sliderدعوة ودعاة

قبسات من حياة الدكتور طه عبد السلام خضير

بقلم عامر يس.. كاتب ومفكر إسلامى

ولد الدكتور طه خضير –رحمه الله- في الثالث من فبراير لسنة 1927م، في أسرة متوسطة، محبة للعلم وأهله، وكان مولده في مدينة الحوامدية،بمحافظة الجيزة. نشأته: نشأ –رحمه الله- في بيئة علمية؛ فجل من حوله يحفظ القرآن أو أكثره، ومدينة الحوامدية تشتهر بكثير من العلماء المبرزين، وهذه البيئة كانت عاملاً مهما جدا في تكوين حياة أستاذنا علميا وفكريا.استقبل حياته –رحمه الله- بفقدان بصره قبل أن تكتمل في مخيلته ملامح من سيعيش بينهم، من الأهل والأخوة والأقارب والجيران؛ فتعهدته جدته –رحمهماالله- فقامت على تحفيظه مما تحفظ من كتاب الله، ولكنها لمحت فيه الألمعية وقوة الذاكرة، وسرعة الحفظ، فاستمرت معه حتى أعطته ما حفظت من القرآن، غير أن الطفل النبيه كان لسان حاله يقول: هل من مزيد؟.أوصت الجدة الحاج عبد السلام أبا أستاذنا، وكان رجلا تاجرا، متفتحا، ومنفتحا على العالم حوله، -أوصته- أن يسلم الطفل لشيخ في كتاب من كتاتيب القرية التي تملأ ربوعها، واستجاب الأب لوصية الجدة؛ حتى يتم الطفل حفظه لكتاب الله تعالى.

وما أن أتم الطفل السادسة من عمره حتى أتم معها حفظ القرآن الكريم، ثم بدأ في المراجعة على الشيخ للإتقان، وفي الثامنة اشترك في مسابقة جمعية تحفيظ القرآن الكريم فحاز المركز الأول بين المتسابقين؛ لإتقانه مع صغر سنه؛ فاطمأن الوالد والشيخ المحفظ والطفل لإتقان التلميذ النجيب، ولكن ماذا بعد؟إنه كفيف، وصغير السن، والأزهر لا يقبله على هذه الحال وكذلك التعليم العام، فما مصيره؟ قيض الله له الشيخ عبد المنعم الخيال، معلم القراءات بالسند، وكان صديقا لوالد أستاذنا؛ فاقترح عليه أن يغتنموا فارق السن بين سنه الحالية وبين سن قبوله بالأزهر فيتعلم فيها القراءات السبع.فاستجاب الأب على الفور، وفرح الطفل حينئذ باستكمال رحلته مع القرآن الكريم؛ فأقبل على هذه المرحلة بنهم وحب شديدين، وفي خلال سنتين كان قد أتم حفظ الشاطبية وختم المصحف قراءة وإتقانا بالقراءات السبع، ولكن الشيخ لم يجزه حتى أعاد عليه الختمه أكثر من ثلاث مرات في سنة واحدة.بعدها صار أصغر شيخ حافظ للقراءات السبع في قريته، ثم بعد فترة التحق بالأزهر الشريف، وكان ترتيبه الخامس في المرحلة الابتدائية، والسادس في المرحلة الثانوية، ثم التحق بكلية أصول الدين، وكانت حينئذ في الخازندارة بشبرا مكان معهد القراءات حاليا، وحصل على ليسانس أصول الدين.

حياته العملية: بدأ –رحمه الله- حياته العملية مدرسا بالمعاهد الأزهرية،فطاف كثيرا من محافظات مصر في الوجهين البحري والقبلي؛ معلماً في معاهدها، لم تمنعه إعاقته البصرية من أداء واجبه حيث يتم تكليفه، فكان أول تعيين له –رحمهالله- في محافظة كفر الشيخ، فاتخذ هناك سكنا مؤقتا يقيم فيه أيام الدراسة، ويعود إلى القاهرة يوم الأجازة. فلما انتقل إلى محافظات قريبة كالشرقية وبني سويف، كان يسافر يوميا من القاهرة إلى معهد الزقازيق، وكذلك المعهد في بني سويف، وكان محب الطلابه، محبوبا لديهم، وما زال طلابه –الذين صاروا أساتذة جامعات، بل منهم من وصل إلى عميد كلية- يذكرونه بالسماحة والفضل وحنو الأب وحزم المعلم، وسهولة الأسلوب في توصيل المعلومة.وكان –رحمه الله- مع ما يعانيه من مشقة الأسفار وجهد الأعمال مواصلا لرحلته العلمية، لم يتوقف عن طلب العلم وتحصيله، حتى نال شهادة الماجستير من قسم العقيدة والفلسفة بكلية أصول الدين سنة 1967م، وواصل -رحمه الله-جده واجتهاده حتى نال الدكتوراة في سنة 1974م.

