sliderالحوارات

د.فيصل بن معمَّر:مصر الأزهر والكنيسة.. مؤهلة لتقديم خطاب دينى معتدل

أمين عام مركز "كايسيد" للحوار العالمى متحدثا إلى عقيدتى

“وثيقة المدينة”.. “خارطة طريق” لنشر السلام والتسامح عالميا

الحوار أفضل وأنجح وسيلة لمواجهة الإرهاب والتطرّف

حوار: مصطفى ياسين

أكد د. فيصل بن عبدالرحمن بن معمَّر- أمين عام مركز الملك عبدالله بن عبدالعزيز للحوار العالمى “كايسيد”، مستشار الديوان الملكى السعودى- أن مصر مُؤهَّلة وقادرة على تقديم خطاب دينى معتدل ومُتجدِّد يُعزِّز المشتركات الإنسانية، وينشر قيم التسامح والسلام، بما تملكه من مؤسسات وقيادات دينية مُستنيرة، على رأسها الأزهر الشريف بمؤسساته وجامعته ومعاهده، والكنيسة المصرية بطوائفها المختلفة.
وصف التطرَّف بـ “الفيروس” الذى ينشط أحيانا و”يكمن” أخرى، لكن الحوار أفضل وسيلة للقضاء عليه، فكلما اتسعت دائرة الحوار انكمشت مساحة التطرّف، مشيرا إلى أن “وثيقة المدينة” التى وقَّعها سيّدنا رسول الله أثناء الهجرة تُعدّ “خارطة طريق” لنشر السلام والتسامح والمواطنة فى كل العصور.
وفيما يلى نص الحوار الذى أُجرى معه خلال زيارته مؤخّرا لمصر ولقائه كلا من شيخ الأزهر والمفتى والبابا.

نريدك أن تُعطينا نُبذة عن المركز.. من حيث التأسيس، والبرامج والأهداف؟

أُسـِّس مركز الملك عبدالله بن عبدالعزيز العالمي للحوار بين أتباع الأديان والثقافات كمنظمة دولية عام 2012 بمبادرة من  المملكة العربية السعودية بالتعاون مع جمهورية النمسا، ومملكة إسبانيا، إلى جانب الفاتيكان عضوًا مراقبًا مؤسـّسًا في العاصمة النمساوية فيينا، وهو يتميّز بالدولية عن غيره من المنظمات والهيئات الأهلية المختصة بالحوار والتى تصل لحوالى 470 على مستوى العالم.

ويتألَّف مجلس إدارة المركز من قيادات دينية، تمثّل (5) ديانات وثقافات رئيسة في العالم: (الإسلام؛ المسيحية؛ اليهودية؛ البوذية؛ الهندوسية)، وهذا التنوّع انعكس على أنشطة المركز بحيث أصبحت له نشاطات فى أماكن متفرّقة بالعالم.

ويقوم عمل المركز بشكل أساسي من خلال العديد من البرامج والنشاطات في المنطقة العربية والعالم على  تعزيز الحوار والتفاهم بين أتباع الأديان والثقافات المتنوعة؛ وعلى بناء ثقافة الحوار لبناء السلام واحترام التنوع وتعزيز التعايش والحفاظ على التماسك الاجتماعي، وذلك من خلال تعزيز المواطنة المشتركة.

القيادات الدينية

مَنْ هم العناصر التى يتعامل معها المركز فى أنشطته؟

يرى المركز أن القيادات والمؤسسات الدينية يمكن أن تشكِّل قوة فاعلة لتعزيز ثقافة الحوار والتعاون لتحقيق الخير للإنسانية كافةً؛ لذلك يعمل المركز بالتعاون مع القيادات والمؤسسات الدينية على معالجة التحدِّيِّات المعاصرة التي تواجه المجتمعات وذلك لمساندة صُنَّاع السياسيات بما في ذلك التصدي لسوء توظيف الدين لتبرير الاضطهاد وتسويغ العنف والصراع.

