sliderالحوارات

د. على محمد سالم:الإرهاب مرض خبيث ومواجهته أمنيًّا لا تكفى

صاحب رسالة "الإقصاء والاتجاه نحو التطرف" في حواره مع "عقيدتى"

“الإقصاء” يُصيب النفس بالانهيار والتطرَّف.. ويُعيق المشاركة المجتمعية الفعَّالة

حوار: هالة السيد موسى

تصوير: رفعت بشاى

حذَّر د. على محمد سالم، فى رسالته التى حصل بها على درجة الدكتوراه، من خطورة “الإقصاء” بشتى أنواعه لأنه يؤدى إلى إصابة النفس بالانهيار والتطرف، ويُعيق المشاركة المجتمعية الفعَّالة.

وصف الإرهاب بأنه “مرض خبيث” يتطلّب المواجهة الفكرية بالتوازى مع المواجهة الأمنيّة التى لا تكفى وحدها، وفيما يلى نص الحوار الذى أُجرى معه عقبل حصوله على الدكتوراه عن رسالته “الإقصاء والاتجاه نحو التطرف”.

لما اخترت هذا التخصص الدقيق؟

** تخصصي العام هو علم النفس، وتخصصي الدقيق هو علم النفس السياسي، ويأتي اختياري لهذا التخصص المهجور والمهضوم حقه بين باقي فروع علم النفس الأخرى، رغبة في تقديم محتوى معاصر، يُسخِّر نتائج العلم في تناول قضايا العصر بصورة علمية وعملية، الأمر الآخر هو عدم تقبلي لتكرار نفس تلك الموضوعات بالتخصصات والفروع الأخرى لعلم النفس والتي قُتلت بحثًا ودراسة، إضافة إلى محاولة إحياء هذا الفرع الذي هو على قدر كبير من الأهمية، وربما تأتي محاولة البعض الهروب من هذا التخصص خوفًا مما قد تعتريه موضوعاته من قضايا شائكة، لكن يبقى هدفي الأساسي من اختيار هذا الفرع هو الرغبة في التميز والاختلاف وتقديم ما يؤدي بنا في النهاية إلى تناول قضايا العصر بصورة علمية لا تكتفي فقط بتحليلات سياسية وإنما تتناول الأبعاد النفسية للظواهر السياسية المختلفة، ولإظهار أهمية التناول النفسي للقضايا السياسية لمساعدة صانعي ومتخذي القرار في تكوين صورة متكاملة للتعامل معها.

المشاركة السياسية

د. على محمد سالم
د. على محمد سالم

وما هو موضوع دراستك في الماجستير؟

** تناولَت رسالة الماجستير موضوعًا حيويًا في مجال علم النفس السياسي، حول الأبعاد النفسية لاتجاهات الشباب نحو المشاركة السياسية وربطها بعدد من المتغيرات النفسية والديموغرافية كالانتماء للأحزاب والحركات السياسية والنوع (ذكور- إناث)، ومحل الإقامة (ريف- مدينة) ونوع الكلية (عملية- نظرية) وغيرها من المتغيرات، وكانت النتائج غاية في الأهمية والثراء، وقد تم نشرها في كتاب بعنوان “مشاركة الشباب في الحياة السياسية: دراسات في علم النفس السياسي” صادر عن دار الربيع 2017.

وبالنسبة للدكتوراه، لماذا تم اختيار هذا الموضوع؟

** حقيقة الأمر أن اختيار هذا الموضوع جاء استكمالًا لما بدأته في الماجستير، مع اختلاف الظروف والأسباب، إلا أن الدافع الحقيقي لاختيار هذا الموضوع هو ذلك المرض الخبيث الذي بدأ ينتشر في جسد وطننا العربي محاولًا التهام دوله واحدة تلو الأخرى، بداية من العراق إلى سوريا وليبيا ومصر ألا  وهو خطر الإرهاب والتطرف، مع اختلاف صوره ومبرراته من دولة لأخرى، لكن حاولت في هذه الدراسة التركيز على مصر، لأنها استطاعت حتى الآن أن تواجه هذا المرض الخبيث بكل قوة، ومنعته من تحقيق أهدافه، لكننا يجب أن نشارك نحن كمتخصصين أيضًا في محاربة هذا الفكر الضال، كل في مجال تخصصه، ولا نكتفي بالمواجهة الأمنية فقط، فالإرهاب هو فكر قبل أن يكون فعلا، ومحاربة الفكر سابقة على محاربة الفعل، ومن هنا يأتي دورنا.

