sliderالتحقيقات

في يومها العالمى.. اللغة العربية تواجه حربا ضروسا لطمس هويتها

د. سعد بدير: إعرف عدوّك.. بداية الوعى

تحقيق: سمر عادل

تمر اللغة العربية بمحاولات كثيرة لطمس هويتها وإخفاء معالمها، سواء بدمجها في لغات أخرى تحت مسميات جديدة (كالفرانكوآراب ) وغيرها، أو باستيراد ثقافات وافدة تصوِّر التمسّك باللغة نوعا من الرجعية، والتشدق باللغات الاجنبية قمة التقدم والانفتاح على العالمية، مما يضع العربية لغة القرآن والأحكام الشرعية في مأزق كبير، فإذا كان أبناؤها أنفسهم هم أول من يتهاون في الحفاظ عليها، فمن يتمسَّك بها إذا ويحميها من محاولات طمس الهوية، خاصة ونحن في ظروف دولية لا نُحسد عليها؟! فها هي القدس العربية تُغتصب وتتواصل أعمال انتهاك سيادتها ومحاولات تهويدها وتزييف تاريخها، فمن ينقذ عروبتها؟! وما دورنا كعرب ومسلمين في الحفاظ على هويتنا ولغتنا العربية؟!

د. سعد بدير الحلواني- أستاذ التاريخ الحديث والمعاصر بجامعة الازهر- يؤكد أننا لن نستطيع الحفاظ على هويتنا الثقافية والأدبية وتراثنا الإسلامي إلا بالحفاظ على القوة البشرية والاقتصادية الخاصة بالعالم الإسلامي، وهذا يستلزم أن نصارح أنفسنا أولا بأعدائنا، لكننا للأسف نختار هؤلاء الأعداء الذين يُعادون الثقافة والتراث والإسلام ونجعلهم شركاءنا في كل شئ، فهم يسعون لمحاربة هذا التراث ومحوه من الوجود، وبالتالي ضرب الوعاء الذي حفظ التراث الإسلامي وهو اللغة العربية.

مسئولية جماعية

يضيف د. الحلوانى: إذا حافظنا على إمكانياتنا الاقتصادية ونجحنا في استثمارها في تقوية بلادنا العربية واستطعنا أن نحفظ تراثنا من هذا التشويه والإضعاف من قبل أعدائنا الذين لا نعترف بعدائهم، رغم أنه مُعلن بكل الاوساط من خلال القرارات التي يتخذها الأمريكان والصهاينة ويبادلونها بمعونات يقدّمونها ويأخذون مقابلها أضعافا مضاعفة، سواء معنويا أو ثقافيا لتحقيق مآربهم ورغباتهم واحتياجاتهم.

د سعد الحلواني
د سعد الحلواني

كل هذه المخططات تستلزم المحافظة على خصوصيتنا الإسلامية والعربية والابتعاد عن كل ما يشوِّه ثقافتنا وتراثنا ولغتنا ويحميها من الاستشراق الاوروبي الأمريكي الصهيوني لأن كلا منهم يحاول بطريقته القضاء على اللغة والتراث والإسلام.

شدَّد د. الحلواني، على أن الحفاظ على اللغة العربية مسئولية المجتمع كله: أفراده، علمائه ومتخصصيه، وبالتالي فحتى الفرد العادي يمكنه الدفاع عن لغته العربية وتراثه الإسلامي وهو يحضر مؤتمرا، يتناقش مع أفريقي، آسيوي، روسي، يستطيع بتعامله وحرصه على لغته وتراثه أن يدافع عن قضايا أمته ولغتها.

