sliderالتحقيقات

ثقافة الاعتذار.. متى تعود؟

خبراء: تقضى على الكثير من مشكلاتنا الحياتية

تحقيق ـ سمر هشام

من يظن أن الاعتذار يقلل من شأن صاحبه.. فهو مخطئ  لا شك في هذا.. الواقع والتاريخ  يؤكدان أن الاعتذار من شيم الرجال، ويرفع من شأن صاحبه أمام الناس، ويجعل المجتمع متسامحا بلا ضغينة.

هذه الثقافة يجب أن نزرعها في نفوس أبنائنا عندما يخطئون يعتذرون.. بل يزداد قدر الآباء والأمهات في عيون أبنائهم اذا أخطأ أب أو في حق ابنائه وبناته أن يعتذر، فهذا يعلى قدرهما.

أب يعتذر لابنته في إحدى الصحف
أب يعتذر لابنته في إحدى الصحف

لعلنا لم ننس مافعله أحد الآباء مؤخرا بالاعتذار العلنى لابنته ونشر الاعتذار في إحدى الصحف، مما أثار التساؤلات لدى الكثيرين حول ثقافة الاعتذار التى غابت أو كادت تختفى عن مجتمعنا، وما هى حدود الاعتذار وكيفيته؟ .. وهل يجوز أن يعتذر الوالدان لأبنائهما؟.

سألنا بعض العلماء المتخصصين، واستطلعنا رأى الناس فى الشارع، فماذا قالوا:

سمير محمد “موظف بالمعاش” يقول: المجتمع المصري لم يتربى على ثقافة الاعتذار، وأدى هذا إلى ظهور الكثير من المشاكل داخل الأسرة والمجتمع رغم أن هذه المشاكل كان يمكن حلها بأمر بسيط وهو الاعتذار لمن له الحق، وأنا أرى أن السبب الرئيس في هذا الأمر هو ضعف التنشئة الدينية وانتشار العشوائيات في مصر.

ويرى كريم مصطفى “طالب” أن اعتذار الأب لابنته يدل على تغير طريقة معاملة الآباء لأبنائهم وتفهمهم لطريقة تفكير هذه الأجيال، ويدل أيضا على مدى شجاعة هذا الأب واعترافه بخطئه ومدى حبه الكبير لابنته.

وتقول سماح هاشم “ربة منزل” : يجب أن تكون الأسرة قدوة يحتذى بها، ويتم تربية الأبناء على ثقافة الاعتذار بحيث يمارس جميع أفرادها هذا السلوك ليصبح عادة وتقليدا خلقيا متعارفا عليه.

التربية الصحيحة

د.أسماء الهادى عبد الحي، مدرس أصول التربية كلية التربية جامعة المنصورة، تؤكد أن التربية وسيلة الحفاظ على ثقافة المجتمع والارتقاء بها، والأسرة هى المؤسسة التربوية الأولى والأكثر أهمية وتأثيرا في تربية النشء، وعليه إذا أردنا أن نغير في ثقافة مجتمع بأكمله علينا أن نبدأ بالتربية الأسرية أولًا.

أضافت: الاعتذار عبارة عن سلوك يعبر به المخطئ عن اعترافه وتوبته عن خطأ ما، وهو خلق رفيع ومظهر حضاري ونهج إسلامي، ولنشر ثقافته في مجتمعنا، فإن على الأسرة منذ نشأتها الأولى” الزوج والزوجة” أن تعتاده وتربي صغارها وتطبّعهم اجتماعيا عليه، مستخدمةً أساليب التربية وتعزيز السلوك المختلفة، مشيرة إلى أنه يجب أن تكون الأسرة قدوة يحتذى بها، بحيث يمارس جميع أفرادها هذا السلوك ليصبح عادة وتقليدًا خلقيًا راسخاً، وأن تؤكد على أن الاعتذار عن الخطأ – مهما كبر شأنه أو صغر- من شيم الكبار وخصال الأنبياء، وأنه لا يفرق بين كبير أو صغير، ولا زوج أو زوجة ، ولا والد وولده ، ولا غني أو فقير، ولا صاحب عمل وموظف، وما إلى ذلك ، واختيار الوقت والمكان المناسبين للاعتذار، بحيث يكون الطرف الآخر مؤهلا لسماع وتقبل الاعتذار، كما ننصح باختيار الأشخاص الذين لهم تأثير إيجابي في قبول الاعتذار.

