sliderالرأى

حكايات نسائية

بقلم: د. وفاء عبد السلام

أدب الحوار أدب جليل راعته السنة النبوية وبينت قواعده وأوضحت صوره، وذلك لأن الإسلام جاء ليعايش الناس كافة حيث قال الله تعالى: “وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ۚ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنزَغُ بَيْنَهُمْ ۚ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلْإِنسَانِ عَدُوًّا مُّبِينًا”. ولقد أدرك المصطفى صلى الله عليه وسلم أهمية ومكانة الحوار في النفوس وفى هداية الخلق فكثيرا من اليهود والنصارى دخلوا الإسلام بعد محاورته لهم ، قال تعالى “أدْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ “.
وهاهو النبي صلى الله عليه وسلم وقد جاءه شاب يسأله في أن يأذن له بالزنا فقال له  صلي الله عليه وسلم في غاية الأدب واللطف : أترضاه لأمك؟ قال :لا، فقال له: هكذا الناس لا ترضاه لأمهاتهم، فقال له :أترضاه لأختك؟ قال: لا، فقال له :هكذا الناس لا ترضاه لأخواتهم، فقال له: أترضاه لإبنتك؟ قال :لا، فقال له :هكذا الناس لاترضاه لبناتهم ، ثم وضع صلي الله عليه وسلم يده الشريفة عليه وقال :اللهم اغفر ذنبه وطهر قلبه وحصن فرجه، فلم يكن بعد ذلك الشاب يلتفت إلي شيء.
كماعلمنا صلى الله عليه وسلم كيف نتحاور مع من ليسوا على ملة الإسلام. بأدب جم، وبسموِّ أخلاق. فيقول لهم في قوله تعالى” قُلْ لَا تُسْأَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنَا وَلَا نُسْأَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ”.

وكان صلى الله عليه وسلم يتأدب في ذكر أسماء من يخاطبهم لعدم جرح مشاعرهم، ففي خلافه مع المشركين خاطبهم بأحب أسمائهم إليهم بكنيتهم، علمنا كيف نتحاور مع مخالفينا وأنه لا فائدة من نقص الأدب معهم ، فعتبة بن ربيعة  كان مسناً عاقلاً سيداً، قال يوماً وهو فى نادى قريش، ورسول الله صلى الله عليه وسلم جالس فى المسجد وحده: يا معشر قريش ألا أقوم إلى محمد فأكلمه وأعرض عليه أموراً لعله يقبل بعضها، فنعطيه أيها شاء ويكف عنا؟ فقالوا: بلى يا أبا الوليد، قم إليه فكلمه، فقام إليه عتبة حتى جلس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا ابن أخى، إنك منا، حيث قد علمت من السطة (المكانة) فى العشيرة، والمكان فى النسب، وإنك قد أتيت قومك بالأمر عظيم فرقت به جماعتهم، وسفهت به أحلامهم، وعبت به آلهتهم ودينهم، وكفرت به من مضى من آبائهم، فاسمع منى أعرض عليك أموراً تنظر فيها، لعلك تقبل منها بعضها. قال: فقال صلى الله عليه وسلم: قل يا أبا الوليد أسمع، قال يا ابن أخى، إن كنت تريد بما جئت به من هذا الأمر مالاً جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالاً، وإن كنت تريد به شرفاً سودناك علينا، حتى لا نقطع أمراً دونك، وإن كنت تريد به ملكاً ملكناك علينا، وإن كان هذا الذى يأتيك رئيا تراه لا تستطيع رده عن نفسك طلبنا لك الطب، وبذلنا فيه أموالنا حتى نبرئك منه،حتى إذا فرغ عتبة ورسول الله يستمع منه، قال: أقد فرغت يا أبا الوليد؟ قال: نعم، قال: فاسمع منى، قال: أفعل، فقال: بسم الله الرحمن الرحيم «حم. تنزيل من الرحمن الرحيم. كتاب فصلت آياته قرآناً عربياً لقوم يعلمون. بشيراً ونذيراً فأعرض أكثرهم فهم لا يسمعون. وقالوا قلوبنا فى أكنة مما تدعونا إليه» ثم مضي صلى الله عليه وسلم فيها يقرأها عليه، فلما سمعها منه عتبة أنصت لها، وألقى يديه خلف ظهره معتمداً عليهما، يسمع منه، ثم انتهى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى السجدة منها فسجد، ثم قال: قد سمعت يا أبا الوليد ما سمعت، فأنت وذاك. فقام عتبة إلى أصحابه، فقال بعضهم لبعض: نحلف بالله لقد جاءكم أبو الوليد بغير الوجه الذى ذهب به. فلما جلس إليهم قالوا: ما وراءك يا أبا الوليد؟ قال ورائى أنى سمعت قولاً والله ما سمعت مثله قط، والله ما هو بالشعر، ولا بالسحر، ولا بالكهانة، يا معشر قريش أطيعونى واجعلوها بى، وخلوا بين هذا الرجل وبين ما هو فيه فاعتزلوه، فو الله ليكونن لقوله الذى سمعت منه نبأ عظيم، فإن تصبه العرب فقد كفيتموه بغيركم، وإن يظهر على العرب فملكه ملككم، وعزه عزكم، وكنتم أسعد الناس به، قالوا: سحرك والله يا أبا الوليد بلسانه، قال: هذا رأيى فيه، فاصنعوا ما بدا لكم.

فحوار النبي صلى الله علية وسلم يقيم السلوك يؤصل في النفوس صفة الرحمة، والمحبة، والتسامح، والإخاء، والعدل، والإنصاف؛ للعيش بأمن ومحبة. كما قال رب العزة ” َلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ “.

اللهم صل وسلم وزد وبارك على حضرة سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

pmclips.com
إغلاق
التخطي إلى شريط الأدوات