sliderالرأى

تحويل القبلة دروس وعبر

د/ أحمد عرفة.. باحث دكتوراه بجامعة الأزهر

تحويل القبلة من الأحداث العظيمة في تاريخنا الإسلامي، ذلك أن المسلمين الأوائل قد توجهوا في صلاتهم إلى قبلة بيت المقدس بفلسطين ستة عشر شهراً أو سبعة عشر شهراً.

وكان النبي صلى الله عليه وسلم يحب أن يتجه إلى قبلة البيت الحرام بمكة المكرمة،

فإذا بالوحي ينزل عليه بأن القبلة قد حُولت من بيت المقدس إلى البيت الحرام.

وسطَّر ذلك القرآن الكريم في قوله تعالى: “قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاء فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ

الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّواْ وُجُوِهَكُمْ شَطْرَهُ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوْتُواْ الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ”

(البقرة: 144).

دروس وعبر من تحويل القبلة

وهناك العديد من الدورس والعبر التي ينبغي على كل مسلم بل والأمة الإسلامية أن تأخذها من هذا الحدث العظيم، ومن هذه الدورس ما يأتي:

1-أن أمة الإسلام هي الأمة الوسط الشاهدة على الأمم كلها، وقد تجلى ذلك في قول الحق سبحانه:

” وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُواْ شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنتَ عَلَيْهَا إِلاَّ

لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّن يَنقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِن كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلاَّ عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ

بِالنَّاسِ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ”(البقرة: 143).

فقد أثنى الله على المسلمين بأن جعلهم أمة وسطاً بما هيأ لهم من أسباب في بيان الشريعة بياناً جعل أذهان أتباعها سالمة من أن تُروَّج عليهم الضلالات التي راجت على الأمم.

قال فخر الدين: يجوز أن يكونوا وسطاً بمعنى أنهم متوسطون في الدين بين المفرط والمفرط، والغالي والمقصر؛

لأنهم لم يًغْلُوا كما غَلَّت النصارى، فجعلوا المسيح ابن الله ، ولم يُقصروا كما قَصَّرت اليهود فَبَدَّلُوا الكتب، واستَخَفُّوا بالرسل.(التحرير والتنوير 2/18).

وأخرج الإمام أحمد في مسنده عن أبي سعيد رضي الله عنه قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ” يُدعى نوح يوم القيامة فيُقالُ له: هل بلغت ؟ فيقول: نعم. فيُدعى قومه فيُقال لهم: هل بلَّغَكم ؟ فيقولون: ما أتانا من نذير وما أتانا من أحد، فيقال لنوح: من يشهد لك ؟ فيقول: محمد وأمته ” قال: فذلك قوله: “وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا”(البقرة: 143).

سرعة الاستجابة

2-سرعة الاستجابة لأمر الله ورسوله -صلى الله عليه وسلم-: فحينما كان الصحابة يصلون صلاة العصر تجاه بيت المقدس جاء إليهم البعض وقال: أشهد أني صليت خلف رسول الله -صلى الله عليه وسلم- تجاه البيت الحرام، فما كان منهم -رضي الله عنهم- وهم في صلاتهم إلا أن استداروا تجاه البيت الحرام، ولم ينتظروا لانتهاء الصلاة حتى يسألوا ما الأمر أو ماذا حدث.

وقد جاء ذلك فيما أخرجه الترمذي في سننه فعن ابن عمر ـ رضي الله عنه ـ قال: “بينا الناس يصلون الصبح في مسجد قباء، إذ جاء رجل فقال: قد أنزل على النبي – صلى الله عليه وسلم – قرآن، وقد أمر أن يستقبل الكعبة فاستقبلوها، فتوجهوا إلى الكعبة”.

فينبغي على كل مسلم أن يبادر ويسارع بامتثال أمر الله ورسوله -صلى الله عليه وسلم- امتثالاً لقوله تعالى:” وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً مُّبِينًا”(الأحزاب: 317)، وقوله: ” يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَجِيبُواْ لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ”(الأنفال: 24).

وحدة الأمة

3-وحدة الأمة الإسلامية: من الدورس العظيمة التي ينبغي على الأمة أن تأخذها من هذا الحدث: الوحدة وأن يكونوا صفاً واحداً، فكما أنهم يتوجهون في صلاتهم وجهة واحدة تجاه البيت الحرام، ويعبدون رباً واحداً، عليهم جميعاً أن يتحدوا ويكونوا يداً واحدة، وأن يكون المسلم للمسلم كالبنيان المرصوص، وقد تجلت هذه الوحدة فيما أخرجه أحمد في مسنده عن عائشة أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال في أهل الكتاب: “إنهم لا يحسدوننا على شيء كما يحسدوننا على يوم الجمعة، التي هدانا الله لها وضلوا عنها، وعلى القبلة التي هدانا الله لها وضلوا عنها، وعلى قولنا خلف الإمام آمين”.

وعليه فينبغي علينا جميعاً أن نحول هذه الدورس وغيرها إلى واقع عملي، بأن نحول حالنا مع الله تعالى إلى أحسن حال، وأن نبادر بامتثال أوامر الله تعالى ورسوله -صلى الله عليه وسلم-، وأن نتحد صفاً واحداً في مواجهة أعداء الإسلام المتربصين بنا في الداخل والخارج، وأن نتلزم بوسطية الإسلام التي شرَّفنا الله بها، ونحذر من الغلو، فديننا الإسلامي وسط لا إفراط فيه ولا تفريط.

عضو الجمعية الفقهية السعودية

Ahmedarafa11@yahoo.com

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

pmclips.com
إغلاق
التخطي إلى شريط الأدوات