أُمِّ اللُّغات

ويؤكد د. عبدالله جاد الكريم- أستاذ اللغة العربية بجامعة جازان السعودية- أن اللغة العربية هي أمُّ اللغات وسيّدة اللغات؛ فقد كرَّمها الله تعالى وجعلها لغة القرآن الكريم، دستور الله القويم الذي بيَّن فيه تعالى سبيل السعادة في الدارين للناس أجمعين، قال تعالى: (إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ) [يوسف:2]، واللغة العربية فيها من الخصائص ما ليس في غيرها، ممَّا جعلها قادرة على حمل أمانة القرآن وما به من تعاليم ربانية سامية، فهي تمتاز بالسعة والثراء، يقول الإمام الشافعي: لسانُ العرب أوسعُ الألسنة مذهبًا وأكثرُها ألفاظًا، ولا نعلمُ أن يحيط بجميع علْمه إنسانٌ غيرُ نبيٍّ، وقال أرنست رينان: من أغرب المدهشات أن تنبت تلك اللغة القوية، وتصل إلى درجة الكمال عند أمة من الرُّحَّلِ، تلك اللغة التي فاقت أخواتها بكثرة مفرداتها ودقة معانيها وحسن نظام مبانيها، ويقول فيلا سبازا: اللغة العربية من أغنى لغات العالم بل هي أرقى من لغات أوروبا؛ لأنَّها تتضمن كُلَّ أدوات التَّعبير في أصولها، في حين الفرنسية والإنجليزية والإيطالية وسواها قد تحدَّرت من لغات ميّتة، وإنِّي لأعجب لفئةٍ كثيرةٍ من أبناء الشَّرق العربي يتظاهر أفرادُها بتفهُّـم الثَّقافات الغربية، ويخدعون أنفسهم؛ ليُقال عنهم أنَّـهم مُتمدِّنون!

أزمات طاحنة

د عبد الله جاد الكريم
د عبد الله جاد الكريم

يستطرد د. جاد الكريم: لقد قامت العربية في ماضيها المجيد بدورها خير قيام، فحملت شعلة العلم وكانت منارة العلوم والحضارة العربية الإسلامية القائمة على السلام والرحمة، وكان الخليفة يمنح من يقوم بترجمة كتاب علمي مفيد للعربية؛ وزن الكتاب ذهبًا.

ونهل العالم كله من العربية وعلومها وحضارتها، تقول زيفر هونكة: كيفَ يستطيعُ الإنسانُ أن يُقاومَ جمالَ هذه اللغة ومنطقَها السليم وسحرَها الفريد؟ فجيرانُ العربِ أنفسُهم في البلدان التي فتحوها سقطوا صرعَى سِحْرِ تلك اللُّغةِ، فلقد اندفعَ النَّاسُ الذين بقوا على دينهم في هذا التيار يتكلَّمُون اللُّغةَ العربيَّةَ بشغفٍ، حتَّى إنَّ اللُّغةَ القبطيَّةَ- مثلاً- ماتت تمامًا، بل إنَّ اللغة الآرامية لغة المسيح قد تخلّت إلى الأبد عن مركزها لتحتلّ مكانها لغة محمد .وقال ميليه: إنَّ اللُّغةَ العربيَّةَ لم تتراجعْ عن أرضٍ دخلَتْها؛ لتأثيرها الناشئ من كونها لُغةَ دينٍ ولُغةَ مدنيَّةٍ، ولم تبقَ لُغةٌ أوربيَّةٌ واحدةٌ لم يصلْها شيءٌ من اللِّسَانِ العربي المُبين، حتَّى اللُّغة اللاتينية الأم الكبرى، فقد صارت وعاءً لنقل المفردات العربية إلى بناتها.

وعندما فكَّرت أوروبا في النهضة لم تجد أفضل من العرب والمسلمين لتبني حضارتها على أنقاض حضارتهم، فقاموا بنقل العلوم العربية الإسلامية عن طريق الترجمة أو السرقة في الحروب الصليبية وحروب ضياع الأندلس والاستعمار المباشر وغير المباشر، وعمدوا إلى تغيير اللغة العربية التي هي هوية العرب ومصدر وحدتهم وفخرهم، فإذا تم القضاء على العربية سيتم القضاء على القرآن والإسلام، ويستولون على ما يريدون من خيرات العرب والمسلمين ومقدراتهم.