وترى الدكتورة أسماء ضرورة إبداء الحرص على الاعتذار؛ بأن تتضمن عبارات الاعتذار الاعتراف بالخطأ والنية في عدم الوقوع فيه مجددًا، وتصويب الخطأ إذا كان ممكنًا أو تعويضه، وأن تكون لغة الجسد كتعبيرات الوجه وطريقة الجلوس وغيرها مقنعة ومعبرة عن ذلك، مع التماس العذر للطرف الآخر في ردود أفعاله أو عدم تقبله للاعتذار، ومحاولة الاعتذار مرة أو مرات أخرى ،وعدم المغالاة والمبالغة في أساليب تقديم الاعتذار، كالصور التي نشاهدها حديثا في مجتمعنا، مثل: الاعتذار عبر وسائل الإعلام أو بكتابة لوحات الاعتذار في الشوارع أو الاشتراك في برامج تلفزيونية، فبالرغم من أن الاعتذار من شيم الكبار إلا أننا بمثل هذه الصور وتكرارها نفقده جوهره ومعناه، كما أن فيها كشف لأسرار الأسر، وتعقيد لمفهوم الاعتذار ومن ثم الجنوح عنه، وقد يترك آثارا سيئة في نفس المعتذر إذا ما انتقد على هذا الأسلوب في الاعتذار، إنما يكون أسلوب الاعتذار على قدر الخطأ، حفظا لماء وجه الشخص المعتذر وتشجيعه على الاعتذار.

وتشير الدكتورة أسماء، الي أن التسامح هو الوجه المقابل للاعتذار، بمعنى أنه للحفاظ على ثقافة الاعتذار في أجيالنا وفي مجتمعنا علينا أن نربي فيهم ثقافة التسامح أيضا، وهنا يجب أن يقبل الطرف المتضرر من الخطأ الاعتذار من صاحبه، ولا يتعنت في قبول الاعتذار خاصة لو كان هذا الاعتذار بادر ممن هم أكبر سنا ومقاما، على أن يمحو الاعتذار ما قبله بمعنى أن لا يتبع قبول الاعتذار المن والأذى للمخطئ قولا أو فعلا.

العلاقات الأسرية

ويختلف معها د.سليمان زهران ،أستاذ الصحة النفسية واستشاري العلاقات الأسرية، ويؤكد أنه  مسرور  لقراءته هذا  الاعتذار الذى نشر عبر إحدى الصحف الرسمية والذي يقدم فيه الأب اعتذارا لابنته والذى يوضح مستوى عال من الشجاعة الشخصية والوعي بطبيعة العلاقة الأسرية لهذا الأب وحرصه علي مشاعر ابنته.

أضاف: أري في هذا السلوك الجريء ما يستحق الوقوف أمامه، خاصة في مجتمع يعتقد خطأ أن الاعتذار فرض علي الصغير دون الكبير، فالاعتذار قيمة لا يدركها إلا العظماء و دليل علي الشجاعة والقدرة علي المواجهة، فمن المواريث الثقافية البالية أن الاعتذار يجب أن يكون من الأبناء للآباء، وهذا أمر لا أساس له من الصحة لأن الاعتذار فرض علي الجميع سواء، ويجب علي من يخطئ أن يعتذر سواء أكان أباً أو ابناً، ويجب أن يتعلم الأبناء فن الاعتذار من الآباء، لأن الاعتذار في العلاقات الاجتماعية يقدم بهدف الحفاظ علي تماسك تلك العلاقات.

أوضح أننا نقدم الاعتذار حينما نرتكب خطأ ما، فيكون هو أولى خطوات المواجهة والتحرك نحو التصحيح، وليس شرطا أن نكون مخطئين حتى نقدم الاعتذار، فأحيانا نقدم الاعتذار لجبر الخاطر، كأن يسيء شخص فهم ما فعلت ويحمل بداخله بعض المشاعر السلبية، فتقديم الاعتذار هنا يكون بغرض الحفاظ علي طبيعة العلاقة أكثر من إحداث الموقف، كما يعد الاعتذار هو المفتاح السحرى لحل أى أزمة مهما كان حجمها، فالاعتذار يسهل من إجراء حوار عقلاني عقب امتصاص الانفعال.

 

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

إغلاق