وتنبع أهمية هذه الدراسة من أهمية الفترة الراهنة التي تمر بها البلاد والتي تسعى فيها الجماعات الإرهابية المتطرفة إلى محاولة إيجاد أية ثغرات تتكئ عليها للوصول لعقول الشباب واستهدافها، وخلق حالة من عدم التماسك والاستقرار المجتمعي.

كما أنها تعد محاولة للفت الانتباه لبعض هذه الثغرات والإشكاليات، وحماية لشبابنا من الانجراف نحو التطرف في المقام الأول، وقطع للطريق أمام هذه الجماعات وحرمانها من تنفيذ أجنداتها الخاصة، فمعالجة الأسباب أهم بكثير من معالجة الآثار والنتائج، الأمر الذي يحفظ أمن بلادنا وسلامة مواطنينا، والتعرف على طبيعة العلاقة بين كل من الشعور بالإقصاء والاتجاه نحو التطرف الديني والسياسي والاجتماعي لدى عينة مهمة من المجتمع المصري، ألا وهي الشباب، فالظروف السياسية التي تمر بها مصر والتي يعد الشباب العنصر الأساسي فيها، تستوجب من الباحثين والمتخصصين في مجال علم النفس أن يكون لهم دور أكثر فاعلية إضافة لمحاولة تفسير البعد النفسي لهذه التغيرات الاجتماعية والسياسية والنفسية في سلوك هؤلاء الشباب، فقيمة كل شخص في مجتمعه تتحدد من خلال مدى إسهامه في تسيير أمور مجتمعه.

كما أن الاهتمام بدراسة ظاهرة الإقصاء يصدر عن توجه إنسانى يعلى من قيمة الفرد، ويجاهد لكى لا يقع هذا الفرد ضحية لتغير المجتمع الذى يعيش فيه، ونظرًا لأن الشباب هم مستقبل الأمة وحاضرها القوي وهم خط الدفاع الأول في أي مجتمع، والأكثر استهدافًا للهجمات الفكرية التي تمس المكونات الأخلاقية والاجتماعية و السياسية، ويحيط بهم عالم معاصر متغير ومتطور بصورة مذهلة، لعله من الصعب إدارك هذا التغيير وهذا التطور السريع، ولهذا فقد ينتاب البعض منهم مشاعر القلق والتوتر أثناء بحثهم عن دور محدد في مجتمعهم وهدف لحياتهم، وهذا التغيير السريع هو واحد من أهم القوى الاجتماعية المؤثرة في الشباب ولكنه أقلها فهمًا واستيعابًا لديهم، الأمر الذي قد يؤثر على اتجاهاتهم في الحياة وبالتالي على شخصيتهم.

وما المقصود بالإقصاء؟ وما هي أنواعه؟ ومتى برز هذا المفهوم على السطح؟

** المقصود بالإقصاء من وجهة نظر بعض المتخصصين أنه عملية تتضمن المنع الكُلي أو الجزئي لمشاركة الفرد في الأنظمة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والثقافية والتي تحدد شكل تكامله واندماجه مع مجتمعه، في حين ينظر إليه البعض باعتباره حالة أو عملية تهميش يتعرض لها الأفراد، وهو بمثابة عملية هيكلية تحدث في المجتمعات نتيجة خلل في مؤسساتها، مما يؤدي إلى انهيار التماسك الاجتماعي وتفكك العلاقات الاجتماعية.

ويمكنني تعريفه باعتباره استجابة انفعالية تتضمن شعور الفرد بالتهميش، نتيجة لعدم حصوله على القدر المعقول من الخدمات التي تحقق له الإشباع على المستوى النفسي والاجتماعي والسياسي والاقتصادي والصحي والتعليمي والثقافي.

مما سبق، يمكن القول إنه قد تعدّدت وتباينت التعريفات العلمية لمفهوم الإقصاء، ولكنها اتفقت في مجملها على أنه يقصد به خروج المواطن من المنظومة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، بحيث لا يشكل أحد المكونات الرئيسة في المجتمع سياسيًا، واقتصاديًا، واجتماعيا، وثقافيًا، الأمر الذي يراكم اللامساواة الاجتماعية، ويدفع المجتمع إلى العزلة والضعف.

