sliderالتحقيقات

تغير الأحكام.. مرونة فقهية تفرَّدت بها الشريعة

فتوى أغلقت الجامع الأزهر وأخرى أعادته

تحقيق: موسى حال

تغيير الفتوى حسب الزمان والمكان مرونة فقهية اختصت بها الشريعة الإسلامية دون سواها، فما يصلح لعصر قد لا يصلح لعصر آخر، وما يصلح لوقت الحروب قد لا يصلح لوقت السلم وما يصلح لمكان قد لا يصلح بمكان آخر، وما يصلح لشخص ليس بالضرورة يصلح لشخص آخر .

الاجتهاد فى الأحكام الشرعية مادام لا يصادم نصاً شرعياً محكماً ولا يتعارض مع ما هو معلوم من الدين بالضرورة فمرحباً به لأنه دليل على سعة شريعة الإسلام، وعلى يسرها وسماحتها، وعلى خصوبتها ومرونتها وعلى صلاحيتها لكل زمان ومكان.

والتاريخ الإسلامى شاهد حى على مرونة العقل والفكر الإسلامى عبر العصور، شاهد على عدم إصابة الفقه الإسلامى بعطب الجمود.

الإمام الشافعى رحمه الله كتب مذهبه الفقهى فى العراق، وحينما قدم إلى مصر وجد الأحوال غير الأحوال، والقضايا غير القضايا، ولذلك صنف مذهبه الفقهى الجديد فى مصر فى كتابه “الأم” وأصبح هو المذهب المعتمد، لأنه وجد الحالة فى مصر فى كثرة قضاياها، وصعوبة مشاكلها  تتطلب اجتهاداً فقهياً مختلفاً عما كتبه فى العراق  فبعد أن حوى عقله وفكره بكل دقائق العلم الإسلامى، واستشراف الواقع المصرى بدل وغير فى مذهبه حتى يساير المكان والزمان .

 تحريم لغة المحتل

من المسائل الطريفة فى تاريخنا المصرى خاصة ما بعد أن احتل الإنجليز مصر، فقد استعظم طلاب الأزهر على أنفسهم أن تحتل مصر من عدو كافر، وتتنجس بأقدامهم أرض المحروسة الطاهرة، فتجمع الطلاب الذين ينادون بخروج الإنجليز من مصر وأصدروا الفتوى تلو الأخرى بتحريم التعامل مع الإنجليز  وتصاعدت الفتوى إلى تحريم تعلم لغة المحتل الإنجليزى الأمر الذى أدى إلى صنع حاجز سميك بين طلاب الأزهر واللغة الإنجليزية وقد تكون هذه الفتاوى على غير رغبة من علماء الأزهر الكبار.

ويدرك من عاصر طلاب الأزهر فى عهد الملكية أنهم أى طلاب الأزهر كانوا يبغضون كل البغض تعلم مادة اللغة الإنجليزية، وتكوَّن لديهم حاجز نفسى رهيب مع هذه اللغة لغة المحتل.

هذا الوضع صنع نوعاً من العداء النفسى مع المواطن المسيحى المصرى الذى أدرك ضرورة تعلم لغة المحتل لا من أجل خيانة الوطن وإنما لكيفية التعامل معه، وتطور الأمر فى مصر إلى تعصب طلاب الأزهر للغة العربية باعتبارها لغة القرآن الكريم واللغة الرسمية للوطن، ومن هنا برع طلاب الأزهر فى فنون اللغة العربية، فى المقابل كان هناك تصوراً عن أن المسيحى المصرى متعصب للغة الإنجليزية، وقد يكون قد برع فيها مع إخفاقه فى فنون العربية.