وما هى أبرز أعمالكم؟

أطلق المركز عددًا من المبادرات والبرامج العالمية التي تهدف إلى بناء السلام وتعزيز التماسك الاجتماعي في مناطق مختلفة من العالم (نيجيريا، ميانمار، أفريقيا الوسطى، والعالم العربي).

في جميع هذه المناطق، ومن خلال تمكين ودعم منصَّات حوار محلية فاعلة أو تأسيس منصَّات جديدة يعمل المركز على ترسيخ تبادل الآراء والخبرات وتفعيل العمل المشترك في سبيل بناء السلام؛ وتعزيز التماسك الاجتماعي؛ والتعايش السلمي المبني على أسس التفاهم والحوار، بمشاركة الأفراد والقيادات والمؤسسات الدينية، وصُنَّاع السياسات والعديد من المنظمات الدولية والمحلية الفاعلة في مجال الحوار وبناء السلام.

ويعد المركز العالمي للحوار، بهذا أول منظمة دولية، تعمل على تفعيل دور القيادات الدينية لمساعدة صنَّاع السياسات في بناء السلام وتعزيز التعايش، حيث يسعى لإزالة الفجوة بين القيادات والمؤسسات الدينية وصنَّاع السياسات، خاصة في المنظمات الدولية؛ عبر حلول مستدامة وتحقيق نتائج إيجابية.

ولتحقيق هذا الهدف أقام المركز علاقات تعاون مع العديد من الجهات العامة والمنظمات الدولية؛ وأبرم اتفاقيات تعاون رسمية عدة مع كل من: الاتحاد الأفريقي (AU)؛ المنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة ( ISESCO)؛ منظمة التعاون الإسلامي OIC))؛ برنامج الأمم المتحدة الإنمائي UNDP))؛ منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة UNESCO))؛ مكتب الأمم المتحدة لمنع الإبادة الجماعية ومسئولية الحماية (UNOGPRP)؛ منظمة الأمم المتحدة لتحالف الحضارات (UNAO)؛ منظمة أديان من أجل السلام Religions For Peace))؛ المنظمة العالمية للحركة الكشفية (WOSM) ونهدف من هذه الوصول لـ 40-45 مليون كشّاف حول العالم؛ المعهد العالي للعلوم الدينية في برشلونة؛ كلية كوملوتنس في مدريد؛ وجامعة مونتريال.

برامج متنوِّعة

وما هى أبرز برامج المركز في المنطقة العربية؟

د. فيصل بن معمر
د. فيصل بن معمر

أطلق المركز برامجه في المنطقة العربية من خلال جلسة استشارية حول المواطنة المشتركة في شهر يونيو من عام 2014 بمشاركة 25 منظمة ومبادرة والعديد من الهيئات والمؤسّسات الدينية من العالم العربي، وذلك لمناقشة الآثار المترتبة على التطورات الراهنة في المجتمعات العربية ومدى تأثيرها على النسيج الاجتماعي والعلاقات بين أتباع الأديان والثقافات في المجتمعات العربية، وخصوصاً في موضوع المواطنة المشتركة، وقد تزامنت هذه الورشة مع أحداث مؤلمة في كل من العراق وسوريا، وكان أحد أهم مخرجاتها الدعوة لعقد لقاء للقيادات والمؤسسات الدينية المتنوعة في فيينا لإطلاق مبادرة تقوم على مناهضة العنف باسم الدين.

واستجابة لهذه الدعوة أطلق المركز مبادرة “متَّحدون لمناهضة العنف باسم الدين” والتي أطلقت من خلال مؤتمر تاريخي عُقد في مدينة فيينا نوفمبر 2014. ونتج عن هذا اللقاء مجموعة من التوصيات وخطط العمل النوعية التي تهدف لتحقيق التعايش والتعاضد والتآخي السلمي بين أتباع الأديان والثقافات حول العالم، وقد أعلن المشاركون من خلال “وثيقة فيينا” رفضهم استغلال الدين في الصراعات السياسية وفي خدمة أي نوع من التطرف، وأكدوا على دعمهم الكُلِّي لضرورة تعزيز الحوار وحماية التـنوّع المجتمعي وتبنّي المواطنة المشتركة الحاضنة للتنوّع الديني والثقافي كأساس لتحقيق العدل والسلام.

