sliderالرأى

خالد محمد خالد .. خلود القلم

بقلم د: ناجح إبراهيم

نشأ في بيت متوسط لكنه بيت علم وفضل،كان جده من علماء الأزهر له مكانة رفيعة بين الناس مهابا مطاعا,أما أبوه فكان من أهل النجدة والنخوة شهما مهابا لا يفطر إلا إذا أحضر الأطفال اليتامى من جيرانه وبعد الطعام يمسح علي رأس كل طفل.

التحق بالأزهر الشريف حتي تخرج من كلية الشريعة سنة 1947 وهي أقوي وأصعب كليات الأزهر,عمل بالتدريس ثم مستشاراً للنشر في وزارة الثقافة ثم استقال نهائياً من الوظيفة.

رفض كل العروض المغرية لمناصب قيادية كبري في الدولة سواءً في عهد ناصر أو السادات كما رفض أسفاراً يسيل لها اللعاب وآثر أن يبقي في حياته المتواضعة التي غلب عليها الزهد.

التقي في مقتبل حياته بشيخه”محمود خطاب السبكي”الذي فتح بصيرته علي طريق التصوف الذي كان طريقه النهائي في السير إلي الله بعد أن مر بمراحل ومنزلقات كثيرة,وكان يعتبر أن تلاميذ السبكي ظلموه ولم ينصفوه مثلما فعل تلاميذ جعفر الصادق وأحمد بن حنبل.

في عهد الملك فاروق كتب”مواطنون لا رعايا”ليبين موقف الشعب من الملك وأنهم مواطنون لا مجرد رعايا له,كان شجاعاً لا يهاب أحداً وفي نفس الوقت كان قمة أخلاقية سامقة،لا يعرف الحقد أو الغل أو الغدر أو التفحش.

عجب ثوار يوليو بكتابه”مواطنون لا رعايا”وأعلنوا ذلك بعد نجاح ثورتهم,ولكنه آثر أن يكون بعيداً عن أي منصب أو من المترددين علي أصحاب السلطة.

عندما ظهر له جلياً توجه ثوار يوليو نحو الديكتاتورية وإلغاءهم التعددية والديمقراطية تماماً كان الصوت الوحي الذي ارتفع في وجه الصمت والخوف وضد الإجراءات التعسفية التي طالت الكثيرين فقال في اللجنة التحضرية سنة 1961″أطالب بالعدل السياسي بدلاً من العزل السياسي”وطالبهم بالديمقراطية وإطلاق الحريات العامة ولما تم التصويت علي كلماته في اللجنة كانت يده هي الوحيدة هي التي ارتفعت بالموفقة .

عارض فارسنا الإخوان المسلمين قبل ثورة 23 يوليه بسبب إنشائهم للنظام الخاص الذي قام بعمليات عنف واغتيالات وكانوا وقتها في أوج قوتهم ومجدهم,فلما قبضت الثورة علي الإخوان وأعدمت منهم من أعدمت طلب الثوار من كاتبنا أن يكتب كتابا     ضد الإخوان فقال لهم:”لقد نقدت فكر الإخوان وسلوكهم يوم أن كان بعض قادة الثورة من مجاذبيهم ,أما اليوم وهم في السجون فقد أوصانا سيدنا الرسول “صلي الله عليه وسلم”ألا نجهز علي جريح”.

ويعد كتاب”من هنا نبدأ”أول كتبه وأشهرها وأول معاركة الفكرية الكبري ورغم أن الشيخ محمد الغزالي رد عليه بكتاب”من هنا نعلم”إلا أن كاتبنا أحب الغزالي وأصبحا أعز صديقين،وكانت آخر مكالمة تلقاها قبل موته كانت من الغزالي,وقد رجع أستاذنا خالد محمد خالد عن رأيه ولم يتكبر أن يعلن رجوعه عن رأيه في كل المنتديات والمحافل وكتبه في كتاب اسماه”الدولة في الإسلام ورفض عروضاً سخية لطبع”من هنا نبدأ “فرفض لأنه لا يباع ولا يشترى.

ورفض عرض ابنه محمد طبعه في آخر حياته فاشترط عليه أن يضع مقدمة كتابه”الدولة في الإسلام”في مقدمة الكتاب,لأن الحق كان أغلي عليه من كل شيء ومن كل كنوز الدنيا.

وفي عام 1955 أخرج كتابه “لكي لا تحرثوا في البحر”وضمنه فضلاً عن ضرورة دمج المحاكم الشرعية في المحاكم العادية وبدأت حملة صحفية كبري بناء علي كلماته أثمرت القرار الجمهوري بنقل اختصاصات المحاكم الشرعية والمجالس المحلية إلي القضاء العادي ,ولما تحقق له وللصحف هذا النص انزوي ورفض الظهور لأنه زاهد في الدنيا والمناصب .