لكن يمكنني القول بكل صراحة أن قضية الإقصاء ليست في جميع الأحيان خارجة عن سيطرة وإرادة الفرد أو الجماعة، لأنه مفهوم يتضمن أبعادًا وأشكالًا متنوعة، فربما يفضل بعض الأفراد أو الجماعات عدم الانخراط في أنشطة المجتمع المختلفة، فهناك من يؤْثِر البطالة على العمل في وظيفة لا تُرضي طموحه، وآخر يقاطع الحياة السياسية لأنه يمتلك وجهة نظر مغايرة لما هو قائم، وثالث يرى أن مستوى الأنشطة والخدمات المتاحة لعامة الأفراد في المجتمع لا تناسبه، وبالتالي يستبعد نفسه من المشاركة فيها، مفضلًا مستوى أعلى من تلك الخدمات تناسب الطبقة الاجتماعية التي ينتمي إليها، وهكذا، ومن ثم فإنه يمكن القول بأن الإقصاء ليس ناتجًا عن ظروف خارجة عن إرادة الفرد في جميع الأحيان، فربما هو من يصنع تلك الظروف.

الإقصاء أنواع

أما أنواعه: فتتنوع مظاهر الإقصاء بتنوع مصادره ومجالاته فهناك مثلًا الإقصاء الاقتصادي: Economical Exclusion والذي يترتب عليه فصل بعض الأفراد أو الجماعات عن البنية الاقتصادية العامة للمجتمع، حيث تعاني هذه الفئات من الحرمان المادي بدرجات عالية، وتتناقص احتمالاتهم في الحصول على فرص عمل، بالإضافة إلى صعوبات على مستوى المسكن والدخل، غير أنه على الرغم من أن أغلب الدراسات تشير إلى أن الفقر والحرمان من الأسباب الرئيسة المرتبطة بالإقصاء لأنهما يعوقان الفرد عن المشاركة الفعالة في الأنشطة المجتمعية والمؤسسات العامة، إلا أنه يمكن اعتبار العكس صحيحًا أيضًا، فالغني والرفاه قد يؤدي إلى النتيجة ذاتها، فالأغنياء بوسعهم عزل أنفسهم عن باقي أفراد المجتمع اذا سنحت لهم الفرصة لتوفير كافة احتياجاتهم بعيدًا عن باقي شرائح المجتمع، عبر الاختفاء- بعيدًا عن باقي الشرائح الأقل اجتماعيا- وراء أسوار المدن المخصصة لهم، بيد أن الاختلاف هو في طريقة الإقصاء ذاتها، ففي الحالة الأولى إجباري أما الثانية فاختياري.

الإقصاء الاجتماعى

وهناك الإقصاء الاجتماعي: Social Exclusion ويرتبط هذا النوع من الإقصاء بنطاق الحياة الاجتماعية واليومية للأفراد والجماعات، ويتعلق بوضع الفرد في المجتمع، فقد يحرم من فرص الوصول إلى كثير من المرافق الاجتماعية والمشاركة فيها مثل المراكز الثقافية والفنية والترويحية، الأمر الذي يؤدي إلى تمزق النسيج الاجتماعي. كما يقصد به أيضًا حرمان الأفراد من حقوق المواطنة المتساوية على كل المستويات: كالمشاركة في الإنتاج والاستهلاك، والعمل السياسي، والمشاركة في الحكم والإدارة والتفاعل الاجتماعي.

ظاهرة عالمية

متى برز هذا المفهوم على السطح؟

** الإقصاء ظاهرة مستمرة، برزت في الماضي ولازالت تحدث في الحاضر، وسيستمر حدوثها في المستقبل، اذا لم يتم التصدي لها؛ تؤثر في حياة الملايين من البشر- حول العالم- الذين يكافحون من أجل البقاء على قيد الحياة في ظل ظروف اجتماعية واقتصادية بالغة الصعوبة، الأمر الذي لا يمكن معه غض الطرف عن هذه الظاهرة التي أصبحت بمثابة مقبرة لهؤلاء الأشخاص الذين يتم إقصاؤهم.