كما تضمنت “وثيقة فيينا” مجموعة توصيات فاعلة لدعم الحوار الديني وتعزيز التماسك الاجتماعي، ونتج عن هذا المؤتمر اعتماد خطة عمل تحت مظلة المبادرة الرسمية “متحدون لمناهضة العنف باسم الدين”، إذ شملت العديد من المشاريع الفاعلة التي تهدف إلى دعم وتعزيز التعايش السلمي وبناء السلام بين المجتمعات.

وركزت خطة العمل المعتمدة على ثلاثة مجالات رئيسية: الأول: توظيف وسائل التواصل الاجتماعي في دعم الحوار وقبول الآخر، وقد أطلق المركز بالتعاون مع العديد من المؤسسات الدينية في المنطقة العربية برنامجاً تدريبياً إقليمياً لبناء قدرات القيادات الدينية الشابَّة ونشطاء الحوار في استعمال وسائل التواصل الاجتماعي كمساحة للحوار، وتم تدريب أكثر من 400 متدرِّب ومتدرِّبة من خلفيات دينية وثقافية متعددة في العالم العربي، ويتابع المركز في الوقت الحالي بناء قدراتهم لتطوير حملات إعلامية عبر وسائل التواصل الاجتماعي لتعزيز الحوار والتعاون وليكونوا بُناة سلام في مجتمعاتهم.

الثانى: التربية الحاضنة للتنوّع الديني والثقافي، بعد سلسلة من اللقاءات التشاورية أطلق المركز في مايو 2017 شبكة الكُلِّيّات والمعاهد الدينية الإسلامية والمسيحية في العالم العربي، وتعد هذه الشبكة الأولى من نوعها في المنطقة والعالم وتهدف من خلال خطة عملها إلى تأسيس جيل جديد يعتمد الحوار كأداة لتعزيز التعايش السلمي وبناء التماسك الاجتماعي، من خلال تعزيز العمل المشترك بين الكليات والمعاهد الدينية الإسلامية والمسيحية، وتطوير استراتيجيات وأدوات تربوية في مجال الحوار بين أتباع الأديان والثقافات.

كما أطلق المركز في المنطقة العربية برنامجًا تعليميًا وتدريبيًا إقليمياً (برنامج كايسيد للزمالة العربية)، لتضمين لغة الحوار في عمل المؤسّسات التعليمية الدينية المتنوِّعة في الدول العربية؛ وبناء قدرات القيادات الدينية المستقبلية على نشر ثقافة التفاهم المتبادل في مجتمعاتهم؛ وتعزيز قيم التعدّدية ورعاية التربية الحاضنة للتنوع الديني والثقافي ودعم قيم المواطنة المشتركة.

أما المجال الثالث فهو: التماسك الاجتماعي والمصالحة، حيث عمل المركز مع شركائه (برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، المركز الدولي للوساطة) في السنوات الخمس الماضية على تنفيذ عدة برامج في الدول المعنية ضمن خطة المركز (جمهورية إفريقيا الوسطى، نيجيريا، وميانمار) إلى جانب جهود المركز الكثيفة في المنطقة العربية من أجل بناء السلام ومساعدة المجتمعات المحلية على تنمية مهاراتها وتوظيف الحوار كأداة للوصول إلى تفاهم متبادل وتعزيز التماسك الاجتماعي.

لقاء فيينا

وماذا عن مشاريعكم المستقبلية؟

يعمل المركز في الوقت الحالي على تنظيم لقاء دولي في فبراير المقبل، في النمسا، تحت عنوان “متحدون لمناهضة العنف بإسم الدين.. تعزيز التنوّع والمواطنة المشتركة من خلال الحوار”، بهدف مراجعة ودراسة الأعمال المنجَزَة والبرامج الحالية، إضافة لرسم الخطط المستقبلية وبناء شراكات نوعية لمواجهة التحديات المحتملة على المدى المنظور والبعيد.