ولقد مرَّت العربيَّةُ- وماتزال- بأزماتٍ طاحنةٍ وصُعُوباتٍ ومُشكلاتٍ كثيرةٍ؛ مِنْ أجلِ دَحْرِهَا واندثارها وزعزعتها عن مكانتها، وتعطيلها عن القيام بدورها المنوطِ بِهَا؛ ورموها بنقائص مزعومة كثيرة؛ كوصمها بعدمِ العلميَّةِ، وأنَّها سببُ تَخَلُّفِ مَنْ يتكلَّمُ بها، ومُحاباة اللُّغاتِ الأجنبيَّةِ واللَّهجاتِ العاميَّةِ على حِسابِها، بيد أنَّ مُخططاتهم لم تنجح ومُؤامراتهم باءت بالفشل؛ وإنْ تركت بعض آثارها السيئة في مسيرة العربية ومكانتها اللغوية في نفوس كثيرٍ ممَّنْ يتكلمون العربية. وهو حاضر لا يمكننا إنكاره.

ولا يمكننا الاستسلام لسلبيات حاضر العربية بل يجب تطويره وترقيته، يقول يُوهان فك: العربيَّةَ الفُصْحَى لتدينُ حتَّى يومِنا هذا بمركزها العالمي أساسيًّا لهذه الحقيقةِ الثَّابتَةِ، وهي أنَّها قد قامتْ في جميعِ البُلدانِ العربيَّةِ والإسلاميَّةِ رمزًا لُغويًّا لوحدة عالم الإسلام في الثقافة والمدنية، لقد برهن جبرُوتُ التُّراثِ العربي الخالدِ على أنَّهُ أقوى من كُلِّ مُحاولة يُقصدُ بها زَحزحَةُ العربيَّةِ الفُصْحَى عن مَقَامِهَا المُسيطرِ، وإذا صَدَقتْ البَوادِرُ ولم تُخْطئْ الدَّلائلُ فَستحتفظُ العربيَّةُ بهذا المَقَامِ العتيدِ؛ مِنْ حيثُ هي لُغَةُ المدنيَّةِ الإسلاميَّةِ.

يضيف د. جاد الكريم: أُبَشِّر عُشَّاق اللغة أنَّ العربية بخير بفضل الله تعالى، وأنَّ الأمل كبيرٌ في مستقبل مشرق للغة العربية؛ لأنَّها تمتلك مقومات بقائها: فهي لغة القرآن الكريم، وهي رمز الهوية والوحدة العربية والإسلامية، ولها من الخصائص ما يُمكِّنُها من المرونة والتطور والاستمرار والتكيف، ولها الكثير من الأبناء المخلصين الذين يحافظون عليها وينشرونها.

أمر عارض

يوضح د. محمود عبدالرازق غوثاني- مدرس اللغة العربية، الحاصل على الدكتوراه في الدراسات القرآنية، قسم التفسير وعلوم القرآن جامعة الازهر- أن لكل فرد ومؤسسة دوره في الحفاظ على اللغة، فالمؤسسات تتبنى المشاريع المعنية بالحفاظ على اللغة وتنفق عليها وتدعو إليها، والأفراد عليهم واجب لا يقل أهمّية، فلو قام كل رب أسرة بتلقين أولاده الكلمات الفصحى، وأتاح لهم سبل الاستماع والاستمتاع باللغة العربية، قديمها وحديثها، لاستطاع أن يضع لبنة في جدار الحفاظ على اللغة، وبما أن العرب قالوا: ما لا يُدرك كله لا يُترك جله، فعلى كل فرد مسئول عن جماعة أن يدلي بدلوه ويسهم في تطوير المهارات اللغوية لمن يلوذ به حتى نصل بهذه اللغة إلى شاطئ السلامة والاطمئنان.

أما الحفاظ على اللغة من حيث أصلها ودوامها وثباتها، فقد تكفّل الله عزَّ وجلَّ به عندما قال: ((إنَّا نحن نزّلنا الذكر وإنَّا له لحافظون)) ومعلوم أن حفظ اللغة من حفظ القرآن

وأما محاولات طمس الهوية والعبث في أصول اللغة ومُشتقاتها فأمر عارض والقاعدة الأصولية تقول: الأصل في الأمور العارضة العدم.

وهذا ما يدعونا إلى القول: إن العربية باقية على مر العصور لأنها لغة الوحي المُنزَّل من فوق سبع سموات (نزل به الروح الأمين على قلبك لتكون من المُنذِرِين بلسان عربي مبين).

