slider

روشتة اجتماعية ونفسية للاستمتاع بـ”بهجة العيد”

العودة للبساطة والتزاور والتكافل وترشيد الإنفاق والقناعة

تحقيق: إسراء طلعت

“بهجة العيد” فرحة ينتظرها الكبير والصغير، بعد صيام دام شهرا كاملا، وفي العيد تتجلى الكثير من معاني الإسلام الاجتماعية والإنسانية، ففيه تتقارب القلوب على الود، ويجتمع الناس بعد افتراق، ويتصافون بعد كدر، هذا الوصف الحقيقي للعيد بكل معانيه، إلا أننا في الفترة الأخيرة فقدنا جزء من تلك البهجة والشغف لانتظار العيد، بسبب التباعد والفتور الذي أصاب الأسر والعائلات المصرية.

“عقيدتي” توضح أسباب ذلك الشعور وتضع الروشتة النفسية والاجتماعية للوصول لحالة الفرحة والبهجة في العيد، لاسيما وأن الرسول صلى الله عليه وسلم قد رخص في ذلك اليوم للمسلمين في إظهار السرور وتأكيده، بالغناء والضرب بالدف واللعب واللهو المباح، كما أنه هناك من الأحاديث ما يفيد أن إظهار هذا السرور في الأعياد كشعيرة من شعائر هذا الدين.

عن أسباب فقدان الشعور ببهجة العيد يقول د. محمد خطاب- أستاذ علم النفس بآداب عين شمس-: إن من أحد مكونات البهجة العائلية، “التجمّع الأسري” والمشاركة في طقوس العيد وهى من أحد المظاهر التي تلتف حولها أغلب الأسرة، إلا أن التكنولوجيا الحديثة، لعبت دورا كبيرا في تفريق شمل الأسرة، كما أننا فقدنا ثقافة الـ”ويك إند” والاستمتاع بالأجازة.

تصدير الإحباط!

يضيف د. خطاب: أدوات ووسائل الإعلام تلعب دورا كبيرا في صناعة اليأس، وتصدير الإحباط للمواطنين، من خلال المادة الإعلانية والإعلامية المعروضة التي تعيد صناعة التفريق الطبقي مرة أخري، من خلال مخاطبة فئات مختلفة من الشعب والتفرقة في المعيشة والإعلان عن المناطق السكنية الخيالية وحياة الرفاهية ومن ناحية أخرى تصور معاناة الفقراء في الحصول على أبسط الحقوق وعلى رأسها العلاج، كما أن الدراما لها تأثير كبير وتلعب في صناعتها على العقل الجمعي، وأغلبها كانت تتحدث عن القتل والمخدرات وتصدير الإحباط بشكل كبير للمجتمع، والتي تؤثر على المدى البعيد على الأطفال.

خَلْق البهجة

أما عن كيفية التخلص من تلك الطاقة السلبية في العيد وخلق حالة البهجة، فشير د. خطاب إلى أنه ليس هناك واقعا جيدا ولكن التفكير الجيد هو الذي يؤثر في سعادة الإنسان، لذلك ينصح بأن تكون هناك محاولة للاستمتاع بأبسط الأشياء في العيد والتفتيش والسعي إلى البهجة دون تكلف، مستشهدا بقول الله تعالى “وأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى”، ولهذا على الإنسان أن يبحث عن سعادته أينما وجدت ولو بأبسط الأشياء.

البعد عن البذخ

وترى د. نادية رضوان- أستاذ الاجتماع بجامعة قناة السويس- أنه لا يوجد فقدان للبهجة، إلا أن الشعب من كثرة ما تعود على أسلوب حياة معين وأصبح شعبا استهلاكيا ببذخ، كل ما يهمه المتعة على المأكل والمشرب فقط، لم يعد يطور من أسلوب حياته بشكل دائم واعتاد على التقليد الأعمى للغرب في مشاهدة التليفزيون والتقليد في أسلوب الحياة وتخلى عن العادات والتقاليد المصرية الأصيلة التي كان يتميز بها الشعب المصري، وعلى رأسها الترابط الأسري، وفقدنا الطقوس الخاصة بالعيد ولمة العائلة عقب صلاة العيد ويكتفي البعض بالمعايدة عن طريق الهاتف أو وسائل التواصل الاجتماعي المتعددة، فقط.