كما نأمل أن يتم خلال هذا اللقاء الدولي الإطلاق الرسمي لمنصة الحوار، نشطاء الحوار من أفراد وقيادات مؤسسات دينية إسلامية ومسيحية في المنطقة العربية.

التعايش والمواطنة

وما الذى تهدف إليه منصة الحوار الإقليمية للقيادات والمؤسسات الدينية في العالم العربي؟

في ظل هذا الواقع والتحدي الحقيقي الذي تعيشه المنطقة، تظهر أهمية دور القيادات والمؤسسات الدينية في تعزيز العيش المشترك وثقافة المواطنة واحترام التنوع والتعددية، وعليه فإن القيادات الدينية في المنطقة وخصوصاً في البلدان التي يضم نسيجها الاجتماعي العديد من الأديان والثقافات والأعراق مدعوون لإيلاء اهتمام خاص بتعزيز التعايش السلمي وبناء التماسك الاجتماعي.

ومن خلال عملنا في المنطقة وبالتشاور مع العديد من الشركاء أصبح من الواضح الحاجة المُلِحَّة لتأسيس إطار عملي ومنهجي تعمل من خلاله القيادات والمؤسسات الدينية عبر منصَّة مشتركة تسمح لها بتبادل الخبرات وبناء شراكات علمية وتربوية وحياتية تساعدها في مواجهة التحديات التى ذكرتها.

مِظَلَّة دينية

وما المتوقّع تحقيقه من هذه المِنَصَّة؟

يُنتظر من هذه المنصة- كمنصة أساسية ذات خلفية دينية متنوعة- أن تكون المظلة التي يشترك فيها كل من القيادات الدينية ونشطاء الحوار وغيرهم من أصحاب الاختصاص من المنطقة ليُسهموا وبشكل إيجابي في العمل معاً وتطوير برامج تهدف إلى بناء السلام ودعم التعايش السلمي من خلال المشاركة الفاعلة والإيجابية في عمليات الحوار وبناء المصالحة.

وكذا السعى لجعل الحوار طبع وسلوك وأسلوب حياة فى المجتمع، فالحوار هو أرخص وأفضل الوسائل لمواجهة الأمور والسلوكيات الشاذة والمتطرفة.

ونحن كمسلمين لدينا رصيد تاريخى عريق فى مسألة الحوار والتعايش مع الآخر بل يعتبر شعارنا، ويتمثل فى “وثيقة المدينة” التى وقّعها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتُعد من أعظم الوثائق الإنسانية وهى “خريطة طريق” لأى مسلم يريد الاستفادة منها، هذا فضلا عن استقبال النبى لوفد نجران فى مسجده الشريف، وسرد القرآن الكريم لقصّة السيدة مريم العذراء والتى لها قُدسية ومنزلة خاصة عند المسلمين والمسيحيين على السواء، ونفس الشئ بالنسبة للسيد المسيح عليه السلام.

إن المشتركات الإنسانية التى تجمعنا كثيرة وتجعلنا نعيش فى سلام كبشر وننبذ العنف والكراهية.

وأوجّه دعوة لنشطاء وسائل التواصل الاجتماعى لنشر رسائل التعايش الاجتماعى والعيش المشترك وبناء السلام باعتبار أن هذا واجب أخلاقى لأى شخص، ونحن نختار النشطاء المؤثِّرين من الشباب القادرين على إيصال الرسالة لأكبر عدد ممكن من الجمهور، ونتعاون معهم فى هذا المجال، ونأخذ فى هذا بترشيحات المؤسسات الدينية وغيرها.