فقد عانت المجتمعات البشرية عديدًا من التمايزات الطبقية والثقافية، فنشأت جراء ذلك عديد من المصطلحات والمفاهيم لتأطير بعض مظاهر التمايز، كمصطلحات: التمييز العنصري، والحقد الطبقي، والطبقات المعدومة، ومساواة المرأة، وغير ذلك، فالسود- على سبيل المثال- مبعدون عن عالم البيض، والأقليات الدينية والعرقية مبعدة عن الأغلبية الاجتماعية، والفقراء مطرودون من جنّة الأغنياء، وطبقات القاع مقصيّة ومهمّشة عن عالم الرفاه الأرستقراطي، والمرأة مغضوب عليها في المجتمعات الذكورية. وهكذا يتم تكريس الفوارق الطبقية والعزلة في خضم تآكل الطبقات الوسطى التي يمكن أن تشكل عامل تقريب بين طبقات المجتمع.

أخطر المشكلات

و ما هو تأثير الإقصاء على الشباب في مصر والدول العربية؟

** تعد إشكالية إقصاء الشباب وعزوفهم عن المشاركة في مجالات الحياة المختلفة، من أخطر المشكلات التي تعرقل تحقيق التنمية البشرية في المجتمع، نظرًا لما يترتب عليها من مخاطر، لأنها تساهم في تضاؤل الحس الوطني وربما قلة الانتماء والولاء للوطن لدى الشباب، مما يسهل عملية استقطابهم من التيارات المتطرفة، أو تبنيه لأيدلوجيات مناهضة ومناقضة لثقافته، أو السقوط في مستنقع الممارسات التي تحطمه على المستوى الشخصي كالإدمان، ناهيك عن حدوث قطيعة بين الأجيال، وفقدان التواصل على المستوى الفكري، الأمر الذي يؤدي إلى خلق فجوة فكرية قد يترتب عليها صراع بين الأجيال، وسعي من هؤلاء الشباب لإثبات ذاتهم عبر طرق ربما قد تتجاوز قدرتنا على التحكم فيها، أو تكون تكلفة مواجهتها باهظة الثمن كالتطرف والارهاب.

علاقة وثيقة

وماهي العلاقة بين الإقصاء والاتجاه نحو التطرف بأنواعه سياسيا واجتماعيا ودينيًا؟

** هناك علاقة بين الإقصاء الاجتماعي والسلوك المضاد للمجتمع والعدوانية والاستجابة العنيفة بشكل عام، وهذا ما توصلت إليه دراسة نفسية حول أثر الإقصاء الاجتماعي في السلوك العدواني، حيث تبين أن الأشخاص الذين تم إقصائهم كانوا أكثر عدوانية، وأقل استعدادًا للتعاون مع الآخرين، كما أنهم كانوا أكثر ميلًا للانخراط في السلوكيات الخطرة. كما أشارت نتائج دراسة أخرى إلى أن الأطفال الذين يرفضون من قبل أقرانهم، أكثر عرضة للانخراط في سلوكيات عدائية ومضادة للمجتمع من أولئك الذين يلقون قبولًا لدى أقرانهم. وحادثة إطلاق النار من قبل شاب بمدرسة ثانوية على أقرانه في ولاية فلوريدا الأمريكية ليست منا ببعيد، فهي مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بالشعور بالإقصاء والتهميش له من قبل زملائه.

وما يزيد من خطورة هذه الظاهرة، أن نسبة كبيرة ممن يتورطون فيها من الشباب الذين يعدون ثروة المجتمع وأمله، وإن كان- في بعض الأحيان- يتسم سلوكهم بالتسرع وعدم التروي والخبرة، والمعروف أن الأمراض الاجتماعية ومنها التطرف، مثل الأمراض الجسمية، يصيب المرض فيها السليم عن طريق انتقال العدوى، والشباب أكثر فئات المجتمع تعرضًا للتقليد والمحاكاة.

فالعوامل السياسية والاقتصادية والتغيرات الاجتماعية تؤدي دورًا محوريًا في تنمية الشعور بالإقصاء خاصة لدى فئة الشباب، لأنهم الفئة الأكثر طموحًا وتطلعًا نحو التغيير والمشاركة في المجتمع، ومن ثم فإن عمليه تهميش دورهم ربما ينعكس سلبًا عليهم، مؤديًا لنتائج ربما تكون كارثية، سواء عن طريق استقطابهم سياسيًا من تيارات لها أجندتها الخاصة، أو عبر تجنيدهم من قبل جماعات إرهابية متطرفة، وكلها أمور وقضايا تهدد الأمن والسلم الاجتماعي، وتضر بمصالح الوطن.

