sliderالحوارات

د. رباب عنتر: لا يجب عقاب المرأة جنائيا مثل الرجل

عقيدتى تحاور أول سيدة ترأس قسم الشريعة والقانون بجامعة الأزهر

 شهادة المرأة نصف الرجل تكريم لها وتخفيف عنها

75% من الجرائم النسائية وقعت فى ظروف غير طبيعية!

حوار- مروة غانم

أول سيدة تتولى رئاسة قسم الشريعة والقانون بجامعة الأزهر، وأول عضو هيئة تدريس بالقسم، وصاحبة أول بحث فى القانون الجنائى فى الشرق الأوسط يتحدث عن الظروف الفسيولوجية للمرأة وعلاقته بارتكابها الجريمة والتى أكدت فيه أنه لا يجب عقاب المرأة مثل الرجل نظرا لظروف المرأة النفسية والفسيولوجية التى تختلف عن الرجل شكلا وموضوعا، لذا من الظلم أن تُعاقَب مثله فى الجرائم المختلفة، إنها د. رباب عنتر- رئيس قسم الشريعة والقانون بجامعة الأزهر- التى التقيناها داخل مكتبها بفرع البنات بجامعة الأزهر لنتحاور معها حول هذا البحث المهم، وظروف التحاقها بقسم الشريعة والقانون بعد ما كان مقتصرا على الرجال فقط.

بداية نود التعرف منك على الظروف التى دفعتك للالتحاق بقسم الشريعة والقانون بجامعة الأزهر، علما بأنك لستِ من خريجات الأزهر؟

** لما تم إنشاء شعبة الشريعة والقانون للبنات بجامعة الأزهر، على غرار كلية الشريعة والقانون الخاصة بالبنين, قامت الجامعة بعمل إعلان على مستوى الجمهورية تطلب فيه مدرسين مساعدين للتعيين بالقسم وبالفعل تقدمت، ويشاء القدر أن تم اختيارى من بين عشرات المتقدمات من مختلف الكليات والجامعات، ليس لكونى الأفضل لكن لأن كل الشروط المطلوبة كانت تنطبق علىّ، وكان التعيين مشروطا بدراسة سنة تأهيلية لأننى لست من خريجات الأزهر، واستطعت بفضل الله اجتياز السنة التأهيلية وحصلت على المركز الأول، وبدأت رحلة الدراسة بالأزهر الشريف وكم كانت ممتعة ومفيدة.

جريمة عشوائية

أعرف أن رسالة الدكتوراة الخاصة بك تتحدث عن ضحايا الإرهاب وتعويض الدولة لهم، فهل يمكن إلقاء الضوء عليها؟

** بالفعل موضوع رسالة الدكتوراة تعويض المجنى عليهم عن الجرائم الناشئة عن الإرهاب، وذلك بسبب تفاعلى مع أحداث الإرهاب الفظيعة التى كانت منتشرة فى التسعينيات وذقنا معها أشد ألوان العذاب، فعزمت على أن أتحدث فى رسالتى عن هذا الموضوع المهم، كما أننى تعاطفت مع ضحايا الأعمال الإرهابية الذين لا ذنب لهم ولا جريرة سوى أن الصدفة أوجدتهم فى مسرح الجريمة, وذلك عكس الجرائم الأخرى فغالبا المجنى عليهم يكون لهم دور فى الجريمة أيا كان هذا الدور سواء ثأر أو قصاص أو حتى إهمال، فهناك دراسات تجرى على دور المجنى عليهم فى الجريمة ,أما فى جرائم الإرهاب فالموضوع مختلف تماما لأن الإرهاب جريمة عشوائية الانتقاء يتم تنفيذها على مجموعات غير محددة والقصد الجنائى فيها غير محدد أيضا, فلا شك أن للإرهابى هدفا لكن أيا كان هذا الهدف وأيا كانت المجموعة التى يريد تنفيذ هدفه فيها فهذا لا يعنيه ولا يقوم بتحديدهم، لذا اهتممت بتعويض هؤلاء الضحايا من حيث آلية التعويض، ومن القائم عليه، خاصة أن فى هذا النوع من القضايا لا يُعرف المدعى عليه, لكن وجودى فى الأزهر الشريف أفادنى بشكل كبير وغيَّر منحى رسالتى، وأضفت الجزء الشرعى للرسالة الذى يتحدث عن التعويض فى الشريعة الإسلامية ونظام “العاقلة” كما يطلق عليه، والذى يعنى تكفّل الأسرة الكبيرة- أى الدولة- بتعويض هؤلاء الضحايا، وقمت فى هذا الإطار بعمل مقارنة بين الشريعة الإسلامية والتشريع الفرنسى، ووجدت أن الشريعة الإسلامية سبقت ذلك التشريع الوضعى بآلاف السنين، وكان لها الدور الأعظم، ونجحت فى أن أضيف للرسالة البعد الشرعى وهذا كان سر تميزها، لذا حازت على قبول منقطع النظير من القائمين على جامعة المنصورة، وكان السبب فى حصولى على أعلى تقدير وهو جيد جدا مع مرتبة الشرف كما كنت السبب فى رفع القائمين على جامعة المنصورة للتقدير لإمتياز مع مرتبة الشرف لأنهم وجدوا ان هناك رسائل متميزة مثل رسالتى تستحق أعلى من تقدير جيد جدا.