أنشطة خاصّة

وماذا عن أنشطتك الخاصة، وزيارتك لمصر؟

أقضى معظم وقتى بين الكتب والمكتبات والحوار الوطنى والإنسانى وبين أتباع الأديان، وقد عشت الحوار مع الشيعة فى السعودية ولدينا برامج مشتركة، لكن للأسف الشديد فإن النظام الإيرانى لا يريد الحوار بقدر رغبته فى تأسيس ميليشيات، وتصدير فكره وأيديولوجيته ويستخدم الدين لأغراض سياسية، وهذا ما يجعلنا نفتقد جزءا كبيرا من مكوننا الإسلامى من الشيعة، لكن الغالبية العظمى من شيعة العرب هى حاليا فى مراجعات وبرامج مشتركة بيننا من خلال الشباب  أما النُخَب فهذا موضوع آخر! كما أن هناك جماعات سُنّيّة أيضا تستخدم الدين لأغراض سياسية!

وقد تعلّمت الكثير من مصر والمصريين، خاصة مع تعدد زياراتى لمعرض القاهرة الدولى للكتاب، ليس هذا فحسب بل إننى مَدين بالفضل لأستاذى المصرى “حسن لاله” الذى تعلّمت على يديه فى صباى، ولا أحد يُنكر دور مصر ومكانتها بأزهرها وعلمائها ومثقّفيها، ومن هذا المنطلق أدعو مصر- قيادة وشعبا- إلى تسويق فكرة تجديد الخطاب، وهذا التجديد لا علاقة له بالثوابت الشرعية، وإنما فى الفهم المعاصر للنصوص.

وقد اطّلعت بنفسى على جهود وخبرات شيخ الأزهر فضيلة د. أحمد الطيب- وفضيلة د. شوقى علام- مفتى مصر- وقداسة البابا تواضروس، وغيرهم من القيادات الدينية، وتعرَّفت على ما تضمّه مشيخة الأزهر ودار الإفتاء من خبرات طيبة ومتقدمة فى مجال الحوار، كالمرصد وغيره، فنحن فى العالم العربى رصيدنا وكنوزنا الدينية تحث على السلام والتعايش، فنحن جزء من جهود كبرى، نساهم بما نستطيع من خلال تخصصنا هذا ببرامج وأنشطة بمساهمة أهل الخير الباحثين عن السلام ودعم الاستقرار والأمن الدولى والخير للإنسانية جمعاء، وبرامجنا هذه تخضع للمراقبة والمراجعة الدائمة.

استمرار الحوار

لكن المُتعصِّب بطبعه لا يقبل التحاور، فماذا تفعلون معه؟

نستمر فى الحوار لأنه سبيلنا الوحيد لخلق حياةٍ وغَدٍ أفضل، فكلما اتسعت رُقعة الحوار ضاقت مساحة التعصّب والتطرّف الذى أصفه بـ “الفيروس” الذى يكمن أحيانا وينشط أخرى، وحوارنا يكون فى القضايا الفكرية التى تتم عن طريق التواصل والتعارف، وكذا مساندة الجهود الأمنية التى لها الدور الكبير فى مكافحة الإرهاب والتطرف.

ونحن هنا لا نقف عند حد التنظير والتوصيات بل استراتيجيتنا هى التطبيق على أرض الواقع، وإن كانت مشكلتنا فى المنطقة العربية، والتى تجعلنا نتألم كثيرا، أننا لم نعرف بعضا بالشكل الكافى والصحيح، لذا فالحوار هو وسيلتنا الأساسية للتعارف، وهذا مبدأ إسلامى أصيل يؤكد مسئوليتنا كمسلمين، حيث يقول تعالى: “يا أيها الناس إنّا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم”.

ونستخدم فى حوارنا مع الآخر- وخصوصا المتطرف والمتعصّب- أسلوبا جميلا بالمناصحة، كما فعل مركز المناصحة السعودى، وبفضل هذا الأسلوب أعدنا 80% من شبابنا العائدين من أفغانستان لصوابهم واندماجهم فى المجتمع، وقد استطعنا استنطاق الغالبية الصامتة والتى تمثل الوسطية والاعتدال ولله الحمد، وعلينا تعزيز أدوارها بما يساهم فى مكافحة التطرف.

