sliderالرأى

جاذبية الإسلام

بقلم: مؤمن الهبـاء

لم ننشغل هنا كثيرا بالضجة التى أثارها إعلان السياسى الألمانى آرثر فاجنر اعتناقه الدين الإسلامى وتغيير اسمه إلى أحمد بعدما كان من أشد وأشهر المتطرفين فى عدائهم للإسلام والمسلمين فى ألمانيا ، وأكثرهم هجوما على رئيسة الحكومة المستشارة انجيلا ميركل بسبب استقبالها للمهاجرين السوريين بدعوى أن هؤلاء المهاجرين ـ ومعظمهم من المسلمين ـ سيعملون على أسلمة ألمانيا وتغيير هويتها.

لقد أحدث الإعلان المفاجئ للرجل عن إسلامه واستقالته من حزبه اليمينى الشعبوى المتطرف ” البديل من أجل ألمانيا ” فى يناير الماضى ضجة هائلة داخل ألمانيا وخارجها ، خاصة فى أوساط  الأحزاب اليمينية الشعبوية فى أوروبا ، التى كان آرثر يمثل بالنسبة لها واحدا من القيادات الطليعية الملهمة والرائدة ، ورغم أنه لم يعلن حتى الآن عن الأسباب التى دفعته إلى التحول للإسلام الذى كان يهاجمه بضراوة إلا أن القضية كانت ومازالت تشغل الصحافة والإعلام والرأى العام هناك ، ومازالت توابعها تتكشف يوما بعد يوم ، بينما نحن بعيدون تماما حتى عن مجرد العلم بالشيء.

وآرثر فاجنر كان شخصية قيادية مهمة فى حزب ” البديل من أجل ألمانيا ” بولاية براندنبورج ، وكان يتبنى خطابا شعبويا متعجرفا فى تحذيره من غزو الإسلام ودعوته لطرد المسلمين وهدم المساجد وإنقاذ ألمانيا التى تحولت إلى بلد آخر بسبب سياسات ميركل المتعاطفة مع المهاجرين المسلمين  ، وكان يتبنى شعار ” الإسلام لاينتمى لألمانيا ” الذى يعارض العبارة الشهيرة للرئيس الألمانى الأسبق  كريستيان  وولف الذى قال إن الإسلام ينتمى لألمانيا  .

وعندما سئل الرجل عن أسباب تحوله إلى الإسلام بعدما كان من ألد أعدائه اكتفى بالقول إنها أسباب شخصية تماما ولا دخل لأحد بها ، وأته لا يريد التحدث عن ذلك ، كما نفى أن يكون حزبه قد أجبره على الاستقالة بعد أن تغيرت قناعاته ، لكنه غرد مؤخرا على ” تويتر ” بعبارة كاشفة يقول فيها : ” بكيت نصف ساعة عندما فهمت ما معنى الخوف من الله ” .

وقد ذكرنا هذا التحول المفاجئ للسياسى الألمانى بقصة السياسى الهولندى أرناود فان دورن القيادى فى حزب الحرية اليمينى المعادى للإسلام بزعامة  خيرت فيلدرز  الذى أعلن إسلامه فى مارس 2013 ، وأرسل تغريدة على تويتر مفاجئة لحزبه وللأوساط السياسية جميعها ولكل من حوله ينطق فيها بالشهادتين وباللغة العربية ، مما جعل كثيرين يشككون فى الخبر بعدما أصابهم الذهول ، لكنهم بعد أن تأكدوا شنوا حملة هجوم واسعة على الرجل فى الصحف ووسائل الإعلام  بسبب دينه الجديد .