لذلك فإنه على القائمين على إدارة الدولة تبنّي فكرة دمج الشباب واحتوائهم، وهو الأمر الذي يتم تنفيذه- رغم أنه في حاجة إلى مزيد من التوسع وضم طبقات وشرائح مختلفة- عبر مؤتمرات الشباب المختلفة التي تقيمها الدولة ويتبنَّاها رئيس الجمهورية، في محاولة لتكوين قاعدة قيادية شبابية، إضافة إلى حمايتهم من الاستقطاب من خلال تيارات وجماعات مختلفة.

إلا أنه يجب أن نكون صادقين مع أنفسنا والاعتراف بأن الأمر ربما يحتاج إلى مزيد من الجهود حتى يؤتي ثماره، مستندًا إلى خلق شعور حقيقي لدى هؤلاء الشباب بأن لهم دورًا محوريًا مؤثرًا في الحياة السياسية والاجتماعية ورسم السياسات، الأمر الذي ربما يسهل عملية الدمج والقضاء على فكرة الإقصاء والتهميش التي يشعر بها البعض، قاطعين بذلك الطريق أما اتجاه هؤلاء الشباب نحو تبني وجهات نظر متطرفة قد ترقي إلى سلوكيات متطرفة، وصولًا إلى الانتماء لجماعات إرهابية تضر بمصالح البلاد.

لكن على أي حال، فإن تبني الشخص الذي يشعر بالإقصاء والتهميش لاتجاهات متطرفة معينة، تحدده الظروف التي يمر بها هذا الشخص، حيث أن الوضع الاجتماعي والتربية الأسرية يؤديان دورًا كبيرًا في تكوين الشخصية الهامشية، وبناء عليه تتحدد طبيعة اتجاهاته المتطرفة، فالبعض يتجه نحو التطرف دينيًا ربما لنشأته الدينية أو تأثره بشخصية دينيه متطرفة، أو تبنيه لتفسيرات خاطئة لصحيح الدين، أو انضمامه لجماعة دينية متطرفة.

في حين يتطرف شخص آخر اجتماعيًا نظرًا لنشأته المتحررة بدرجة كبيرة ومن ثم قد يتبنى أفكارًا هدَّامة، دون مراعاة أو احترام للهوية أو لثقافة المجتمع كقضايا المثليين مثلًا، أو التمرد على عادات المجتمع الصحيحة الراسخة وتقاليده التي تعد جزءًا أصيلًا من هويته، وقد يتطرف الشخص الذي يشعر بالإقصاء سياسيًا عبر استقطابه من جماعات سياسية تستخدمه لتحقيق مكاسب عبر المتاجرة بشعوره بالتهميش والإقصاء.

كما أن شعور الفرد بالقهر أو الغُبن أو الظلم، أو تعرضه للعنف أو العدوان سواء كان مصدره فردا أو جماعة أو مؤسسة تمثل سلطة عليا في المجتمع الذي يعيش فيه ولا يستطيع مقاومته، ربما ذلك يكون مصدرًا قويًا لاتجاه هذا الفرد نحو التطرف.

إن اتجاه الشخص نحو التطرف يرتبط بعوامل كثيرة ومتنوعة لا يمكن حصرها أو تعميمها لأنها تختلف من مكان لآخر ومن مرحلة زمنية لأخرى وكذلك من شخص لآخر، وفقًا لطبيعة الظروف والملابسات التي تشكلت فيها هذه الاتجاهات، ولعل الشعور بالتهميش والإقصاء أحد هذه العوامل، لكنه يجب الإشارة إلى أنه ليس كل من لديه شعور بالتهميش و الإقصاء بالضرورة سيتبنى اتجاهات متطرفة، لأن ذلك يتوقف على طبيعة الاستعداد الداخلي، وكذلك الظروف المحيطة التي تعمل على تنشيط هذا الاستعداد.

