sliderالرأى

غازي القصيبي.. مُفكِّراً

بقلم د. ناجح إبراهيم

يعد السفير والوزير السعودي غازي القصيبي “رحمه الله” من الأكاديميين والشعراء والأدباء والحكماء الكبار في أمة العرب، ولعل الكثير منا يهتم بشعره دون أن يهتم بنظراته الحكيمة في مناحي الحياة المختلفة، سواء السياسية أو الإدارية أو المجتمعية أو الإنسانية، ولكن المتصفّح لفكره يري فيه ثراءً كبيراً، وهذه إطلالة قصيرة علي فكره.

فمن روائع فكره قوله: “القوة لا تصنع الحق” لأن الحق فوق القوة وأبقي وأعظم منها، ومنها قوله “إن أخطر سجن وجد أو سيوجد هو سجن الذات” وهذا يعني أن بداية الإصلاح والحرية تبدأ من ذاتك.

أما رؤيته للتعليم فلخَّصها بقوله: “الطريق إلي التنمية يمر أولاً بالتعليم وثانياً بالتعليم وثالثاً بالتعليم، باختصار هي الكلمة الأولي والأخيرة في محلمة التنمية” وقوله الواضح “عدوّنا الأول هو التخلف وليس إسرائيل”.

ويقول عن العلم “قُــمْ لـلمعلّمِ وَفِّـهِ الـتبجيلا، وحاول أيضاً زيادة مُرَتَّبه” ويقول “لا يوجد أنبل من مهمة التدريس ولا يوجد أفسد من بعض المدرّسين” ويردد “كنت أقول للطلبة في المحاضرة الأولي: إن رسوب أي منهم يعني فشلي في تدريس المادة من قبل أن يعني فشله في استيعابها” وتلمس في أفكاره عشقه للتعليم والتعلّم ورغبته الجارفة في تطوير التعليم في العالم العربي.

أما عن السياسة والسُلطة فقد عاش فيها سنوات وخبر أهلها وعرف مكائدها وإحنها وأحقادها ولذلك تحدث عنها حديث الفيلسوف العبقري وفضَّل ألا يخوض فيها ولكن كلماته البسيطة عنها تعني الكثير، ومنها علي سبيل المثال لا الحصر: “أمريكا متخصصة في صنع الأسحلة الذكية والسياسات الغبية” وقوله “ليس للتخلف علاج سوي الحرية” وقوله: “من لعنات المنصب أنه كلما ارتفعت درجته كلما انخفضت درجة الصراحة عند المتحدثين إلي شاغليه” وقوله الساخر “السلطة هي أن يضحك الجميع من نكتك الساذجة التي سمعوها ألف مرة” وقوله الأكثر سخرية “الياباني عندما يفشل ينتحر، أما العربي عندما يفشل يُرقَّي” وقوله “تبدو النظرية رائعة في كتاب وتتحول إلي مشانق وسجون في التطبيق”.

ويسخر من ذوي الذين لا يفارقون مناصبهم أبداً ولا يتركون كراسيهم إلا بالموت فيقول: “لا أعرف أحداً خُلِّد في وظيفة سوي إبليس الرجيم” ويقول عن الذين يحتكرون السلطة ويقصون منافسيهم: “يخطيء من يعتقد أن القمة مدبَّبة لا تسع إلا لواحد، إنما هي مسطحة تسع الجميع، نحن لا نستوعب أنفسنا لذا لا نستوعب الآخر” ويتحدث عن سُنَّة التغيير باعتبارها سنة كونية فيقول: “التغيير قانون الطبيعة الوحيد الذي لا يتغير”.

أما عن حقوق الإنسان ووقف التعذيب الذي رآه الرجل فاشياً في بلاد العرب فيقول آسفا حزيناً: “لو كان لي من الأمر شئ لوضعت في كل كُلِّية أمنية في بلاد المسلمين مادّة اسمها “إن الله يُعذِّب الذين يُعذِّبون الناس” وقد انطلق مفكرنا الرائع في هذه المقولة من الحديث الشريف: “إن الله يعذِّب الذين يعذِّبون الناس في الدنيا”.

