sliderالمرأة

علماء: “مؤخر الصداق” مقدم على توزيع التركة

.. إذا مات الزوج

تحقيق –  سمر هشام

حفظ الإسلام للمرأة حقوقا لم تكفلها لها شرائع أو أديان أخرى، فشرع الله تعالى لها  “مؤخر الصداق”  ليكون تكريما وصيانة للمرأة ورفعة من شأنها، فهو مقدم على توزيع التركة اذا مات الزوج قبلها لأنه من الديون وسداد الدين مقدم على توزيع التركات في الإسلام.. كما أوجب الله عز وجل المهر للمرأة عند زواجها ليكون ملكاً خاصاً لها بمجرد العقد عليها ولا يجوز لأبيها أو زوجها أن يأخذوا منه شيئا؛ وذلك إظهارًا لمكانة عقد النكاح وإعزازًا للمرأة وإكرامها وتقديم الدليل على بناء حياة زوجية كريمة، وتوفير حسن النية على قصد معاشرتها بالمعروف .

بداية يقول الشيخ عادل أبو العباس عضو لجنة الفتوي بالأزهر الشريف : إن الإسلام كرم المرأة بأن فرض لها مهراً عند زواجها ليكون من باب التعزيز لها والصيانة لأنوثتها والاحترام لشخصيتها ، وبمجرد استلام المهر اصبح ملكاً خاصاً لها لا يجوز لأبيها ولا لزوجها أن يأخذه منها بأي حال من الأحوال ، لأنه دخل في ذمتها المالية ومعلوم أنه يجوز أن  تأخذ المهر كاملاً جملة واحدة كما يجوز أن تأخذ بعضه أو أن تؤجل بعضه ، وبمجرد التأجيل أصبح ديناً على الزوج يجوز لها أن تطالبه به في أي وقت من الأوقات.

ويضيف د .  عادل ” : إن مؤخر الصداق مقدم على توزيع التركة اذا مات الزوج قبلها لأنه من الديون وسداد الدين مقدم على توزيع التركات في الإسلام كما يجوز لها المسامحة فإذا سامحت زوجها سقط عنه الدين وبرأت ذمته وأصبح في عداد المعدوم لأن المسامحة تنهى الديون ، ومن عادة المصريات الكريمات فيما شاهدناه عند وفاة الزوج أن الكثيرات منهن يسامحن أزواجهن وقلما نجد زوجة طالبت بسداد مؤخر الصداق وهذا من كرم المرأة المسلمة المصرية في تقديرها لعشرة زوجها نسأل الله أن يزيدهن مودة في الحياة ودعاء بالرحمة بعد الوفاة.

إعزازا للمرأة

ومن جانبه أكد الدكتور أسامة الشيخ أستاذ الفقه المقارن المساعد بكلية الشريعة والقانون بجامعة طنطا أن الله عز وجل شرع المهر وأوجبه على الزوج؛ إظهارًا لمكانة عقد النكاح وإعزازًا للمرأة وإكرامها وتقديم الدليل على بناء حياة زوجية كريمة، وتوفير حسن النية على قصد معاشرتها بالمعروف، كما أن فيه تمكينٌ المرأة من التهيؤ للزواج بما يلزم لها من لباس ونفقة؛ قال تعالى: ” وآتوا النساء صدقاتهن نحلة ” (النساء:4) والمخاطب به الأزواج عند الأكثرين، وقال صلّى الله عليه وسلم لمن لمريد التزويج ولا يملك شيئًا: «التمس ولو خاتماً من حديد»، وثبت عنه عليه الصلاة والسلام أنه لم يخل زواجاً من مهر، وأجمع المسلمون على مشروعية الصداق في النكاح، وتسن تسمية المهر في العقد؛ لأنه صلّى الله عليه وسلم لم يخل نكاحاً عنه، ولأنه أدفع للخصومة، ولئلا يشبه نكاح الواهبة نفسها للنبي صلّى الله عليه وسلم.

ليس شرطا

ويرى د. أسامة أن البعض يخطئ ويعتقد أن المهر ركنٌ من أركان النكاح أو شرطٌ من شروط صحته، وهذا ليس بصحيحٍ،  فالمهر ليس ركنًا ولا شرطًا في النكاح، وإنما هو أثرٌ من آثاره المترتبة عليه، لذا اغتفر فيه الجهل اليسير والغرر الذي يرجى زواله؛ لأن القصد من النكاح الوصلة والاستمتاع، فإذا تم العقد بدون مهرٍ صح، ووجب للزوجة المهر اتفاقاً؛ والدليل قوله تعالى: {لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن أو تفرضوا لهن فريضة} (البقرة:236) فإنه أباح الطلاق قبل الدخول وقبل فرض المهر، مما يدل على أن المهر ليس ركناً ولا شرطاً، كما ثبت في السنة عن علقمة قال: «أتي عبد الله” أي ابن مسعود” في امرأة تزوجها رجل، ثم مات عنها، ولم يفرض لها صداقاً ولم يكن دخل بها، قال: فاختلفوا إليه، فقال: أرى لها مثل مهر نسائها، ولها الميراث، وعليها العِدّة، فشهد مَعْقِل بن سنان الأشجعي أن النبي صلّى الله عليه وسلم قضى في بَرْدَع بنت واشق بمثل ما قضى».