ولما أدرك عقلاء الأمة مغبَّة هذا التصوُّر وخطورته على الإسلام أولاً، وخطورته على الوضع الثقافى والسياسى المصرى تحرك كبار العلماء منذ الإمام محمد عبده مروراً بشيوخ الأزهر ورجال الإفتاء بمواجهة هذا التصور بإصدار الفتاوى العديدة التى تحلل بل وتدعو إلى تعلُّم لغة المحتل، وحمل خطاب علماء الأزهر الكبار منظومة ضرورة الانفتاح على المحتل وتعلُّم لغته للوصول إلى مواجهته وإخراجه من أرض الوطن، كما ركز العلماء على خطأ التصوُّر المنتشر بين طلاب الأزهر بأن إخلاصهم للغة العربية يعنى قوتهم فى مواجهة الاحتلال، كما أن إقبال المسيحى المصرى على تعلم الإنجليزية لا تعنى خيانته للوطن، ولا مواجهته للإسلام ومع مرور السنوات انتشر تصوُّر كبار العلماء، وأصبح هذا الرأى هو المرجعية لطلاب الأزهر الذين تخلوا عما اعتقد أسلافهم، وبدأ الأزهر  يفد البعثات من الأزهر إلى فرنسا وإنجلترا لتعلُّم اللغة، والحصول على الدراسات العليا فى جامعاتهم، وانتشرت بفضل هذه الفتوى ترجمة مأثورات الفكر الغربى، ومعرفة الكتب التى تهاجم الإسلام وتم الرد على كل الشبهات التى يرددها الغرب فى مؤلفاته.

قانون الأزهر

ومع قانون تطوير الأزهر خصصت أقساماً لدراسة اللغات الأجنبية وأنشأ الأزهر كلية خاصة لهذه  الدراسات وحملت نفس الاسم ˜كلية اللغات والترجمةŒ . من فتاوى ابن تيمية ليس من المقبول أن يقف الإمام تقى الدين أبو العباس أحمد بن عبدالحليم بن عبدالسلام النميرى الحرانى الملقب بابن تيمية مكتوفى الأيدى مقطوع اللسان والعالم الإسلامى يتعرض لحملات المغول، وآثاره ما يفعله التتار بأهل الشام من سبى المسلمات وتدمير المدن الإسلامية فى الشام وقد أظهر المغول إسلامهم، إلا أن ابن تيمية قد كفَّر التتار لما يفعلونه من وحشية ضد المسلمين الآمنين فى الشام، ولما سئل عن الحرب مع التتار فى الشام خاصة أهل بلده ˜ماردينŒ أجاب بأنه لا يقاتل معهم ــ غير مُكره ــ إلا فاسق أو مبتدع .

وانتشرت فتاوى ابن تيمية فى مصر والشام وأصبحت مرجعية للمسلمين فى هذه الفترة التى حطم التتار البلاد الإسلامية، بل شارك ابن تيمية فى عدة معارك بقيادة السلطان المملوكى وكان لهم النصر المؤزر . فالحالة التى كان عليها العالم الإسلامى فى ذلك الوقت تقتضى منهجاً واجتهاداً جديداً فى الفتوى من تكفير المعتدى وتفسيق من يتعامل معه . وظلت هذه الفتاوى هى المعتمدة عند العلماء حتى تحررت الدول الإسلامية من التتار والصليبيين وهدأت الفتوى وراحت تنحو منحى أهدأ ولما بدأت تظهر النعرات الصليبية الغربية من جديد ليمنة على العالم الإسلامى أخرج العديد من العلماء مجلدات الفتاوى وتأثروا بنهج ابن تيمية أمثال محمد بن عبدالوهاب فى الجزيرة العربية، وابن باريس فى المغرب، ومحمد رشيد رضا فى مقالاته المنشودة فى مجلة المنار، وانتشرت هذه الفتوى مرة أخرى خاصة بعد أن قامت على هداها دول إسلامية وأنظمة عربية إسلامية . لما أدرك المسلمون أن الأوضاع لا تتناسب مع هذه الفتاوى راح علماء الإسلام فى كل البلاد الإسلامية لإصدار فتاوى تتناسب مع الأوضاع الراهنة، حتى أن الدولة التى تأسست على هذا النهج اجتهد علماؤها اجتهادات جديدة غير منساقة للمنهج القديم .