جبران خاطر

طبقا لهذه الرسالة ومع عودة الإرهاب الأسود مرة ثانية، ما هو تقييمك للتعويض الذى يُمنح لضحايا الجرائم الإرهابية؟

** حقيقة، هذا ليس تعويضا لأن تحديد التعويض يتطلب تقييم الأضرار التى لحقت بالشخص المراد تعويضه، وهو ما يعنى فى الشريعة الإسلامية “الديّة” التى شُرعت لإرضاء نفسية وشعور المتضرر أو ذويه لكن ما يصرف لضحايا الارهاب لا علاقة له بما جاءت به الشريعة الاسلامية، لذا يمكن أن أقول أنه “جبران خاطر” وليس تعويضا.

المرأة والقانون الجنائى

هل تحدثينا عن البحث الذى قمتى بعمله والذى يعد أول بحث فى الشرق الأوسط تقوم به امرأة فى القانون الجنائى؟

** بعد حصولى على درجة الدكتوراة بدأت أركز بشكل كبير فى البحث العلمى وقمت بعمل بحث يعد الأول فى الشرق الأوسط فى القانون الجنائى، كان الهدف من ورائه خدمة المرأة من خلال تخصصى الدقيق، فكان عنوانه “الظروف الفسيولوجية للمرأة وأثرها على الجريمة والعنف” ولاحظت لكونى امرأة أن المرأة فى أوقات معينة تكون حادة ومتوترة وقد ارتبط هذا السلوك بفترة ما قبل الحيض وما بعد الولادة، فبدأت أبحث فى الهرمونات وتأثيرها على الحالة المزاجية والنفسية والعصبية للمرأة فى هذا التوقيت وانعكاس ذلك على رد فعلها, وأول ما لفت نظرى هو أن هذا يسبب ظلما كبيرا للمرأة، لأن الرجل والمرأة غير متساويين من الناحية الفسيولوجية، ورغم ذلك يتم معاملتهما معاملة جنائية واحدة، ومن ثم يكون العقاب واحدا، وببحثى فى القانون الجنائى فيما يتعلق بهذا الأمر لم أجد سوى أربعة أسطر فقط فى مادة علم الإجرام والعقاب ,هذه المادة تبحث فى الظاهرة الإجرامية، تحديدا إجرام المرأة والرجل، والتى تقول “أن المرأة تختلف عن الرجل فى الإجرام لأن المرأة فى ظروف حياتها المختلفة تكون أكثر استثارة وإقبالا على السلوك الاجرامى من الرجل، نظرا للظروف الهرمونية التى تمر بها” فقمت بأخذ هذه المادة وبدأت أقسِّم الظروف لقسمين: فترة ما قبل الدورة الشهرية، وما بعد الولاة. ولعدم وجود دراسة فى القانون الجنائى حول هذا الأمر بدأ يسترعى انتباهى تكامل العلوم، وكيف أن العلوم كلها تخدِّم على بعضها البعض، فكرَّست كل جهودى فى دراسة علم النفس والطب النفسى والنساء والولادة، وبدأت أتردد على المركز القومى للبحوث كى أستخرج المقالات المتعلقة بهذا الموضوع، كما كنت أتردد على الأطباء وأنتظر لحين انتهاء الكشوفات لديهم وأعرض عليهم ما وصلت إليه كى يقوموا بترجمتها لى، فهذا البحث يعد نقطة تحوّل لى، وعرفت معه القيمة الحقيقية للبحث العلمى ونجحت فى الحصول على دراسات من المركز القومى للبحوث تتكلم عن علاقة الطمث بالجريمة، ووجدت إحصائية لديهم تتحدث بالأرقام عن وجود عدد كبير من السجينات بلغت نسبتهن الـ75% ارتكبن الجريمة وقت تعرضهن لمتلازمة ما قبل الحيض، كما يطلق عليه طبيا أو توتر ما قبل الدورة الشهرية، وخلصت إلى أن المرأة قبل الدورة الشهرية ترتفع لديها نسبة هرمون العنف وهذا ما يصيبها بالتوتر والقلق ويكون سببا فى دفعها للعنف والسلوك الإجرامى، وفوجئت أن هذا الهرمون قد يدفعها لارتكاب جريمة السرقة لإصابتها بالاكتئاب لأنه معروف طبيا أن علاج الاكتئاب يكون فى التسوق والشراء بشراهة للأشياء المختلفة، فهذا يسبب لها سعادة نفسية لكن حالة عدم وجود أموال لديها وتوترها هرمونيا قد تلجأ للسرقة وهذا ليس تبريرا لسلوك المرأة الإجرامى، بقدر ما هو بحث فى الظاهرة للوصول لحلها، لذا نجدهم فى أوروبا يقومون بوضع المرأة فى مكان منعزل قبل فترة الحيض بعدة أيام مع تهيئة الجو لها لتعديل حالتها النفسية وتهيئتها نفسيا لاستقبال الحدث.