ويرد د. أسامة على  التساؤلات  التي تثور عن مدى جواز تأجيل المهر كله أو جزء منه وهو ما يسمى بمؤخر الصداق.. قائلا : إن الفقهاء أجازوا تأجيل المهر أو جزءًا منه إلى أجلٍ معلومٍ، حيث ذهب فقهاء الحنفية إلى أنه يصح كون المهر معجلًا أو مؤجلًا كله أو بعضه إلى أجلٍ قريبٍ أو بعيدٍ أو أقرب الأجلين: الطلاق أو الوفاة، عملاً بالعرف والعادة، ولكن بشرط ألا يشتمل التأجيل على جهالةٍ فاحشةٍ، بأن قال: تزوجتك على ألف إلى وقت الميسرة، أو هبوب الرياح، أو إلى أن تمطر السماء، فلا يصح التأجيل، لتفاحش الجهالة ، وإذا اتفق صراحة على تقسيط المهر، عمل به؛ لأن الاتفاق من قبيل الصريح، والعرف من قبيل الدلالة، والصريح أقوى من الدلالة ، وإذا لم يتفق على تعجيل المهر أو تأجيله، عمل بعرف البلد؛ لأن المعروف عرفاً كالمشروط شرطاً ،وإذا لم يكن هناك عرف بالتعجيل أو التأجيل، استحق المهر حالًا؛ لأن حكم المسكوت حكم المعجل؛ لأن الأصل أن المهر يجب بتمام العقد، لأنه أثر من آثاره، فإذا لم يؤجل صراحة أو عرفًا عمل بالأصل؛ لأن هذا عقد معاوضة، فيقتضي المساواة من الجانبين.

ويشير د . أسامة إلي أن الشافعية والحنابلة قد ذهبوا أيضا إلى جواز تأجيل المهر كله أو بعضه لأجل معلوم؛ لأنه عوض في معاوضة، فإن أطلق ذكره اقتضى الحلول، وإن أجل لأجل مجهول كقدوم فلان ومجيء المطر ونحوه لم يصح؛ لأنه مجهول، وإن أجل ولم يذكر الأجل، فالمهر عند الحنابلة صحيح ومحله الفرقة أو الموت، وعند الشافعية: المهر فاسد ولها مهر المثل،  وإذا كان من الجائز تأجيل المهر كله إلا أنه يستحب تعجيل جزءٍ من المهر؛ لما روي عن ابن عباس رضي الله عنه قال لما تزوج علي فاطمة رضي الله عنها قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم ” أعطها شيئا” قال ما عندي شيء، قال ” أين درعك الحطمية” فظاهر الحديث يفيد جواز الامتناع عن تسليم المرأة ما لم تقبض مهرها، لكن العلماء حملوا هذا على الندب كرامةً للمرأة وتأنيسًا لها، بدليل ما روي عن عائشة رضي الله عنها قالت: ” أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أدخل امرأة على زوجها قبل أن يعطيها شيء” ، فقد قال الشوكاني: وحديث عائشة يدل على أنه لا يشترط في صحة النكاح أن يسلم الزوج إلى المرأة مهرها قبل الدخول ولا أعلم في ذلك خاف،  وقال الأوزاعي :” كانوا يستحسنون ألا يدخل عليها حتى يقدم لها شيئا”  ، وعلى هذا: فإنه لا مانع شرعًا من تأجيل جزء من المهر وهو ما يطلق عليه “مؤخر الصداق” بشرط أن يكون الأجل معلومًا ، ولا يصح تأجيله إلى أجلٍ مجهولٍ، ففي هذه الحال يكون للزوجة مهر مثلها

ويضيف د. أسامة  : إن هذا الجزء من المهر المؤخر يعتبر دينًا مؤجلًا ثابتًا في ذمة الزوج ، ويجب عليه سداده لزوجته عند انتهاء أجله الذي حُدّد له؛ لما روي عن عقبة بن عامر، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن أحق الشروط أن يوفى به ما استحللتم به الفروج»، ويجب على الزوج إجابتها إلا أن يكون معسراً فإنها تنظره حتى يوسر، لقوله الله تعالى ( وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة) (لبقرة:280). أما إذا  لم يحل الأجل فلا يحق للزوجة المطالبة به إلا عند حصول الفرقة بموت أو بطلاق. كما يجوز للزوجة بطيب من نفسها أن  تتنازل عن هذا المؤخر وتسقطه عن الزوج ، فإذا لم تسقطه عنه وجب عليه السداد حينئذ، فإن لم يسدده مع القدرة على ذلك، ومطالبتها له بالسداد أثم، لقوله صلى الله عليه وسلم ” مطل الغني ظلم “.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

pmclips.com
إغلاق
التخطي إلى شريط الأدوات