والمرأة شريك أساس معنا فى هذا الإطار فهى تمثل 50% من المجتمع، وأعتز أنها موجودة فى مجلس أمناء المركز وترأسنى أنا شخصيا سيدتان وأفتخر بهذا، فقدوتنا فى هذا سيّدنا رسول الله- صلى الله عليه وسلم- والسيدة خديجة رضى الله عنها، والمرأة السعودية بشكل عام تغيّرت، فأكثر الفتيات فى التعليم، بل إن ما تشهده السعودية فى عهد خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان وولى عهده الأمير محمد يُشعرك بالتغيير أسبوعيا فى المجتمع السعودى، الذى عليه مواكبة ما يعيشه من تطوّر متلاحق.

اليمين المتطرّف

تفشت فى الغرب ظاهرة اليمين المتطرِّف ضد الآخر، فكيف تواجهونه؟

** فى جميع برامجنا نركز على محاربة التطرف، سواء باسم الدين أو الإيديولوجيا، وما يحدث الآن فى أوروبا من تصاعد اليمين المتطرف يؤثر على الأديان كلها فهو ليس مرتبطا بدين معين، ولكننا نركِّز دوما على الغالبية المعتدلة والإيجابيات وليس السلبيات، والتشبيك والتعاون، وهذا ما يقوم على مكافحة التطرف أيا كان مصدره.

وهنا يجب علينا تحديد المفاهيم وتعريف المصطلحات أولا، فكل منا يُعرِّف التطرّف على كيفه وحسب بيئته، وفى الغرب مثلا هناك فصل بين الدين والدولة لذلك دائما التعريف ينطلق من خلفيات سياسية أكثر من الدينية، فى حين أنه فى منطقتنا نعرف أنه فى كل الأديان لا يوجد أى مكان للقتل والإجرام والتطرف والإرهاب، وربطه باسم أى دين جريمة، فكيف نربط الجرائم الإرهابية بالأديان التى هى براء منها؟! ولا يمكن أن نجيز للمجرمين أن يُصنِّفوا إجرامهم باسم أى دين كان، وواجب المؤسسات الدولية الاتفاق على مفاهيم معينة معروفة بدلا من الاجتهاد الشخصى.

وأشيد هنا بالدور الكبير الذى يقوم به الأزهر الشريف ورابطة العالم الإسلامى فى تصحيح الكثير من المفاهيم، ونحن نعمل معهم من خلال الحوار لتوصيل الصوت الإسلامى المعتدل والصحيح.

فأى مجرم أو إرهابى لا يوجد تحليل دم أو “باسبور” يقول أن دينه كذا، فيجب أن تُسمَّى الأشياء بأسمائها حتى لو ادّعى المجرم انتماءه لدين معين، والغالبية العظمى المعتدلة، سواء فى الشرق أو الغرب، هى المسئولة عن رفض ذلك.

اختيار العناصر

كيف تختارون عناصر ونشطاء وسائل التواصل؟

يتدخل د. فهد أبو النصر- مدير المركز- موضّحا: عقدنا عدة ملتقيات فى مصر وتونس والعراق والأردن ولبنان، وأقمنا تدريبات على شبكات التواصل الاجتماعى، معتمدين على الشريك المحلى فى المجتمع، فى مصر مثلا الأزهر الشريف والكنيسة القبطية، وفى تونس المركز الإنمائى للأمم المتحدة.

