمسيحيين بشكل خاص، لأن بكنائسها ومؤسساتها وأوقافها هي قدس أهلها العرب وهي مدينة آبائهم وأجدادهم ومنبع ديانتهم ومحلّ إيمانهم وصلاتهم، والقدس يجب أن تبقى لأهلها، للفلسطينيين، وأن تبقى مدينة الصلاة والسلام، ومكان التعايش بين الأديان والشعوب.

أوضحوا أن الوجه الحقيقي لشرقنا الأوسط، ولقدسنا بخاصة، لا يتجلّى في أصالته إن لم يرتفعْ فيه صوت المسلمين والمسيحيين معًا، لأن القدس تخص المسيحيين بقدر ما تخص المسلمين، والاهتمام بمصيرها مشترك.

وحذروا من أن القدس تتعرّض حاليًا لمخطط يهدف إلى تغيير هويتها وطمس تاريخها والإمعان في قهر أهلها وتهجيرهم، وما تحاول “إسرائيل” القيام به مدعومة بالقرار الأمريكي الأخير يهدف إلى إبراز صورة عن القدس تتعارض مع تاريخها، يُضاف إلى ما قامت به في العقود الماضية من تغيير عمراني وديموغرافي وسياسي لوجه المدينة، وهذا يفقدها ذاكرتَها الجماعية ويحيلها مدينةً بلا ماضٍ ولا تاريخ.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

pmclips.com
إغلاق
التخطي إلى شريط الأدوات