sliderرسالة من داعية

فقه التحولات وتغير الفتوى وفق المتغيرات

بقلم: خالد الشناوي

يمكن توصيف فقه التحولات بأنه الفهم الشرعي لما جرى ويجري من سنن التغيرات والمتغيرات في الحياة الانسانية والكونية, وماطرأ ويطرأ من مستجدات العلم النظري والتطبيقي والثقافة والحوادث والفتن في مراحل الحياة الانسانية عموماً ومراحل الأمة المحمدية خصوصا الى قيام الساعة, اما على صفة القراءة الاستباقية للحوادث والوقائع، واما على صفة القراءة الاستقرائية لتاريخ الأمم والشعوب من مصادرها الأساسية: القرآن والسنة. يقول المفكرالكبير الشيخ ابو بكر بن مشهور:

إنَّ أجيال الأمة الإسلامية أمام مسئولية عظمى تبدأ بإنقاذ ما يمكن إنقاذه، وحفظ ما يمكن حفظه، ولن يتحقق هذا المبدأ في خضم التيارات والأعاصير المدمرة إلا بالرحلة إلى الداخل، والرحلة إلى الداخل تبدأ بإعادة دراستنا الواعية لنصوص القرآن الكريم وأحاديث مَنْ لا ينطق عن الهوى صلى الله وسلم عليه وعلى آله فيما يخص التحولات والعلامات والإمارات والأشراط والبشارات والملاحم والفتن والفتن المضلة، وكل هذا الحشد من المواضيع جزء من الديانة، والديانة أمانة، و«أول ما يُرْفَعُ مِنْ هذه الأمَّة: الأمانة، وآخر ما يبقى لهم: الصلاة، ورُبَّ مُصَلٍّ لا أمانةَ لَهُ» صدق رسول الله صلى الله وسلم عليه وعلى آله.

ولا شك انه قد حان لإعادة تفتيش أوراقنا المتراكمة للننظر في تراثنا الإسلامي بعد أن حولناه إلى مسمى التراث، وهو هويتنا وعقيدتنا وأساس سلامتنا في الدنيا والآخرة، ولربما بذلك تبدى لنا بوضوح حجم المؤامرة التي نديرها بأنفسنا مع أعدائنا من المستشرقين والمتطرفين وذوي الحول الفكري  ضد ديننا وعلاقتنا بربنا وبنبينا وبالأمة الإسلامية.

والفتوى قد تختلف وتتغير باختلاف وتَغَيُّر ما بنيت عليه، بمعنى: أن هناك من الفتاوى ما تكون مبنية على نصٍّ ثابت في كتاب الله، أو في سنة رسوله -صلى الله عليه وسلم- وهذا الحكم عامٌ لا تغيير فيه ولا تبديل، فتثبت بذلك الفتوى حينئذ؛ لأن مبناها ليس على زمانٍ أو مكانٍ أو عرفٍ أو حالٍ معين، وهناك من الفتاوى ما تكون مبنية على عرفٍ معين أو معنى معين، أو في حالٍ معينة، فإذا تغيرت هذه الأحوال والأعراف، تغيرت الأحكام، وبالتالي تتغير الفتوى إلى ما يناسب حال الناس واحتياجهم، وأعرافهم، وزمانهم ومكانهم بما لا يخالف النصوص الشرعية.

إن الأحكام التي تتغير بتغير الأزمان هي الأحكام المستندة على العرف والعادة ; لأنه بتغير الأزمان تتغير احتياجات الناس , وبناء على هذا التغير يتبدل أيضا العرف والعادة وبتغير العرف والعادة تتغير الأحكام حسبما أوضحنا آنفا , بخلاف الأحكام المستندة على الأدلة الشرعية التي لم تبن على العرف والعادة فإنها لا تتغير . مثال ذلك : جزاء القاتل العمد القتل . فهذا الحكم الشرعي الذي لم يستند على العرف والعادة لا يتغير بتغير الأزمان , أما الذي يتغير بتغير الأزمان من الأحكام , فإنما هي المبنية على العرف والعادة , كما قلنا .

هناك من الأحكام الشرعية ما يكون تنفيذها عن طريق آلة أو وسيلة ، والشريعة لم تحدد في كثير من الأمور الآلات والوسائل التي يتحقق بها الحكم الشرعي ، بل تركتها ليختار المسلمون في كل زمان ومكان ما هو أنفع لهم وأصلح وأفضل في تنفيذ الحكم الشرعي ؛ إذ ربما لو ألزم المسلمون بآلة أو وسيلة معينة لتعسر عليهم ذلك ، ووجدوا في ذلك من المشقة والحرج الشيء الكثير لا سيما أن الوسائل والآلات تتعدد وتتباين ، وقد يكون بعضها ميسراً وبعضها غير ذلك ، وقد يختلف العسر واليسر بالنسبة للآلة أو الوسيلة نفسها باختلاف الزمان والمكان ، والله يريد بعباده اليسر ولا يريد بهم العسر ،

ونقرر هنا حقيقة عامة:ليس المقصودُ بتغيّر الزّمان مثلاً؛ أن يُجْعَلَ ذلك مسوِّغًا وحيدًا لتغيّر الفتوى، – وإن كان سببًا من الأسباب الدّاعية إلى النّظر في مدارك الأحكام -؛ بل الواجبُ ربطُها بالأصول الشّرعيّة، والمقاصد العامّة؛ فإنْ تحقّق – بَعدَ النّظر في مدارك الأحكام – الموجِبُ للتّغيير؛ غيَّر المفتي فتواه مستندًا في ذلك إلى الدّليل الشّرعيّ الثّابت.

