sliderالتحقيقات

صراع الأجيال بين الآباء والأبناء.. مشكلة اجتماعية عصية على الحل

ووسائل التباعد الاجتماعى زادت من حدتها

د. سرحان : عكوف الأبناء على الإنترنت صنع نوعاً من العقوق حيال الآباء
د. زهران : القمع والعقاب لم تعد الوسائل المفضلة للتربية ..والنقاش والتحفيز الأفضل

تحقيق- سمر هشام

لاتوجد مشكلة اجتماعية أودينية زادت حدتها خلال السنوات الأخيرة إلا وكان الإنترنت ووسائل الإتصال الإجتماعي ورائها .. من هذه المشكلات صراع الأجيال الموجود بين الآباء والأبناء منذ الأزل .. إلا أن أخذ شكلا مختلفا خلال الأونة الأخيرة حيث بدأ هذا الصراع يتفاقم حتى وصل إلى حد الخصام والفراق بين الآباء والأبناء ، والذي أرجعه العلماء إلى وسائل التكنولوجيا الحديثة التي وسعت الفجوة بين الآباء الذين لم يعيشوا هذا التطور والأبناء الذين تغير شكل ونمط الحياة كليا مع نمط حياة آبائهم، ، وأصبحت وسائل التواصل هي الملاذ للأبناء لإيجاد وتنفيذ ما يودون دون تقييد من الآباء .. فيكف يمكن التقريب بين وجهات النظر والقضاء على الهوة الموجودة بين الأبناء والأباء ؟؟.. هذا ما سيتم توضيحه في هذا التحقيق:

البداية مع أراء الجماهير فترى هبه مصطفى (موظفة )  أن الجيل الحالي  ينظر إلى الآباء على أن تفكيرهم قديم ولا يناسب العصر الذى يعيشه الجيل الحالي ، لأن التفكير اختلف من حيث التطورات السريعة في هذا الزمن ، لذلك فإن الأجيال الحديثة تنظر إلى مستقبلها بطريقة تجعلها تريد أن تبنى حياتها في زمن قياسي دون أن يكون ذلك بطريقة متدرجه كما هي سنة الحياة مما يجعل هذا الجيل يصطدم بمعوقات  في بداية حياته قد تؤدى به إلى طريق الفشل.

ويوضح عبدالحميد محمد (موظف ) أن صراع الأجيال الموجود حاليا سببه التقدم التكنولوجي السريع ووسائل التواصل الاجتماعي التي أدت إلى اختلاف أفكار هذا الجيل اختلافا جزرياً عن الأجيال السابقة كون وسائل التواصل الاجتماعي يوجد بها أفكار مغلوطة وتنشر ثقافات غربية لا تتناسب مع ثقافتنا الشرقية ، وهذه الوسائل تقوم بتوجيه الأجيال الحالية بطريقة لا تناسب فكر الأجيال السابقة مما يؤدى إلى حدوث ما يعرف بصراع الأجيال.

ويقول أحمد عصام ( طالب) أن ما يحدث حاليا من اختلاف بين أفكار الجيل الحالي والجيل السابق  ناتج من عدم التفاهم بين الاَباء والأبناء وذلك بسبب الحرص الشديد من الأباء على الأبناء والذى قد يكون بطريقه تؤدى إلى نفور الابناء من هذا وعدم تفهم الأبناء لهذا الحرص مما يؤدى إلى اختلاف عميق في الافكار والرؤى بين الجيلين.

وأكد اسلام الكومي ( طالب) أن السبب في الاختلاف بين الاجيال الحالية والسابقة أن الآباء عندما يواجهون أبنائهم تكون بصيغة الأمر وليس النصيحة مما يجعل الجيل الحالي يرفضها .