انتزاع المذهب الشيعى

أنهى صلاح الدين الأيوبى التواجد الفاطمى فى مصر وتغيير النظام السياسى من شيعى إلى سُنّى على مذهب الإمام الشافعى، وكان عليه أن ينزع هذا المهب الشيعى من أفئدة وعقول المؤمنين به فى مصر، فكانت العقبة الأولى جامع الأزهر منارة الإشعاع الفاطمى فى ذلك الوقت، فانتهى به الأمر إلى منع خطبة الجمعة فيه، وبالتالى سوف يصل الحال بالجامع إلى الإغلاق، وعملاً بسُنَّة السلاطين والولاة لاتتم أى خطوة فى الأمور العصيبة إلا بفتوى الشرعية، فاتجه صلاح الدين إلى قاضى القضاه “منصب شيخ الأزهر الآن ووزير العدل” الشيخ صدرالدين عبدالملك بن درباس الشافعى المذهب الذى أصدر بدوره فتوى تقضى بعدم جواز إقامة خطبتين للجمعة فى بلدة واحدة على ضوء مذهب الإمام الشافعى فأبطل صلاة الجمعة فى الجامع الأزهر، وقرر إقامتها فى جامع الحاكم بأمر الله، وهو الجامع الحاكمى، واستند ابن درباس فى فتواه إلى أن الجامع الحاكمى أوسع رحباً . وبالفعل وبناء على الفتوى انتقلت صلاة الجمعة من الأزهر إلى مسجد الحاكم بأمر الله، فكان هذا كما يقول المؤرخ الإسلامى د .عبدالعزيز الشناوى كان حرمان الأزهر من إقامة صلاة الجمعة فيه عمل سياسى من الدرجة الأولى وأريد به طمس أهمية الأزهر فى أذهان الجماهير، لأن الأزهر كان يقترن فى عقول الناس بالدولة الفاطمية، والمذهب الشيعى.

استمر الحال حوالى مائة عام أغلق فيها الأزهر ونسيت الجماهير المذهب الشيعى، ثم جاء السلطان الظاهر بيبرس الذى كان مولعاً ببيوت الله وخدمتها فاتجهت أنظاره إلى جامع الأزهر الذى خرب، فعهد إلى مماليكه فى تجديد الجامع وإصلاح ما هدمه الزمن، وعودة المساحات التى اعتدى عليها بعض السكان، وبنيت به المدرسة الطبراسية، وبعد ذلك الأقيغاوية، ولكن كانت المكلة عند السلطان هى عودة صلاة الجمعة للأزهر  وكيف ذلك؟ فلابد من الفتوى الشرعية فاتجه لقاضى القضاء الشافعى بإصدار فتوى بعودة صلاة الجمعة للأزهر، إلا أنه رفض إصدار فتوى بهذا المعنى، حاول بيبرس بشتى الطرق إصدار الفتوى فلم تجد خاصة أن المسجد بتجديداته أصبح مواتياً للافتتاح، فلم يجد بيبرس بداً عن إقالة قاضى القضاة، وتعيين قاض قضاة آخر على المذهب الحنفى الذى أصدر فتوى بجواز إقامة صلاة الجمعة فى مسجد الأزهر، وبفضل هذا الاجتهاد تم عودة الأزهر كجامع وجامعة إلى الحياة العامة وتم افتتاح الجامع فى 18 ربيع الأول عام 665 هجرية، 19 نوفمبر 1266 . وتغيرت الفتوى بعد مائة عام لمواكبة الصالح العام والمصلحة العامة، حيث كانت المصلحة فى إغلاقه، ثم تطورت السنوات وأصبح فتحه من أولويات المصلحة وبالتالى صدرت الفتوى بعودة صلاة الجمعة للأزهر .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

pmclips.com
إغلاق
التخطي إلى شريط الأدوات