sliderالرأى

ظاهرة اغتيال طموحات الشباب في الميزان (أو الإعلام)

بقلم : أ د. عبد الحليم منصور.. عميد كلية الشريعة والقانون جامعة الأزهر بالدقهلية

بين الحين والآخر يعلو الهجوم على المؤسسة الأزهرية الكبرى ، ويخبو تارة أخرى ، وفي كل مرة ينال الهجوم  بعضا رموز المؤسسة الذين يتفانون في خدمتها ، وأداء حق المكان ، وواجب الزمان ، من هؤلاء الذين امتدت إليهم سهام النقد في الأيام المنصرمة ، ذلكم القاضي ( محمد عبد السلام ) الشاب ، الجسور ، المفعم بحب الأزهر ، وعبقه ، وأريجه الفواح الممتد عبر العصور ، والذي يمثل طاقة خلاقة داخل المؤسسة ، ويحقق إبداعات مع رموزها منقطعة النظير .

اختيار الأكفاء

وأقول لهؤلاء المنتقدين اليوم ، والذين انتقدوه قبل أعوام أيضا ، وأقاموا الدنيا وأقعدوها لكونه – رغم حداثة سنه وكير مقامه – يعمل مستشارا لفضيلة الأمام الأكبر – حفظه الله – أقول للجميع : :إن اختيار الأكفاء من  الشباب وإكسابهم الخبرات اللازمة أمر في غاية الأهمية ، لأنهم رجال الغد ، وقادة المستقبل ، ومن ثم فبدلا من تجريف الحياة العامة من الخبرات والقيادات ، لابد أن يكون للدولة خطة استراتيجية تقوم على اختيار مجموعة من الطاقات ، والكفاءات ، من شباب مصر المخلصين ، لتدريبهم في  مواقع القيادة المختلفة ، حتى يكونوا مؤهلين وقادرين على إدارة دفة الأمور في المستقبل القريب .

أسامة بن زيد

وهذا الفكر والمنهج يتفق مع ما كان يدعو إليه النبي عليه الصلاة والسلام ، حيث جعل أسامة بن زيد الذي هو شاب في مقتبل عمره ، قائدا لجيش المسلمين ، وفيه من الصحابة السابقين للإسلام من كبار الصحابة وشيوخهم.

ولما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قبل أن يخرج جيش أسامة صمم أبو بكر الصديق على تجهيز جيش أسامة قال بعض الأنصار لعمر : قل له: فليؤمر علينا غير أسامة . فذكر له عمر ذلك ، فأخذ بلحيته وقال : ثكلتك أمك يا ابن الخطاب ، أأؤمر غير أمير رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ ! ثم نهض بنفسه إلى الجرف فاستعرض جيش أسامة وأمرهم بالمسير ، وسار معهم ماشيا ، وأسامة راكبا ، وعبد الرحمن بن عوف يقود براحلة الصديق ، فقال أسامة:  يا خليفة رسول الله ، إما أن تركب وإما أن أنزل . فقال : والله لست بنازل ولست براكب . ثم استطلق الصديق من أسامة عمر بن الخطاب – وكان مكتتبا في جيشه – فأطلقه له ، فلهذا كان عمر لا يلقاه بعد ذلك إلا قال : السلام عليك أيها الأمير .

كوادر جديدة

والهدف من هذا كله يكمن في تدريب كوادر جديدة تكون قادرة على حمل الراية خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأيضا وضع الرجل المناسب في المكان الذي يلائمه ، فاختيار القوي الأمين ، والحفيظ العليم ، هو الأجدر في كل مواقع العمل والمسئولية .

ولقد ولى الخليفة المأمون يحيى بن أكثم قضاء البصرة وهو ابن ثماني عشرة سنة ، فطعن بعض الناس في ولايته لحداثة سنه ، فكتب إليه المأمون كم سن القاضي ؟ فقال : أنا على سن عتاب بن أسيد حين ولاه الرسول على مكة .

على هذا النحو تفكر الدولة المتقدمة ، حيث تقوم على تدريب كوادر من الشباب في شتى التخصصات ، حتى يكونوا قادرين على قيادة المجتمع في الوقت المناسب .

مؤسسة الأزهر

وإن بعض القيادات في مصر لتطالب بإعطاء الشباب بعض الأدوار ، في المحافظات ، وفي بعض الوزارات ، وبعض المؤسسات الكبرى ، ولكن هناك بعض البرامج والأقلام تهاجم هذا التوجه ، وما برحت تهاجم ، وتنتقد اختيار بعض الشباب الأكفاء للقيام ببعض المهام الموكلة إليهم.