الإنترنت والتمزق الأسري

الدكتور عبد الحي عيد سرحان من علماء وزارة الأوقاف يؤكد أن الوسائل الحديثة التي يستخدمها الإنسان مثل شبكة المعلومات الدولية هي نعمة من نعم الله عز وجل علينا شريطة أن يستخدمها العبد في مرضاة الله تبارك وتعالى وأن تكون وسيلة للتواصل النافع الهادف فإذا تحول الامر إلى عكس ذلك كانت نقمة لا نعمة كالفجوة التي حدثت بين بعض الآباء والأبناء بسبب الإنترنت فأصبحت الشبكة العنكبوتية هي مصدر المعلومة لدى الأبناء دون الحاجة لنصح وتوجيه الآباء ولم يعد عند الأبناء وقت للجلوس مع أفراد الأسرة لانشغالهم الدائم  بشبكة المعلومات الدولية وهنا وقع الصراع بين الآباء والأبناء وانفصلت القاعدة عن القمة وحدث تمزق أسري ولذلك فإن علاج المشكلة يكمن في شعور كل طرف بمسئوليته حيال الطرف الآخر فعلى الأبناء أولاً أن يدركوا مكانة الآباء التي لا يعوضها أي شيء في الوجود فقد أمر الله عز وجل بالإحسان إلى الوالدين وقرن ذلك الأمر بعبادته وعدم الشرك به لعظم الإحسان إليهما فقال جل وعلا:{ وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا }( سورة النساء,آية:36) وبالرحمة معهما والحنو والعطف عليهما والدعاء لهما فقال تعالى:{وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا}(سورة الإسراء,آية:24) وجاء الأمر بذلك عقب الأمر بعدم الإساءة إليهما ولو بأدنى شيء يمكن أن يغضبهما فقال عز من قائل { وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا }(سورة الإسراء,آية:23) وهذه التوجيهات الربانية قد غابت في ظل عكوف الأبناء على شاشات الإنترنت فافتقد الآباء والأسرة كلها الشعور بالدفء والترابط الأسري وغابت الألفة التي ينبغي أن تكون بين أفراد المجتمع كله لا سيما بين الآباء والأبناء فقد قال صلى الله علي وسلم في الحديث الصحيح  من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنه:” المؤمن إلف مألوف لا خير فيمن لا يألف ولا يُؤلف خير الناس أنفعهم للناس”

ويضيف د. سرحان أن الفجوة ازدادت بين الآباء والأبناء نتيجة لشعور الآباء بأنه لا حاجة إلى توجيه النصح والإرشاد للأبناء فالأبناء لا يستجيبون من جهة ومن جهة أخرى وجدوا وسيلة أخرى استغنوا بها عن وظيفة الآباء في الحياة , ومن هنا نقول لا يمكن لأي وسيلة مهما بلغت درجة تقدمها أن تحل محل الآباء لما فُطر عليه الآباء من حب الأبناء وتقديم مصلحتهم وحاجتهم على مصلحة وحاجة أنفسهم قال الله تعالى {الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا }(سورة الكهف , آية:46) فعكوف الأبناء على شاشات الإنترنت لغير حاجة ضرورية صنع نوعاً من العقوق حيال الآباء فليتق الأبناء الله في الآباء وليقدروا دورهم في الحياة , و نقول للآباء لا تتخلوا عن دوركم في الحياة ولا تتركوا مواقعكم فأبناؤكم أمانة ستسئلون عنها أمام الله تعالى يوم القيامة فعليكم مراقبتهم وبحكمة لئلا ينقلب الأمر إلى ضده , ودوام النصح والإرشاد وإن وُجد إعراض من الأبناء فالولد بالنسبة لوالده كالزرع الذي يجب على صاحبه أن يتعاهده بالسقي والرعاية ليقطف الثمرة المرجوة منه يوم حصاده وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كما في الصحيحين من حديث ابن عمر رضي الله عنهما : ” كلكم راع ومسئول عن رعيته فالإمام راع ومسئول عن رعيته والرجل راع في أهله وهو مسئول عن رعيته والمرأة في بيت زوجها راعية وهي مسئولة عن رعيتها والخادم في مال سيده راع وهو مسئول عن رعيته قال : فسمعت هؤلاء من النبي صلى الله عليه وسلم وأحسب النبي صلى الله عليه وسلم قال : والرجل في مال أبيه راع ومسئول رعيته فكلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته “.