ويقول مفكرنا: “ما أسهل الدفاع عن حقوق الإنسان في مقاهي لندن وباريس” وقد شاهد ذلك بنفسه كثيراً في الناشطين العرب الذين تسكّعوا في شوارع ومقاهي باريس ولندن وقبضوا الدولارات وتركوا ساحة المعركة الحقيقية في أوطانهم! فمعارك الوطن الحقيقية هي بين الناس وتحمّل ما يتحملونه.

أما عن الحب فقد تحدث عنه كثيراً، وتشعر في كلماته حبه للمحبوب الأعظم، الله سبحانه، أصل كل المحاب ومنه تتفرع جميع المحاب، وتلمس الأدب الكبير والرقي الإنساني في كلماته، فلا إسفاف أو تبذّل مثل غيره “إن الذي يحب الله لا يمكن أن يكره البشر” ويحلِّق في سماء التسامي فيقول “المقدرة الحقيقية علي الحب هي أن نحب ما لا يُحَب، وأن نعشق ما لا يُعشَق ، وأن نؤمن بما لا نري، وأن نعطي دون أن نأخذ، وأن نعجز عن الكراهية”.

ويعرف الحب بأجمل تعريف “الحب هو نسيان مؤقت للذات وتذكر مؤقت للآخر” ويعرفه أيضاً بقوله “الحب يعني أنك لست في حاجة إلي الاعتذار أبداً “.

ويتحدث عن العفّة التي هي صنو الحب، فحب بلا عفة هو تسفُّل ومجون، فيقول: “لا يجوز لإنسان أن يدّعي العفّة ما لم يتعرض للفتنة” ويتحدث عن جمال المرأة فيقول “جمال المرأة يغفر كل عيوبها إلا الغباء” ويقول عن سيطرة المرأة علي الرجل “للرجل الكلمة الأخيرة وللمرأة ما بعد الأخيرة”.

وينتقد المجتمع العربي نقداً لاذعاً وهو الذي عاش آلامه وسلبياته وحروبه وصراعاته الفارغة من أجل لا شئ فيقول: “من سلبيات الشخصية العربية أنها لا تهتم بالفعل نفسه بقدر ما تهتم برد فعل الناس نحوه، لا يهم أن ترتكب ذنباً ولكن المهم ألا يعرفه الناس”.

ويشرح مرض المجتمع العربي في قوله “يعاني المجتمع من الفصام، وأتصور أن مجتمعنا العربي منفصما أكثر من سواه، والسبب هو الحساسية، وحساسيتنا معقدة إلي أبعد مدي”.

وينتقد الموائد العربية الفاخرة التي فيها من السرف والبذخ الفاجر ما فيها فيقول “الكرم العربي ظاهرة غذائية”.

وينتقد فهلوة الإنسان العربي قائلاً: “ما أكثر الذين يعتقدونه أنهم يعرفون كل شئ، ويحكمون علي كل إنسان، ويبُتّون في كل قضية، ويفتون في كل مُعضلة”.

ويحلِّل نفوس البشر قائلاً: “الذين يشتمون الشُهرة هم الذين فشلوا في الحصول عليها”.

ويبيّن اختلاط المبادئ بالمصالح في دنيا الناس، وأن المصالح قد تنشِّط المبادئ أو تحركها فيقول: “ويزداد تعلّقنا بالمبادئ بقدر ما يزداد تعلّق مصالحنا بها”.

وينتقد تخلّف الأمة العربية والإسلامية بقوله: “كيف تستطيع أمة أن تصنع مستقبلها وهي في قبضة ماضيها، يعصرها عصراً حتي يستنفذ كل ذرَّة من طاقاتها”.

ويكره نظرية المؤامرة التي كبَّلت العقل العربي والإسلامي فيقول: لا جدوي من الحوار مع أصحاب نظرية المؤامرة”.

تُري لو كان القصيبي بيننا الآن، ورأي معظم الإعلام العربي يدشِّن ويدعم نظرية المؤامرة ويبرِّر كل خطيئة وجُرم بهذه النظرية البائسة، ماذا كان سيفعل أو يقول؟!

رحم الله الشاعر والدبلوماسي والحكيم الكبير، غازي القصيبي الذي أفخر بحبه والإعجاب بشعره، اللهم زد هذه الأمة من الحكماء والعلماء والنبلاء ودعاة الخير، وجنّبها الزلل والإثم والاستبداد.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

شاهد أيضاً

إغلاق
handjob-hd.net
إغلاق
التخطي إلى شريط الأدوات