sliderدعوة ودعاة

ثقافة الابتسامة.. دليل على الرحمة والسماحة والرحابة

بقلم : د. أسامة فخري الجندي

من غايات وجود الإنسان في هذا الكون أن يعمر الدنيا بالعمل الصالح وذلك بامتثال الأخلاق الحسنة ؛ ليسعد بها، ويعبر منها إلى ما هو أجمل وهي الآخرة، يقول تعالى : { مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ }[النحل: 97] ؛ من أجل ذلك أنزل الله عز وجل القيم التي تحفظ للإنسان معنويات حياته، وتضبط علاقاته مع الله ومع بني جنسه ومع نفسه ومع سائر أجناس الوجود  . ومعلوم أن بناء أي أمة وبناء أي حضارة إنما يرتبط ارتباطًا وثيقًا بالبناء الأخلاقي، وعلى العكس انهيار أي أمة أو حضارة يرتبك بانهيار وانعدام الأخلاق .

والأخلاق في حقيقتها هي ترجمة عملية للاعتقاد والإيمان الصحيح، كما أنها هي التي تشكل هُويّة الأمم، وتصنع الحضارات، وتحول دون أي فساد أو انحطاط لا أخلاقي في المجتمعات .

لقد جاءنا النبي صلى الله عليه وسلم ليكف انهيارنا ووقوعنا في التهلكة والمفاسد، وذلك بالتربية الأخلاقية التي هي أساس رسالته صلى الله عليه وسلم .

وللأخلاق مكانة عظيمة في الإسلام  :

-فتعليل الرسالة كان بتقويم الأخلاق وإشاعة مكارمها … فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه،قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( إنما بُعِثْتُ لأُتَمِّمَ صَالِحَ الأَخْلاَقِ( [مسند أحمد ] .

-والمؤمنون يتفاوتون في إيمانهم، لكن أكملهم وأفضلهم إيمانا بنص كلام سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم هو أحسنهم أخلاقا، فعَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ : ( أَكْمَلُ الْمُؤْمِنِينَ إِيمَانًا أَحْسَنُهُمْ خُلُقًا ).[ سنن الترمذي ] .

-وكل منا يحتاج إلى ما يرجّح به كفة حسناته عند الميزان، وقد بيّن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن حسن الخلق أثقل ما يوضع في الميزان . عن أبي الدرداء رضي الله عنه قال : سمعت النبي صلى الله عليه و سلم يقول ما من شيء يوضع في الميزان أثقل من حسن الخلق وإن صاحب حسن الخلق ليبلغ به درجة صاحب الصوم والصلاة ) [ سنن الترمذي ] .

-وكل منا يحب رسول الله صلى الله عليه وسلم ويحب كل ما يُقَرِّبه منه … والأخلاق الحسنة هي أرجى ما يجعلنا نفوز بحبه صلى الله عليه وسلم وكذلك بقربه، فعن عبد الله ابن عمرو رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه : ((ألا أُخبِركم بأحبكم إليَّ وأقربكم مني مجلسًا يوم القيامة؟))، فسكت القوم، فأعادها مرتين أو ثلاثًا، قال القوم: نعم يا رسول الله، قال: (أحسنكم خُلُقًا) [ صحيح ابن حبان ] .

-ومما يدل على مكانة الأخلاق أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو صاحب الخلق العظيم كان يدعوا ربه أن يحسّن خلُقه، فعن ابن مسعود رضي الله عنه قال : كان صلى الله عليه وسلم يقول في دعائه: ((اللهم حسَّنت خَلْقي، فأَحسِن خُلُقي) [ صحيح ابن حبان ] .. وعن علي بن أبي طالب رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول : (…… اللَّهُمَّ اهْدِنِي لِأَحْسَنِ الْأَخْلَاقِ لَا يَهْدِي لِأَحْسَنِهَا إِلَّا أَنْتَ، اصرف عني سَيِّئَها لَا يَصرف عني سَيِّئَهَا إِلَّا أَنْتَ) [ أحمد والنسائي ] … ورسول الله صلى الله عليه وسلم لا يدعو إلا بما يحب .

-وفي النصوص الشرعية الشريفة ( قرآن وسنة ) لم يترك الدين الإسلامي خُلُقًا صالحًا إلا ورغب ودعا إليه وأمر به، ونهى ورهّب عن ضده من الأخلاق .