صراع قديم

ومن جانبه يقول الدكتور سليمان زهران أستاذ الصحة النفسية واستشاري العلاقات الأسرية  إن صراع  الآباء والأبناء هو صراع قديم الأزل ومرتبط بالأساس بمراحل النمو الطبيعية للإنسان وخاصة حينما ينتقل الفرد من مرحلة الطفولة لمرحلة المراهقة حينما يشعر الفرد بان له هوية مستقلة تؤكدها التغيرات الفسيولوجية لمظهر جسده وشعوره بإمكانية الاعتماد علي النفس والاستقلال عن وصية الاهل، وفي هذه المرحلة ينتقل الفرد من طواعية الأهل إلي طواعية الذات ثم جماعة الرفق فنجد المراهق غالبا معترضا علي كثير من الامور التي اعتاد عليها، رافضا أن تملى عليه القرارات دون ابداء رايه، وطالما كانت قيادة الأسرة في يد الآباء فإن الخلاف قائم لا محالة ويظهر هذا الخلاف في الاعتراض شبه الدائم علي الامور المتعلقة به وطبيعة دوره بالأسرة، ورفض لعادات وتقاليد اسرته والتمرد علي ادارة الامور العائلية وقد يصل الامر لحد الخصام.

ويشير د. زهران أن حدة هذا الصراع ازدادت بعد التغيرات التي أحدثتها التكنولوجيا وخاصة في وسائل التواصل الاجتماعي الذي غير نمط الحياة ووسع الفجوة بين الاباء الذين لم يعيشوا هذا التطور في وسائل التواصل والابناء الذين تغير شكل ونمط الحياة كليا مع نمط حياة ابائهم، فقدمت وسائل التواصل الاجتماعي للأبناء كل ما يودون سواء اكان صحيا متماشيا مع منظومة القيم او منحرفا شاذا عن القيم الدينية الاصيلة المميزة لمجتمعنا الشرقي، وأصبحت وسائل التواصل هي الملاذ للأبناء لا يجاد وتنفيذ ما يودون دون تقييد الاباء، ويمكن أن نجزم أن وسائل التواصل الاجتماعي قد فككت كثيرا من الروابط الاسرية التي اعتدنا عليها ووردت لنا الكثير من الافكار الشاذة تحت مصطلح الحريات دون قيود، فتغير السلوك العام للشباب عامة وهو الأمر الواضح من خلال تبني أفكار منحرفة أو سلوكيات أو حتى نمط ملبس لا يتوافق وقيمنا، ومن هنا ينشأ صراع بين الآباء المتهمون من قبل الأبناء بالرجعية والتخلف والأبناء المتهمون من قبل الآباء بالانحلال والتسيب، والحقيقة أن كلا التوصيفين خطأ فكلاهما لديه منظومة قيم ونمط حياة  مختلف عن الاخر، والحقيقة أن كم التغيرات الذي حدث خلال العقود المنقضية عجز الكثير من الآباء عن مواكبته فأصبحوا منعزلين عن عالم الأبناء الصاخب المليء بالمتغيرات الحديثة من فيس بوك وتويتر ويوتيوب وواتس آب…الخ  من وسائل التواصل التي وفرت للفرد كل احتياجاته دون قيود الاباء وتوجيهاتهم.

ويرى د. زهران أنه من الضروري أن يعتني كل الاباء بتربية الابناء والتوجهات الحديثة في التربية فالقمع والعقاب والمنع لم تعد الوسائل المفضلة لتربية الابناء ويجب استبدالها بالنقاش والتحفيز ، كما أنه يجب أن يدرك الاباء أن ما يصلح مع الأبناء في مرحلة الطفولة من التوجيه المباشر واصدار الأوامر لا يصلح اطلاقا مع الأبناء في مرحلة المراهقة ولا بد أن يتغير نمط التعامل من نمط ابوي إلي نمط الصداقة والاخوة وعلي الاباء أن يواكبوا العصر ويتابعوا المستجدات سواء التكنولوجية او الفكرية حتى يستطيعوا مناقشة ابنائهم بلغتهم واسلوبهم ، وأن يركز الآباء في  تربية أبنائهم منذ الطفولة علي التمييز بين الصواب والخطأ في ضوء قيمنا الدينية التي فرضها المولى عز وجل.