وتؤكد د. نادية رضوان، أن القنوات التليفزيونية، والانفتاح العالمي لهما دور كبير في التأثير على الشعب المصري، وإحداث طفرة فيه وإحداث فجوة بين تطلعاته وآماله والواقع الذي نعيش فيه، كما أننا اعتدنا الخروج للفسح والمتنزهات في المناسبات وغير المناسبات، لذلك لم تعد لها لذتها فى المناسبة، قديما كان الجميع ينتظر يوم العيد ليخرج للمتنزهات والأماكن الترفيهية، أما الآن أصبح الجميع متاح أمامه كل هذه الطرق في جميع الأوقات على مدار العام.

تؤكد د. نادية رضوان أن فرحة العيد لا علاقة لها بالغني والفقير، لأن كل منهم أهدر طقوس العيد الأساسية البسيطة وتكلف بما هو فوق طاقته فأضاع بهجته بالعيد.

الضحك والبساطة

علي الجانب الآخر تؤكد د. هدى زكريا- أستاذ علم الاجتماع- أن الشعب المصري لن يتخلى عن بهجته في العيد فهو شعب بطبيعته يحب الفكاهة والضحك، في أحلك الظروف، وفى أشد المخاطر، مؤكدة أننا أمة عاشت في خطر لفترات طويلة ولكن نجح المصريون على مدار التاريخ أن يصنعوا جوا من البهجة لأنفسهم وطابعا خاصا بهم، بخلاف الشعوب المجاورة المتنوعة والتي تجمع ما بين القسوة والوحشية، فدائما كان المصريون مائلين لتخفيف الهموم، وللعلاج النفسي الطبيعي بعيدا عن الطبيب.

ولفتت د. هدى، إلى أن الجو العام المصنوع من الإعلام والدراما يبث للمشاهدين دائما الكوميديا السوداء، ولا نسلط الضوء إلا إلى كل ما هو سيئ فقط ويجلب النكد، كما أن النكد عدوى تنتشر بسرعة فأصبح المناخ العام به حالة من الاستسلام، لتلك الحالة المصحوبة بالإحباط، لاننا تحولنا لمتلقين البهجة ولسنا منتجين لها، لاسيما وأن العديد من المواطنين لم تعد فاعلة في مواجهة الظروف اليومية الطبيعية، سواء أغنياء أو فقراء.

وأشارت د. هدى ،إلى أن البهجة والسعادة في العيد غير مرتبطة بالغنى والفقر، خصوصا وأن المصريين قديما كان فقراؤهم يغنون في القطار في الدرجة الثالثة ودون تكلف لأن هناك حالة من الارتباك القيمي لدى الشعب المصري والتي تساهم في حالة من الارتباك السلوكي والتي ربما تشعر المواطنين بإحساس الضيق، كما أننا تراجعنا عن السلوكيات والمفاجآت بدعوى مزيد من الحساسية وفقدان التلقائية البسيطة، ووجود حالة من التكلف بين المواطنين.

الاستمتاع والبهجة

يضع د. جمال عبدالمطلب- أستاذ الاجتماع- روشتة للاستمتاع بالعيد وبهجته، مؤكدا على أنه لخلق حالة البهجة، لابد أن تنبع من النسق العام من البيئة المحيطة، وأن تكون جميعها في ترابط وتضامن مع بعضها البعض، لأن تلك البيئة تتمثل في بيت العائلة الذي كان يشمل الجميع ويخلق حالة من التضامن والتكافل بين جميع أبناء العائلة.

وأشار إلى ضرورة عمل الخير، والمساهمة في المبادرات الاجتماعية البسيطة للفقراء والمحتاجين والمرضى و إعطاء بعض المخصصات للمرأة المعيلة، ولابد من تعظيم المسئولية الاجتماعية في كل محافظة، وعودة الكيانات الاجتماعية البسيطة التي تخلق التكافل الاجتماعي العائلي، في الريف، خاصة أنه يمثل 80 % من الشعب المصري، والابتعاد عن انبطاح الريف المصري للمدنية الحارقة، التي تفقده أهم ما يميزه، مشددا على ضرورة تقسيط وترشيد الإنفاق في العيد، لأن السعادة ليست بالإنفاق على الأشياء الضرورية وغير الضرورية، إلا أن الهدف من ذلك اليوم الترابط الاجتماعي، والتزاور والتضامن والتكافل لتعم البهجة على الجميع.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

handjob-hd.net
إغلاق
التخطي إلى شريط الأدوات