ومن هذه القيم والآداب والأخلاق التي أكّد عليه الإسلام ودعا إليها : (الابتسامة) ، ذلك الخلق الذي لم يفارق رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فالإنسان منا يستطيع أن يحقق كل ما سبق ( الكمال في الإيمان – الموازين المثقلة – القرب من رسول الله صلى الله عليه وسلم – بلوغ أسمى ما يرجوه كل إنسان منا وهو نيل محبة رسول الله صلى الله عليه وسلم – وغير ذلك ) عن طريف البشاشة والتبسم

فالابتسامة تعبير يؤكد على صفاء ونقاء سريرة صاحبها ، وبها يدخل على قلب الآخر السرور والقبول ، وهي في ذاتها دليل على الرحمة والرحابة وعدم القسوم والغلظة ، بل إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد بيّن أن لصاحب الابتسامة أجرًا وفيرًا ، فقال صلى الله عليه وسلم : (تبسمك في وجه أخيك صدقة)

وسنجد الإمام البخاري في كتابه الصحيح قد أفرج بابًا كاملًا في صحيحه تحت عنوان (باب التبسم والضحك) ؛ مما يؤكد على ما كان يتسم به رسول الله صلى الله عليه وسلم من التبسم وعدم مفارقته هذا القيمة العظيمة التي تفتح القلوب ، وقد قال صلى الله عليه وسلم :  ( إنكم لن تسعوا الناس بأموالكم فليسعهم منكم بسط الوجه وحسن الخلق) .

وعن جرير بن عبدالله رضى الله عنه قال : ( ما حجبني النبي صلى الله عليه وسلم ، ولا رآني إلا تبسم في وجهي ) رواه البخاري)

فعلينا أن ننشر ثقافة الوجه الطلق ؛ لنؤكد على قيم السماحة والرحمة والسعادة بيننا ، والتأكيد على معاني الأخوة والترابط ، وفي ذلك قمة التأسي برسول الله صلى الله عليه وسلم . وقد قال صلى الله عليه وسلم :  (لا تحقرن من المعروف شيئاً ولو أن تلقى أخاك بوجه طليق ) ) رواه الحاكم والبيهقي في شعب الإيمان )

إن بالابتسامة يستطيع المرء أن يصفي النفس من بواعث الكراهية والحقد والحسد والبغض وغير ذلك من الخلاق المذمومة ، فيتأكد بذلك قيم المن الاجتماعي والنفسي بين الناس جميعًا .

إن الابتسامة مصدرها هو القلب وطريقها أيضًا هو القلب ، فيصل من خلالها قيم الود والألفة والإخاء ، وكما قال ابن عيينة رحمه الله: “البشاشة مصيدة القلوب”.

تلك هي الابتسامة التي جعلت جرير بن عبدا لله البجلي رضي الله عنه ينتبه لها ويتذكرها ويكتفي بها هدية من الرسول العظيم فيقول: “ما رآني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا تبسم في وجهي” (رواه البخاري( .

فما أحوجنا إلى تبسم في وجه الأخ والصديق والجار والزميل ، لا سيما في هذا الزمان الذي طغت فيه المادة وقلت فيه الألفة وزادت فيه الصراعات .

ما أحوجنا إلى تبسم الرجل في وجه زوجته والزوجة في وجه زوجها واستثمار القيم الجمالية فبين الزوجين ، بين الصديقين ، بين الأستاذ وتلميذه ، بين الرئيس ومرؤوسه ، لا سيما في زمان كثرة فيه المشاكل الاجتماعية ، فالإسلام لم يدعوا أبدًا إلى الوجه العبوس ، ولا إلى  تقطيب الجبين ، ولا إلى الكبرياء وغير ذلك مما هو مذموم .

ما أحوجنا إلى التبسم في وجه اليتيم والأرملة والمحتاجين ، فندخل السرور على أنفسهم ونقدم لهم يد العون والتكافل والتراحم ، وباب ذلك كله هو الابتسامة .

ما أحوجنا على ابتسامة من التاجر يكسب بها القلوب وتأتيه البركة ، ويبسط الله له في رزقه ، وقد قال صلى الله عليه وسلم : (رحم الله عبداً سمحاً إذا باع سمحاً إذا اشترى سمحاً إذا قضى سمحاً إذا اقتضى) ، بل وتكون له المغفرة ، قال صلى الله عليه وسلم : (غفر الله لرجل ممن كان قبلكم كان سهلاً إذا باع سهلاً إذا اشترى سهلاً إذا اقتضى) .

فلنحيي هذه السنة المهجورة فيما بيننا ولنستحضر ما يترتب عليها من أجر وفير وآثار إيجابية في شتى جوانب الحياة .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

pmclips.com
إغلاق
التخطي إلى شريط الأدوات