انفتاح اجتماعي

وتقول ريهام عبد الرحمن خبيرة الإرشاد الأسرى والتطوير الذاتي أن الفجوة بين الأجيال متمثلة في الصراع بين الآباء والأبناء ، وهذه المشكلة زادت بتطور وسائل الاتصال الحديثة ونشوء الجيل الجديد في ظل انفتاح اجتماعي وثقافي واسع ويقول الله عز وجل في كتابه الكريم (وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ ۖ وَالَّذِي خَبُثَ لَا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِدًا ۚ كَذَٰلِكَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ)  { الأعراف : 58 }  فما أشبه الأسرة  بالأرض الخصبة الطيبة التي تنبت أجيالا ذوى طباع خيرة نقية ، وسلوك نبيل ، وما أشبه الأسرة المنهارة في أخلاقها بالأرض الخبيثة التي لا تنبت إلا نباتا قليلا نفعه وحجمه ، فتخرج أجيالا قاسية لا تعرف للتوافق معنى أجيالا متصارعة لا ترغب في كسب طاعة الوالدين واحترام من هو أكبر منهم عمرا ومقاما ،كما أن التكنولوجيا جعلت الشباب يتمرد على كل من حوله بمن فيهم آبائهم ؛ فالتكنولوجيا جعلت العالم قرية صغيرة مما أدى إلى ظهور جيل شاب متمرد على العادات والتقاليد وفى الوقت ذاته متمرد على أسرته يلجأ إلى وسائل التكنولوجيا في إيجاد حل لمشكلاته .

وترى خبيرة الإرشاد الأسرى والتطوير الذاتي أن ظاهرة الصراع بين الآباء والأبناء ستظل قائمة باختلاف الأجيال والثقافات ولكن حتى نحد من هذه الظاهرة فيجب علينا أن ندرك خطورة الاستخدام السلبى للوسائل التكنولوجية الحديثة على حياة ومستقبل أبنائنا ؛ حيث كان لها السبب المباشر في القضاء على أشكال التواصل الأسرى السليم فغابت صلة الأرحام واختفت العلاقات الأسرية القائمة على حرارة المشاعر وصدق الأحاسيس وحلت محلها علاقات المصلحة والجمود ، ولابد من وجود الرغبة والإرادة الخالصة من جانب الآباء والأبناء في الوصول لحل لهذه المشكلة ، متابعة الأبناء وليس مراقبتهم حتى لا يشعروا أننا نفرض وصاية عليهم ولكن نثق بهم ونحترم آرائهم ، مشيرا  إلى انه يجب  على الآباء تعويد أبناءكم منذ الصغر عدم الجلوس طويلا  أمام شاشة التلفزيون والانترنت لساعات طويلة فيصبح الأمر إدمان لا نستطيع التغلب عليه ،و يجب أيضا بناء جسور مشتركة بيننا ليصل كل طرف منا للأخر وأن يظل الحوار مفتوحا دوما ، حوار يتسم بالصدق والأمانة الهدف منه مشاركة الأبناء في أفكارهم ومراعاة اختلاف زمانهم بما يتناسب مع معتقداتهم الدينية والاجتماعية، ولابد أيضا من تربية الأبناء على طاعة الله عز وجل وعلى سنة الحبيب المصطفى صل الله عليه وسلم  وكما قيل علموا أبناءكم القرءان وسيعلمهم القرءان كل شيء ؛ سيتعلمون من آيات القرءان احترام الأخر وبر الوالدين وذكاء المسافات في العلاقات الاجتماعية .

وتشير ريهام أنه يجب على الآباء أيضا تطوير الذات حتى تتواكب قدراتهم مع التكنولوجية الحديثة ؛ فينبغي أن نكون على وعى بهذه التكنولوجية حتى نستطيع الوصول لعقلية أبناءنا وأفكارهم ؛ فنستطيع التواصل معهم فيشعرون أنهم سيجدوا لدينا حل أي مشكلة تواجههم بدلا من الدخول لعالم الانترنت الغامض ، ونصيحتي للآباء طوروا من أنفسكم واحتووا أبناءكم وتذكروا قول الامام على بن أبى طالب حين قال ( لا تربوا أبناءكم كما رباكم آباءكم فإنهم خلقوا لزمان غير زمانكم ) فرفقا بأرحامكم ، وكذلك للأبناء بأن طاعة الوالدين من رضا الله عز وجل فلنحرص عليها ومن دواعي هذا البر أن تتفهموا أن أساس هذا الصراع قائم بدافع الخوف والحب والقلق عليكم فرفقا بآبائكم .

 

 

 

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

pmclips.com
إغلاق
التخطي إلى شريط الأدوات