لذا فإن الدولة يقع على عاتقها الحمل الأكبر في تبني سياسات الحماية الاجتماعية (تعليم، تثقيف، ترفيه، توظيف، خدمات صحية… إلخ) خاصة لأولئك المهمَّشين والذين يعانون ظروفًا اقتصادية متردية، حماية لهم من العوز والفقر في المقام الأول، ومن استغلالهم من قبل أي اتجاهات أو جماعات تتبنى سياسات وأجندات خاصة تتعارض مع توجهات النظام السياسي، وتعرض الأمن القومي للخطر.

الذكور أم الإناث؟

د. على محمد سالم
د. على محمد سالم

وهل يختلف الذكور عن الإناث في الشعور بالإقصاء؟

** يمكننا القول أن طبيعة الدور الاجتماعي المفروض على الذكور في ظل تغيرات وظروف سياسية واقتصادية واجتماعية غير مستقرة، قد تجعل من الصعب عليهم القيام بمهام هذا الدور ومتطلباته من خلال توفير حياة كريمة وتكوين أسرة والوفاء بمتطلبات اقتصادية اجتماعية، ناهيك عن آراء ووجهات نظر تتعلق ربما بقضايا سياسية قد لا تتاح لهم الفرصة للتعبير عنها بالشكل الذي يرضي طموحاتهم، ربما يكون الأمر مختلفًا- إلى حد ما- لكنه ليس بدرجة كبيرة بالنسبة للإناث، فطبيعة الدور الاجتماعي وتركبية الشخصية التي تحكمها العاطفة، يجعل منهن كائنًا عاطفيًا إلى حد كبير تحكمه المشاعر، غير أن نتائج الدراسة الراهنة لم تسفر عن فروق بينهما في الشعور بالإقصاء.

علاقة وثيقة

هل هناك علاقة بين شعور الفرد بالإقصاء والانتحار؟

** إن شعور الفرد بأنه مهمَّش ولا يلقى الاهتمام ممن هم حوله في المجتمع سواء على مستوى الأفراد أو الجماعات أو المؤسسات (نفسيًا، اقتصاديًا، جتماعيًا، سياسيًا، ثقافيًا)، قد يترتب عليه في كثير من الأحيان تأثيرات سلبية، قد تتعدى مستوى الفرد لتطال المجتمع وربما تطال مجتمعات أخرى، لأن الشعور بالتهميش والإقصاء قد يدفع الفرد للشعور بحالة من الإحباط الشديد الذي يمثل- من وجهة نظري- حالة من العدوان الموجَّه، والذي قد يتخذ شكل عدوان داخلي موجَّه نحو الذات فيترتب عليه لجوء الفرد إلى الإدمان أو الانتحار، أو عدوان خارجي موجَّه نحو من يعتقد الشخص أنهم سبب في تهميشه وإقصائه، ومن ثَمَّ يصب عليهم جام غضبه، وربما لا هذا ولا ذاك وفي هذه الحالة يكون الشخص منسحبًا من المشاركة في أي أنشطة.

وقد كشفت عديد من الدراسات النفسية والاجتماعية عن ردود الفعل المترتبة على عملية الإقصاء من خلال مقاييس التوافق الاجتماعي والهناء النفسي ومقاييس التقرير الذاتي، وأظهرت النتائج أن الأشخاص الذين تم إقصاؤهم يعانون من مشاعر سلبية تتمثل في الشعور بالحزن والغضب وخيبة الأمل والعار، مع شعور متزايد بالقلق والإحباط واللامبالاه الأمر الذي قد يؤدي إلى نتائج سلبية من بينها الانتحار.

الإحباط والعدوان

ما هي العلاقة بين شعور الفرد بالإحباط والعدوان؟

** إن العلاقة بين الإحباط والعدوان ليست بسيطة أو مباشرة كما يتوقع البعض؛ وذلك لأن بعض الأفراد أحيانًا ما يشعرون بالإحباط لكنهم لا يقومون بالعدوان، بل بالانسحاب من الموقف المثير للإحباط والبحث عن بدائل أخرى لمواجهته أو تجاوزه، وكذلك فإن بعض الذين يقومون بأفعال عدوانية لا يكون واضحًا وجود سبب معين يتعلق بالإحباط لديهم، وأدى بهم إلى  الانغماس في مثل تلك الأفعال غير الإيجابية، هكذا قد يؤدي الإحباط إلى الانسحاب أو الاكتئاب أو الهروب أو توجيه العدوان نحو الذات وليس نحو الآخرين، كذلك قد يحفز الإحباط عملية البحث عن وسائل بديلة، يحقق من خلالها المرء أهدافه، وقد لا يكون العدوان من بينها.