وبعد الدكتوراة انتقل إلى عالم جديد من عالم الأعمال؛ فالتحق بأعضاء هيئة التدريس بكلية أصول الدين مدرسا، ثم أستاذا مساعدا، ثم أستاذ افي عام 1985م، ثم سافر إلى المملكة العربية السعودية مرتين في ست سنوات للتدريس بجامعاتها، ثم عاد إلى مصر؛ ليكمل مسيرة العطاء بكلية أصول الدين، حتى حصل على لقب أستاذ متفرغ سنة 2000م إلى أن توفاه الله.

أنشطته العلمية والثقافية: لم يتوقف أستاذنا –رحمه الله- بعلمه عند أسوار المعاهد وجدران مدرجات الكلية، لا، ولكنه خرج إلى العالم كله يخاطبه بلسان العالم، وعقل الحكيم، ولغة العقل، حاملاً إلى الدنيا كلها بإحدى يديه القرآن الكريم وبالأخرى السنة النبوية المطهرة، فصنع لنفسه مكانا على أكثر من منبر إعلامي وعالمي، وكان من ذلك:

1- طلبت إذاعة جمهورية مصر العربية التعاقد معه على أحاديث في إذاعاتها –البرنامج العام والقرآن الكريم وغيرهما- من سنة 1975م واستمرتعاقده وعطاؤه مستمرا عبر هذا المنبر العالمي حتى توفاه الله تعالى.

2- في المملكة العربية السعودية طلبت إليه إذاعة مكة المكرمة استضافته في برنامج أسبوعي بعنوان “دستور الحياة” فقدَّم فيه عدد مائة وستين حلقة.

3- تعاقدت معه وزارة الثقافة على حضور ندوات وإلقاء محاضرات دينية في المناسبات المختلفة وفي المدارس والجمعيات والمراكز الثقافية.

4- كان خطيباً بمساجد الأوقاف بمصر، وبمسجد القزاز خلف وزارة الحج بجدة أيام إعارته للمملكة العربية السعودية.

5- اختير عضوا للمجلس الأعلى للشئون الإسلامية من سنة2001م في لجنة القرآن الكريم، ثم رئيسا للجنة الفكر الإسلامي بالمجلس حتى توفاه الله تعالى

.6- كان –رحمه الله- عضوا بالجمعية الفلسفية المصرية.

7- كان عضوا باللجنة العلمية الدائمة لقطاع العقيدةوالفلسفة بجامعة الأزهر لترقية الأساتذة والأساتذة المساعدين.

8- أحاديثه ترجمت بلغات كثيرة وتم بثها إلى العالم عبرقطاع الإذاعات الموجهة بإذاعة جمهورية مصر العربية.

9- انشغل بأداء علم القراءات الذي تحمله صبيا؛ خدمة لدين الله تعالى، لم يطلب في ذلك أجرا من أحد، وإنما كان شعاره دائما {لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا (9) إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا يَوْمًاعَبُوسًا قَمْطَرِيرًا} [الإنسان: 9، 10] ونرجو من الله أن يكون قد وافاه بما وعد به عبادهالأبرار { فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا} [الإنسان: 11].

وكما بدأ حياته رحمه الله بالقرآن الكريم فإنه قد ختمها به؛ ففي آخر شهر من حياته انقطعت أعماله كلها إلا ما كان في القرآن من تلقين لغيره ومراجعة له فيما بينه وبين ربه، وكان ربما نسي في اسم واحد من أصدقائه المقربين أوتلاميذه المبرزين، ولكنه لم ينس آيات القرآن وأبيات الشاطبية وغيرها من منظومات قراءة القرآن الكريم في المتشابه وغيره. كان هذا جانبا مضيئاُ من حياة علم من أعلام الفكروالدعوة والعلم، أراه –من خلال عشرتي له- وهب حياته لله تعالى، وكأنه كان يريد تطبيق قول الله عز وجل {قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِرَبِّ الْعَالَمِين} [الأنعام: 162].

آثاره العلمية: ترك –رحمه الله آثارا علمية تتمثل في: 1- عدد من حملة القرآن الكريم بالقراءات السبع. 2- عدد من المؤلفات العلمية، كان أبرزها: السعادة القصوىعند مسكويه، جميل التعرف إلى مكارم الأخلاق وصحيح التصوف، دستور حياة المسلم منالكتاب والسنة.هذا عدا ما تركه من تراث إذاعي يذاع بين حين وآخر، عبرإذاعات جمهورية مصر العربية. وفاته –رحمه الله-بعد عمر حافل بالجهد والجهد، والبذل والعطاء رحل عنعالمنا، في الخامس والعشرين من ياير لسنة 2018م، إلى عالم أفضل وأنقى، ونرجو لهفيه من الله تعالى أن يكون هناك أعلى وأرقى، في عليين مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين.

 

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

pmclips.com
إغلاق
التخطي إلى شريط الأدوات