لاسيما في مؤسسة الأزهر الشريف مثلما فعل فضيلة الإمام في اختياره السيد المستشار محمد عبد السلام مستشارا له ، الأمر الذي أقام الدنيا وأقعدها في بعض وسائل الإعلام.

والسؤال الذي يطرح نفسه هل المعيار هنا هو معيار الكفاءة ؟ أو معيار السن ؟ فإن قلنا : إن العبرة هي بالأكفأ ، والأقدر على العطاء ، دون نظر إلى سنه ، فما الذي يضير فضيلة الإمام ، أو يضير من اختاره طالما أنه يؤدي واجبه بكفاءة واقتدار ، وهذا ما شهد به المتابعون ، والخبراء من أهل القانون .

هذا وإن منطومة العمل القانوني داخل مؤسسة الأزهر الشريف لتسير بخطى وثابة ثابتة ، أثمرت عن تحقيق مكاسب عديدة للمؤسسة العريقة أبرزها تحقيق استقلال مؤسسة الأزهر الشريف على النحو الذي نص عليه الدستور.

وإعادة هيئة كبار العلماء من جديد ، وغير ذلك من المنجزات والمكتسبات القانونية والتشريعية التي تحققت داخل مؤسسة الأزهر الشريف في الفترة القليلة الماضية بفضل جهود سيادته ، وكتائب العمل الموجودة معه .

طاقة الأمة

إن الشباب هم طاقة الأمة الخلاقة ، وضميرها الحي الصادق ، فهم قادة سفينة المجتمع نحو التقدم والتطـور، ونبض الحيـاة في عروق الوطـن، ونبراس الأمل المضيء، وبسمة المستقبل المنيرة ، وأداة فعالـة للبناء والتنميـة.

وحينما يغيب دور الشباب عن ساحـة المجتمع ، وتغتال طموحاتهم ، وتهدر طاقاتهم ، تتسارع إلى الأمة بوادر الركود ، و تعبث بهـا أيادي الانحطاط ، وتتوقف عجلة التقدم.

لذا أقول  لكل السادة الإعلاميين ما أحوجنا في هذه الحقبة الفارقة من تاريخ مصر إلى اختيار الأكفاء ، الأمناء ، القادرين على العطاء بإخلاص وأمانة في شتى ميادين العمل ، وبدلا من أن يشهر كل منا سلاح النقد والاتهام في وجه أخيه.

علينا أن نرفق ببعضنا ، وأن نحسن الظن بإخواننا ، وأن نعتقد أن الجميع مخلصون وطنيون ، محبون لمصر وترابها ، ويتمنون لها التقدم الازدهار.

وأن فضيلة الإمام الأكبر بما أوتي من علم ، وحكمة استشرف بهما آفاق المستقبل ، وثمن إرادة المصريين ، وباركها ، وبارك فيها ، وأيدها ، قادر بإذن الله تعالى على اختيار الأكفأ فيمن يعمل إلى جواره ، وقادر على أن يخبر الشخصيات التي حوله ، بما أوتى من فطنة وذكاء .

بناء مصر الحديثة

إننا في هذا الظرف الدقيق من تاريخ مصر نحتاج أن نقف صف واحدا ، وأن نتعاون في بناء مصرنا الحديثة ، بدلا من هذا التراشق الذي يفرق الجمع ، ويشق وحدة الصف ، ويجعلنا شيعا وأحزابا.

بالأمس القريب كنا أمة واحدة ، أصحاب هدف واحد ، وغاية واحدة ، وبعد أن تحقق الهدف ، وانتصرت إرادة المصريين ، وبدأنا ساعة العمل ، دب في أوصالنا الشقاق ، وهذا الأمر هو غاية المنى لمن يتربصون بنا الدوائر، ويريدون أن ننكص على أعقابنا القهقري ، حتى نعود إلى نقطة البداية ندور حول أنفسنا .

لابد من أن نستشرف آفاق المستقبل ، وأن يقدم كل منا للآخر واجب النصح ، والتوجيه ، بكل أحب وأناة ، إن كان ثمة عيوب أو خلل ، لتمخر بنا سفينة الوطن عباب الأمواج المتلاطمة ، نحو مستقبل مشرق آمن ، مفعم بالحب والإخاء والازدهار تحت سماء وظلال هذا الوطن العظيم .

حمى الله مصر ،، حمى الله الأزهرالشريف .

 

 

 

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

pmclips.com
إغلاق
التخطي إلى شريط الأدوات