بيد أن خطورة هذا العدوان الخارجي الناتج عن الإحباط نظرًا لشعور الفرد بالإقصاء، تكون مصدرًا للقلق عند وجود الداعم أو التنطيم الفكري الخارج عن حد الاعتدال، الذي يستغل هذه الحالة لاستخدام هؤلاء الشباب كقنابل موقوتة لاستهداف استقرار المجتمع وتماسكه.

ما هو تفسيرك لانتماء شباب الجامعات لداعش؟

يعيش أغلب شبابنا في الفترة الراهنة حالة من الضبابية وانعدام المعنى، وضيق الأفق، فالخيارات المتاحة أمامهم نحو مستقبل باهر تكاد تكون ضئيلة ومحفوفة بكثير من المصاعب والمخاطر، سواء اقتصاديًا أو اجتماعيًا أو تعليميًا، ومن هنا تنشأ فكرة الشعور بالحرمان، ويوضح “روبرت دوس وجون هيوز” في كتابهما “علم الاجتماع السياسي” فكرة الحرمان النسبي مشيرين إلى أن الناس يضفون قيمة على كثير من الأشياء في الحياة الاجتماعية مثل الثروة، والمكانة، والقوة، والأمن، والمساواة، والحرية، وعندما لا يتمكنون من تحقيق تلك القيم أو قيمة واحدة يتطلعون إليها؛ فإن حالة من عدم الرضا والغضب والعداء تتشكل. وهذا الموقف يعرف ب “الحرمان النسبي” ويشير إلى “التوتر الذي ينشأ من التضارب بين ماينبغي أن يكون فعليًا فيما يتعلق بإشباع القيم الجمعية، وما هو كائن بالفعل.

بيد أنه لكي نستطيع فهم أبعاد ظاهرة تطرف الشباب ينبغي أن نهتم بتحليل حاجاتهم النفسية، فالإحباط الذي يسيطر على الشباب المتطرف يُعد نتاجًا لعدم إشباع تلك الحاجات وكما يقول “إيريك فروم” إن فهم نفس الإنسان لابد أن يُبنى على تحليل حاجاته النابعة من ظروف وجوده. كما أن ظاهرة التطرف في مجتمع ما تعد مؤشرًا على وجود توترات داخل المجتمع فالشخص المتطرف يتسم باستجابات متطرفة فهو إما أن يقبل الشيء قبولا مطلقًا، أو أن يرفضه رفضًا مطلقًا بغض النظر عن محتوى الشئ أو معقوليته.

إن الإقصاء يظهر ذاته بشكل مستمر عن طريق حرمان الأفراد وعجزهم عن الاقتراب من الوسائل التي تعود عليهم بالمنافع مقارنة بآخرين لديهم فائض من الوسائل والمنافع. لذلك فإنهم يسعون دائمًا لتحقيق جزء مهمٍ من الشعور بمعنى الذات لديهم، من خلال عضويتهم في مجموعات أو جماعات اجتماعية تؤمن لهم ذلك، فعندما تمنح هذه الجماعات الفرصة للأعضاء للشعور بذواتهم، فإن هذا يدفعهم إلى التمسك بقيم الجماعة ويحفزهم للشعور بالتميز عن باقي الجماعات أو المجموعات الاجتماعية الأخرى. ناهيك عن تطور أساليب استقطاب الشباب وتنوعها للانضمام في جماعات متطرفة عبر استخدام وسائل التواصل الاجتماعي المختلفة.

نتائج الدراسة

ما هي أبرز النتائج التي توصلت لها الدراسة؟

** أسفرت الدراسة عن عدد كبير من النتائج التي لا يتسع المقام لذكرها لكن اذا ما استعرضنا أهم ما توصلت إليه الدراسة من نتائج نجد أن الفرض الأساسي لهذه الدراسة قد تحقق حيث أسفرت النتائج عن وجود علاقة بين الشعور بالإقصاء والاتجاه نحو التطرف بأبعاده الثلاثة (دينيًا وسياسيًا واجتماعيًا)، في حين لم تسفر النتائج عن وجود أي فروق بين الذكور والإناث في الشعور بالإقصاء.