ومما يحضرني في هذا المقام أبيات قلتها :

معي لغة القرآن حيث أسافر

ألاقي بها صحبي ودوما أحاضر

هي اللغة العصماء بالحق أنزلت

ونادى بها رب العباد المجاور

ووصى بها خير النبيين صحبه

فقال لهم بالله جِدّوا وثابروا

والمحافظة على العربية ركن أساسي في تشييد صرح الأمة الأعظم، والذي منه ينطلق المعلّمون لبناء الإنسان الذي هو اللبنة الأهم في جدار هذه الأمة المعطاء .

فباللغة أبصر الأعمى ونطق الأبكم، وقرب البعيد، واستسهل الصعب، ولئن احتجبت شمس الفصحى عن مجتمعنا فإنها لن تغيب ولن تأفل، وقد قلت في وصف العربية هذه الأبيات :

هي اللغة العصماء والمنة العظمى

هي المرجع الأصلي والمصدر الأسمى

هي النفحة العلياء من رافع السما

بها يهتدي الساري بها يبصر الأعمى

تحملت في إتقانها كل عارض

وأذللت في تبيانها الغم والهما.

لغة أهل الجنة

د عبد الغفار حامد هلال
د عبد الغفار حامد هلال

يشير د. عبدالغفار هلال- أستاذ اللغة العربية بجامعة الازهر- إلى ان العرب والمسلمين هم أهل اللغة العربية، فهي لغة الإسلام والقرآن الكريم وحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم والتراث الإسلامي، فكل هذا لا يُعرف إلا باللغة العربية.

ومن بين جوانب الحفاظ على اللغة العربية الحفاظ على الارض العربية ومنها فلسطين، فهي ارض عربية تتكلم العربية، ولا يصح أن نترك اليهود والكيان الصهيوني يطمسون معالم عربية القدس كيانا ولغة، فاللغة العبرية لم يكن لها نطق معروف، حتى أنهم قالوا إن الأحبار كانوا يقرأون التوراة بلغة غير معروفة، فاليهود لغتهم ليست شامية، بل هي في الأصل هندية أوروبية لأنهم في الأصل نازحون من الهند وأوروبا، فهم ينتمون لجنس اسمه “الحيثيون” لغتهم لا صلة لها بالعربية إلا بعد أن جاء اليهود لفلسطين وتأثروا بالعرب، وهم يحاولون الآن أن يطمسوا اللغة العربية.

لذلك لابد ان نقف في وجه محاولاتهم وأن نعين إخوتنا الفلسطينيين على الحفاظ على لسانهم العربي ولغتهم العربية، فالاستعمار الصهيوني حتما سيزول إن شاء الله ولن يؤثر في عروبة فلسطين، تماما مثلما فشل الفرنسيون في طمس هوية الجزائر، ولم يفلح الإنجليز في التاثير على عربية المصريين بفضل وجود الازهر الشريف، الذي كفل للعربية الانتشار، وعلى كل البلاد العربية والإسلامية ان تهتم باللغة العربية لغة فهم الأحكام الشرعية، التي قال عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أحب العربية لثلاث: لأنني عربي، والقرآن عربي وكلام أهل الجنة بالجنة عربي).

معركة هوية

من جانبه، يؤكد د. علي الأزهري- مدرس العقيدة والفلسفة بجامعة الازهر- أننا إزاء معركة هوية، فنحن للأسف فرَّطنا في لغتنا قبل أي شئ ومن يتحدث بالعربية الآن يتَهَكَّم عليه أبناء جلدته، ومن روائع ما قرأت للدكتور محمد بلاسي في مقاله بالمجلة العربية ص١٠٥ بعنوان: أهمية اللغات وعناية الأمم بها: وها هي الدولة الصِّهْيَونيَّة- إسرائيل- أقامَت كِيانها علي إحياء لُغتها العِبرية، وهي لغة ميِّتة منذ ألْفَي سنة، فاعتمدتْها في جميع شئون حياتها، حتى في المؤتمرات الذريَّة والنوويَّة.

مقالات ذات صلة

pmclips.com
إغلاق
التخطي إلى شريط الأدوات