قال الإمام الشاطبي رحمه الله تعالى: «فاعلم أنّ ما جرى ذكره هنا من اختلاف الأحكام عند اختلاف العوائد؛ فليس في الحقيقة باختلافٍ في أصل الخطاب؛ لأنّ الشّرع موضوع على أنّه دائم أبدي لو فُرض بقاء الدّنيا من غير نهاية، والتّكليف كذلك؛ لم يحتج في الشّرع على مزيد، وإنّما معنى الاختلاف أنّ العوائد إذا اختلفت رَجَعَت كلُّ عادةٍ إلى أصلٍ شرعيٍّ يحكم به عليها؛ كما في البلوغ مثلاً، فإن الخطاب التّكليفي مرتفع عن الصبي ما كان قبل البلوغ، فإذا بلغ وقع عليه التكليف. فسقوط التّكليف قبل البلوغ، ثمّ ثبوته بعده ليس باختلاف في الخطاب، وإنّما وقع الاختلاف في العوائد والشّواهد».

ومن هنا نفهم أنّ تعبير بعض العلماء في صَوْغِ هذه القاعدة وسَبْكها بقولِهِ: «لا يُنْكَرُ تغيّرُ الأحكامِ بتغيُّرِ الأزمانِ» هكذا على إطلاقِهِ؛ لا ينسجم مَعَ مَا قرّرناه آنفًا من كون التّغيير الحاصل هنا هو في الفتوى، وليس في الحكم الشرعيِّ؛ لأنّ الحكمَ ثابتٌ لا يتغيّر، وإنّما الذي يتغيّر هو الفتوى به حسب المقتضى الشّرعي.

مقالات ذات صلة

27 thoughts on “فقه التحولات وتغير الفتوى وفق المتغيرات”

  1. الله الله على قلمك وفكرك كاتبنا الكبير معالي الأستاذ خالد الشناوي المفكر الكبير سلمت اناملك وما احوجنا لمثل هذا الفكر المرن لا سيما في هذه المرحلة الحرجة من تاريخ امتنا …. اكرمك ربي بكل فيض رباني … تحياتي ..

  2. مقال رائع والفتوى نعم تتغير بتغير الزمان و المكان ولذلك فالشافعى عمل الفقه القديم فى العراق والفقه الجديد فى مصر لاختلاف الزمان والمكان
    واحتلف محمد بن الحسن الشيبانى وابويوسف مع معلمهم الامام ابوحنيفه ولما سئل كل منهم عن ذلك قالوا اختلاف زمان ومكان لا اختلاف حجه وبرهان

  3. مقال رائع كعادتك يا أستاذ خالد مع تمنياتى بمزيد من النجاح والتألق ، وربنا يبارك ويحفظ علمائنا من الأزهر الشريف فهو النور والسند ،فهم قيمة وقامة وسيظل الازهر الشريف هو بعلمائه الأجلاء هو منارة هذا الدين وحمايته من امثال هؤلاء المتطرفين

  4. ما شاء الله لا قوة إلا بالله…مقال كبير يوافق العصر ….جزيتم كل خير ….وخالص الشكر لعقيدتي والقائمين عليها لنشر مثل هذه المقالات القيمة المتوافقه مع روح العصر .
    تحياتي الخالصة لمنبر عقيدتي … صوت العقيدة الصحيحة …

  5. كلمات من نور تبدد الظلام ..ومقال هادف يثقل عقلية القارئ مثلنا …ونفهم من خلال مدى متغيرات ومستحدثات العصر والفتوى … والحقيقة أول مرة اعرف يعني ايه فكر تحولات ….جزيتم عنا كل خير .

  6. انا قرات المقال بدون مجاملة هو فعلا هادف لة نظرة ثاقبة ف امور الدين والتعاملان والمعاملات ف الفقة وهكذا بارك الله فيك اخي وجزاك عنا خير الجزاء

  7. أبدعت مولانا لشيخ خالد الشناوي في تسليط الضوء على موضوع الفتوي ما شاء الله زادك الله علما و نورا و نفع الامه بحضرتك
    دائما تتحفنا بما تحتاجه الامه لصلاح حالها
    لا حرمنا الله منك مولانا و من علمك الغزير

  8. بعدنا عن الدين والقيم وقربنا الي الخلافات في قالوا وقلنا . فمن هنا ياتي دور العالم العامل بالكتاب والسنه والتوجيه الصحيح في التنقيب عن التقصير واعاده البنيان واعاده الهيكله الاسلاميه في حياتنا وعاداتنا والتمسك بتقاليد الاسلام وفقكم الله لما يحب ويرضي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

إغلاق