وعلى الرغم من أن الذكور كانوا أكثر اتجاهًا نحو التطرف من الإناث وخاصة الاتجاه نحو التطرف الديني، إلا أن النتائج أسفرت عن عدم وجود فروق بينهما في الاتجاه نحو التطرف الاجتماعي والسياسي، في حين أشارت النتائج أيضًا إلى أن ذوي التخصصات العملية (طب، هندسة، صيدلة، علوم) كانوا أكثر اتجاها نحو التطرف من أقرانهم ذوي التخصصات النظرية (آداب، حقوق، خدمة اجتماعية، تجارة)، بيد أن أفراد العينة ذوي التخصصات النظرية كانوا أكثر شعورًا بالتهميش والإقصاء من ذوي الكليات العملية.

كذلك من بين النتائج التي أسفرت عنها الدراسة عدم وجود فروق بين المقيمين في الريف والمقيمين في المدينة في الاتجاه نحو التطرف وأبعاده المختلفة محل الدراسة، على الرغم من أن المقيمين بالريف كانوا أكثر شعورًا بالإقصاء والتهميش، كما أظهرت النتائج أيضًا عدم وجود فروق بين المنتمين سياسيًا للحركات والأحزاب وغير المنتمين في المتغيرات محل الدراسة.

توصيات مُهمَّة

ماذا عن أهم التوصيات التي خرجت بها هذه الدراسة؟

** أبرز ما أسفرت عنه الدراسة من توصيات يمكنني اجمالها في النقاط التالية: العمل على توفير سبل الحياة الكريمة للشباب صحيًا وتعليميًا وثقافيًا واقتصاديًا واجتماعيًا، إفساح المجال السياسي أمام الشباب للتعبير عن رأيهم وتشجيعهم على المشاركة السياسية البناءة والقويمة، محاولة استقطاب الشباب في التيارات المختلفة وخاصة المعرضة للتطرف أو المتطرفة وإعادة دمجهم في صفوف المجتمع، العمل على نشر الثقافة والفكر المعتدل المستنير ليكون حائط صد أمام ذوي الاتجاهات المتطرفة، الرقابة على الإعلام ووضع ميثاق أخلاقي ومهني يضمن الحيادية وعدم شيطنة الآخر، تشجيع الشباب على الانضمام للأحزاب السياسية، الاهتمام بالقرى الفقيرة والطبقات المهمشة والمعدومة، زرع القيم النبيلة والإرشاد الديني السليم المرتكز على التسامح، تفعيل دور مؤسسات التنشئة المختلفة كالمسجد والجامعة والمدرسة ووسائل الإعلام، محاربة الفكر بفكر مقابل وعدم الاعتماد على الحلول الأمنية فقط، العمل على تعديل اللوائح الخاصة بالمواد التي يتم تدريسها بالكليات العملية بما يضمن إدخال مواد نقدية وتحليلية كالفلسفة والمنطق، تفعيل دور مراكز الشباب في إقامة الأنشطة المختلفة التي تضمن الاستفادة من طاقات الشباب وتفريغ رغباتهم بصورة سوية، توعية الشباب بالأفكار المنحرفة وتحصينهم ضدها، تطوير الخطاب الدعوي الرسمي من خلال تناوله لإشكاليات الواقع وقضايا العصر بوسطية واعتدال وعدم تجاهل الحديث عنها، تثقيف الطلاب على قبول الآخر والتفاعل الإيجابي معه والبعد عن التشدد، تشكيل لجان علمية لرصد ظاهرة التطرف والإرهاب ووضع حلول عملية لكيفية مواجهتها.

 

مقالات ذات صلة

1 thought on “د. على محمد سالم:الإرهاب مرض خبيث ومواجهته أمنيًّا لا تكفى”

  1. حوار متميز عرض لرؤية الباحث بطريقة رائعة والحقيقة أن الكاتبة نجحت فى تبسيط الأمر بشدة حتى إننى لأول مرة أقرأ حوار من بدايته لنهايته بتلك السرعة الهائلة وفق الله الباحث وجزا الكاتبة العظيمة خيرا عن مجهودها املتواصل فى خدمة الدعوة الإسلامية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

handjob-hd.net
إغلاق
التخطي إلى شريط الأدوات