وعندما سئل فان دورن عن السبب المباشر لتحوله الدينى قال إنه لايود الخوض فى التفاصيل باعتبار أن مسائل الاعتقاد والعبادة أشياء شخصية تخص المرء ويجب  من باب المحافظة على الخصوصية عدم الخوض فيها ، لكنه أبدى أسفه على بعض مشاعر العداء والكراهية التى ووجه بها ، وقد كان من المفارقات فى قصة الرجل أن أول نشاط دينى له بعد التحول هو قيامه بزيارة مسجد السنة فى مدينة لاهاى من أجل إشهار إسلامه وإعطاء الإذن للمسجد بإعلان الخبر ، وذلك على الرغم من ÷ذا المسجد تحديدا كان هدفا دائما للعداء والكراهية والهجوم من جانب فان دورن وحزبه .

وإذا كان الرجلان قد أمسكا عن كشف أسباب التحول من العداء السافر للإسلام إلى الاقتناع به واعتناقه بحرية كاملة عن فهم واقتناع فإن الكاتب الفرنسى إريك جوفروا الذى زار القاهرة مؤخرا ـ على العكس ـ  قدم تفسيرا يسيرا  لظاهرة انتشار الإسلام فى الغرب بين السياسيين والمفكرين على الرغم من الحالة المزرية التى عليها المسلمون فى عالم اليوم ، والتى لا تشجع أحدا ـ نظريا ـ على الاهتمام بدينهم ، ناهيك عن الاقتناع به واعتناقه ، هذا التفسير يتلخص فى كلمتين اثنتين هما ” جاذبية الإسلام ” .

وإريك يونس جوفروا مفكر وباحث فرنسى شهير اعتنق الإسلام وعمره 27 عاما بعد بحث عميق فى الديانات ، واختار طريق التصوف وتخصص فيه من زاويته الفكرية ، ويشغل حاليا منصب مدير قسم الدراسات العربية والإسلامية بجامعة ستراسبورج الفرنسية ، وله مؤلفات مهمة أحدثها كتاب ” مستقبل الإسلام الروحانى ” الذى أقيمت حوله ندوة بالمركز القومى للترجمة فى نوفمبر الماضى كان هو المتحدث الرئيسى فيها وأدارها د. أنور مغيث مدير المركز بحضور د. أسامة نبيل مراجع الكتاب ومجموعة من المثقفين المصريين المهتمين بالقضية .

وبهذه المناسبة أجرت ” الأهرام ” حوارا مع الرجل نشرته فى عددها الصادر يوم الأحد 26 نوفمبر 2017 قال فيه إن الروحانية أصل كل دين ، وما نمر به حاليا من تدهور فى الأيدولوجيات بسبب غياب الروحانية ، ولذلك لابد من إعادة نشر الوعى الروحى والأخلاقى بين الناس لنتغلب على الأزمات الكبرى التى تسيطر على العالم ، لابد من رفع الروحانيات حتى لا تسقط الحياة فى مستوى أدنى ، لابد من وجود وعى روحى وكونى كما يشير القرآن الكريم خاصة فى السور المكية .

وعن تجربته الشخصية يقول : ” أنا انجذبت للإسلام عام 1984 وكنت حينها شابا ، وأكثر ما جذبنى جمالياته وروحانياته وما يحيط بالتوحيد من سر عظيم ، والعقيدة الإسلامية لها عقل ووعى ومنطق أوسع وأشمل من المنطق الموجود فى ديانات أخرى ، شيء ما جذبنى لهذا الدين العظيم ، وللأسف بعض الناس تفهم الإسلام بشكل خاطئ ومرعب ، لكنى أعتقد أن وراء أزمات التطرف أزمة روحية، ولابد لنا أن نحاول أن نغرس بذورا لإنسان جديد ، ولا حل آخر من وجهة نظرى .

إذن ماشد الرجل إلى الإسلام هو جاذبيته الذاتية ، أى فى الإسلام ذاته بعيدا عن حال المسلمين وواقعهم المرير الذى لا يشجع أحدا على اتباعهم ، ورحم الله الشيخ الغزالى الذى سئل : هل يدخل الغربيون الجنة أم النار  فقال نحن الذين سندخل النار لأننا لم نحسن تقديم الإسلام إليهم .

 

 

 

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

إغلاق