حلول واقعية

وماذا عن البرامج والأنشطة والحلول التى قدّمها المركز لقضايا ومشكلات واقعية، أثمرت عن حلها؟

الزميل مصطفى ياسين.. يتوسّط قيادات مركز كايسيد د. فيصل ود. فهد عن اليسار، ود. أبو النمر عن اليمين
الزميل مصطفى ياسين.. يتوسّط قيادات مركز كايسيد د. فيصل ود. فهد عن اليسار، ود. أبو النمر عن اليمين

يلتقط خيط الحديث، د. محمد أبو نمر- كبير المستشارين ومدير البرامج- قائلا: خلال ثلاث سنوات ونصف نجحنا- والحمد لله- فى إقامة عدة برامج فى مناطق صراع مختلفة حيث تم إطلاق منصة للحوار الأولى من نوعها أفريقيا فى نيجيريا، جمعت ما يقارب 100 قيادى مسلم ومسيحى بالتعاون مع الحكومة، وأيضا تم إطلاق منصة حوارية مشابهة فى إفريقيا الوسطى حيث اشترك بها مسلمون ومسيحيون، بروتستانت وكاثوليك، كما قمنا بعدة دورات ولقاءات بين المؤسسات الإسلامية التى توجد لديها مشكلات حول تمثيلهم فى قضايا المفاوضات والسلام، ونجحنا فى تجميعهم تحت مظلة واحدة واليوم يتفاعلون جيدا مع المؤسسات المسيحية بالتنسيق مع الحكومة فى إفريقيا الوسطى، وأيضا فى ميانمار نجحنا فى إطلاق أول منصة حوارية بين مسلمين وبوذيين وإنشاء مؤسسة محلية “مبادرة ميانمار السلمية” وبها ممثلون من 25 مؤسسة محلية أطلقت حملات لتوعية وتشجيع المجتمع وإقرار السلام والتعددية واحترام الآخر والأديان، خاصة مع الروهينجا وغيرهم، وتم هذا خلال سبتمبر الماضى.

ولدينا برامج أخرى لتدريب مدارس دينية بوذية لتوعيتهم وتعريفهم بطبيعة الإسلام وكون المسلمين مواطنين فى هذه الدولة.

وفى العراق وسوريا والمنطقة العربية عامة أطلقنا مبادرة “مناهضة العنف والتطرف باسم الدين” والتدريب على وسائل التواصل الاجتماعى لما يقارب 150 مشتركا- 50 منهم مصريين- بالتعاون مع الأزهر، وهم شباب من مؤسسات دينية، مسلمين ومسيحيين ويزيديين وجميع مكوِّنات العرب، درّبناهم على كيفية استخدام وسائل التواصل من أجل محاربة التطرف وتشجيع التعايش والتعددية والتركيز على أن المواطنة المشتركة هى الرابط الأساسى بين مكوِّنات المجتمع العربى وليست الطائفية أو الهُوية الدينية، وكانت هذه أول مبادرة تجمع بين الحوار ووسائل التواصل الاجتماعى.

والشئ الأساس الذى أُنجز ولأول مرة، إطلاق شبكة مؤسسات التربية الدينية، كُلّيّات اللاهوت والشريعة، 18 كلّيّة بتشجيع من عمدائها، فى عمَّان مايو الماضى، وهى فى توسّع مستمر لانضمام كليات أخرى، وأهميتها تكمن فى كونها أول مرة فى تاريخ الكليات يتم التنسيق والتشبيك بينها لتطوير برامج مشتركة لتعميق وتعزيز مفهوم التربية من أجل الحوار والعيش المشترك، فهناك إشكالية كبيرة فى موضوع التربية الدينية واتهامات غير صحيحة لهذه المؤسسات بعدم استعدادها للتغيّر أو إدخال مثل هذه النوعية من التربية، وقد نجحنا نحن فى تغيير الصورة.

والمنصة التى نحن بصددها الآن مميزة، لأنه لا توجد منذ 1400 سنة فى الإسلام منصَّة مستديمة فى هذه المنطقة بين مسلمين ومسيحيين، فهم يعملون على الخير والعيش المشترك لكن فى الغالب بشكل منفرد وغير منسَّق، ونأمل أن تعطى القيادات والمؤسسات مصداقية للعمل حتى تكون هناك منهجية وجديّة أكبر فى هذا الموضوع.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

handjob-hd.net
إغلاق
التخطي إلى شريط الأدوات