ونفس الأمر حدث معه في قضايا كثيرة وقوانين نادي بها وتحققت مثل قانون تنظيم السجون أو تحديد الملكية الزراعية بمائة فدان أو تكوين نقابة للفلاحين أو اعطاء العمال ربع الأرباح ,فلم يشمخ بنفسه أو يبغي بها أجراً أو منصباً بل انزوي بنفسه واعتكف في بيته.

ولما وجد أن بعض هذه القوانين تحول من نعمة إلي نقمة لم يستنكف أن يعلن أن الإصلاح الزراعي لم يتوافر له من الرحمة والعدل ما كان يجب ويمكن أن يكون، وأعلن”كنت خصماً للإقطاع قبل الثورة يبد أن الأمل خاب حين رأينا شهوة الانتقام والتشفي تغشى هذا الانجاز العظيم,فلا تفرقه بين من ورث الأرض لقمة سائغة ومن اشتراها بجهده ورواها بعرقه .

وقد دعاه د/سميث”مدير معهد الدراسات الإسلامية بكندا” ليشغل منصب أستاذ زائر لمدة عامين فاعتذر مرات مع تعدد العرض.

كان يرى أن الإسلام هو الحب،وكان يحب شهر ربيع الأول حبا ً في رسول الله حيث كان يستشعر الدفء والأمان في رحاب ذكراه أو الكتابة عنه ،وكان يحب صوت الشيخ العطواني في قصيدة البردة التي كان يعشقها،ومن الأقدار العجيبة أن هذه القصيدة أنشدت أثناء جنازته حتي أوصلته لمثواه الأخير،وكان معجباً بغناء أم كلثوم لبردة البوصيرى وتأثر ببكائها وهي تشدو:

أبا الزهراء قد جاوزت قدري           بمـدحك بيـد أن لي انتسـابـا

وفي آخر ذكرى لمولد النبي”صلي الله عليه وسلم شهدها كاتبنا كتب : “سيدي خاتم المرسلين وشرف العالمين لست بهذه الكلمات أبكي حظوظنا العاثرة ولا حياتنا الخاسرة فإنني كلما ذكرتك لا يشغلني عنك شيء .. ألا ما أشقي الذين ضلوا عن سبيلك وآثروا الظلام علي سبحات نورك “.

وكان يحب أهل البيت ولم ينقطع عن زيارتهم طوال حياته ، وكان الحديث الأثير عنده هو الكلام عن أهل الله وأصفيائه وأحبابه”.

وكان وفياً مع أصدقائه حتي في محنتهم ، فكان يزور  أسرة الشيخ سيد سابق بعد سجنه ويأتيهم بالطعام ويصطحب ابنه الصغير للتنزه ، وحينما سجن صديقه وجيه أباظة وابتعد عنه الصغير والكبير لم يفعلها كاتبنا بل ذهب إليه بعد خروجه وأخرج خمسمائة جنيهاً وكانت مبلغاً كبيراً وقتها ،وقال لهم أنه أخذها فوراً من أحد ناشري كتبه وهو لا يريدها ولكن وجيه رفض قائلاً “مستورة والحمد لله”.

وكان من دأبه أن إذا تولي أحد أصدقائه منصبا ابتعد عنه في هدوء ، وعفت نفسه أن يستفيد منه  فإذا انزوت عنه السلطة وتناكر له الناس  كان أول من يطرق بابه.

وكان متصوفاً بحق ويردد دائماً “أنحني اجلالاً للتصوف فهو الذي سكب في روحي كل ما روى ظمأها إلي الخير والسكينة والرحمة والعدل “.

وهو أعظم من كتب عن الخلفاء الراشدين ، وعن معجزة الإسلام عمر بن عبد العزيز وأفضل من كتب عن الصحابة الكرام ، وهو ثاني من كتب عن المسيح  بعد العقاد ، وقد استنكر غزو صدام للكويت ونافح عنها منافحة شديدة ، فلما تحررت حاولت الكويت مكافأته وتكريمه فرفض بإباء ، لأنه يرفض أن يتكسب من مواقفه وأطروحاته في حين هرول  الجميع شعراء وكتاب وساسة للكويت حصداً للغنائم ، وكان من أعظم الدعاة للعدل السياسي والاجتماعي وأفضل من كتب عن الديمقراطية والحرية.

رحم الله ذلك العبقري الذي لم تنجب مصر كاتباً يجمع بين الدين والحياة والأصالة والمعاصرة ، وثوابت الدين ومتغيراته في أسلوب رائع سلس من السهل الممتنع الذي لا يستطيع أحد محاكاته أو مجاراته ، وجزاه عن الإسلام والأوطان والأديان خير الجزاء.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

pmclips.com
إغلاق
التخطي إلى شريط الأدوات