توصيات البحث

وما هى أهم النتائج التى توصلتى لها من هذا البحث؟

** توصلت لنتائج عديدة أهمها أن المرأة تتعرض لـ150 عرضا فى فترة ما قبل الحيض بأربعة أو خمسة أيام ما بين اكتئاب وتوحّد مع النفس وردود فعل تتسم بالعدوانية تختلف جملة وتفصيلا عن ردود أفعالها فى الاوقات العادية، وهذا بالطبع يختلف من امرأة لأخرى حسب قياس نسبة الهرمون لديها.

حقائق غائبة

لكن هذا الموضوع لم يأخذ حيّزا لدينا ولم نعره أدنى اهتمام، فهل من مخرج له؟

** للأسف نحن لم نهتم بهذا الأمر من قريب أو بعيد، وهذا ما حاولت التأكيد عليه فى موضوع البحث وتوصياته لأنه ليس من العدل أن يُزجّ بالمرأة فى السجن على جريمة ارتكبتها فى ظروف نفسية استثنائية، ولما بحثت فى هذا الموضوع فى أوربا وجدت ان المحامى فى كندا وقف أمام القاضى وطلب البراءة لموكلته منذ ثلاثين عاما لارتكابها الجريمة فى فترة ما قبل الدورة او كما يقال طبيا ” bms ” وبالفعل يقوم القاضى بعرض المرأة لجهة بحثية لقياس نسبة الهرمونات عندها لمدة شهور معينة ويقارنها بوقت ارتكابها الجريمة ويتضح لديه أنها وقعت تحت ضغط نفسى وعصبى بسبب هرمون الدورة ويحكم لصاحلها ويخفف عنها، وبعضهن تحصل على براءة، لكن هذا الكلام لا وجود له عندنا وأعتقد أننى إذا ما أتيحت لى الفرصة للوقوف أمام القاضى فى قضية من هذا النوع لا أدرى رد فعله تجاه كلامى وربما يصفنى البعض بالجنون، فهذه الثقافة وتلك الحقائق الطبية لم تصل عندنا بعد.

حزن ما بعد الولادة

هذا بالنسبة لفترة ما قبل الدورة لكن ماذا عن فترة ما بعد الولادة، ما هو تأثير هذه الفترة على معدل ارتكاب المرأة للجريمة؟

** عندما بحثت فى فترة ما بعد الولاة وجدت أن المرأة تمر بثلاث مراحل، الأولى تسمى بحزن ما بعد الولادة وهذه حقيقة طبية هرمونية إن لم يتم علاجها ربما يتطور الموضوع ويأخذ منحى آخر قد يصل لمرحلة الاكتئاب، ثم مرحلة الذهان لما بعد الولادة هذه الحالة قد تدفعها للتخلص من نفسها أو التخلص من الطفل، وقد وجدت حالات فى مصرتحديدا فى بورسعيد والمنصورة مرت بهذه المراحل بعضها تم إيداعه بمستشفى الأمراض العقلية والنفسية لتلقى العلاج، بالطبع هذه حالات فردية لكنها موجودة، وهذا يتطلب الالتفات لهذا الامر، لذا ليس من اللائق ومن العدل معاملة المرأة المضطربة هرمونيا معاملة الرجل السوى غير المضطرب.

المردود الشرعى

لكن هل يوجد مردود لهذا الموضوع فى الشريعة الإسلامية؟

** دائما الشريعة سبَّاقة فى كل شئ، لما قمت بالبحث فى هذا الموضوع ألهمنى الله عزَّ وجلَّ للبحث فى باب “شهادة المرأة” وكيف أنها نصف شهادة الرجل وهذا مبرر قوى من النبى صلى الله عليه وسلم، ولما تتبعت قصة الشهادة وجدتها لم تفسر فقهيا بعد لكن التفسير الفقهى لم يكن يعنينى، واتجهت لأبحاث الشهادة ووجدت رسالة رائعة للدكتور شادى هبيل أفادتنى كثيرا وتوصلت لجملة قالها عالم أجنبى لم يطَّلع على الدين الاسلامى مفادها أنه: لا يجب التعويل على شهادة المرأة لأنها تمر بظروف فسيولوجية ونفسية تجعلها غير صالحة للشهادة، وهذا ما قاله الله عزَّ وجلَّ من فوق سبع سموات، وأكده النبى صلى الله عليه وسلم فى السنة النبوية، وهذا ما كنت أبحث عنه ووجدت فيه ضالتى وتوصلت الى أن الشهادة ليست تكريما للمرأة إنما هى عبء عليها وتكليف، والدليل أن الله يخفف عن المرأة الكثير من التكاليف الشرعية من صلاة وصوم وكذلك فى الشهادة لأنه أدرى بظروفها، فكيف لا نراعى ذلك ونعاملها مثل الرجل، وهذا ما يرفضه بشدة المهتمون بشئون المرأة انطلاقا من باب المساواة بين الرجل والمرأة وهذا خطأ كبير.

دعاة المساواة

وما هى أهم توصيات البحث؟

** توصلت لعدة توصيات أهمها: أنه يجب على المشرِّع عندما يضع النصوص العقابية والتجريمية مراعاة اختلاف المرأة عن الرجل وإن لم يستطع النص على ذلك صراحة فالقاضى لديه مساحة كبيرة جدا يمكنه التحرك فيها، فلديه مساحة كبيرة بين الحد الاقصى والادنى وقد يعطى المرأة إفراجا، هذه الامور لا تحتاج نصوصا انما تحتاج تقديرا من القاضى، وهذا ما يرفضه دعاة المساواة.

وحاولت مرارا وتكرارا عرض هذا الموضوع علما بأن المساواة مطلقة لابد من تعريف الرجل بحقيقة المرأة الفسيولوجية للتعامل معها على هذا الاساس، وهذا ليس تقليلا من المرأة بقدر ما هو تعريف بطبيعتها للتعامل معها على هذا الاساس، ونحن للأسف حافظين مش فاهمين، فأنا لا أحتاج التساوى بالرجل فقد أتميز عنه.

ما هو تقييمك لمناهج شريعة وقانون؟

** مناهج قسم شريعة وقانون لا علاقة لها بمناهح الازهر، فكل ما ندرسه يتم دراسته فى كل كليات القانون بالجامعات المصرية على الرغم من دراساتنا للمواد الشرعية والفقهية إلا أننا ندرسها بشكل منفصل عن مناهج القانون وهذا حتى يكوّن لدى الطلبة خلفية شرعية للقضايا المختلفة مع الإلمام التام بالنصوص القانونية المعمول بها أمام المحاكم.

فصل المواد

هل ترين أن  تدريس مواد الشريعة منفصلة عن المواد القانونية فى صالح الدارسين؟

** كنت أظن تداخل المادتين مع بعضهما البعض قبل التحاقى بالأزهر، لكن وجدت ميزة فى فصل المواد عن بعضها، وهى عدم إحداث تشتيت وبلبلة للطلبة، لذا أرى الفصل فى صالح الدارسين.

اختلاف كبير

هل يمكنك أن تطلعينا على أوجه الاختلاف بين مواد القانون الجنائى والشريعة الإسلامية؟

** هناك اختلاف كبير بين الكثير من الأمور فيوجد باب كامل فى القانون الجنائى يختلف تماما عن الشريعة الاسلامية خاصة فيما يتعلق بجرائم هتك العرض, فالقانون يعوِّل على الحرية الجنسية إلا إذا قام الزوج برفع دعوى قضائية ضد زوجته واتهمها بالزنا هنا فقط تُحاكَم الزوجة، فى حين أن ذلك مجرَّم فى الشريعة الاسلامية سواء حدث برضا الزوجة أو بدون رضاها.

 

 

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

pmclips.com
إغلاق
التخطي إلى شريط الأدوات