sliderالرأى

تأملات في السيرة العطرة “2”

بقلم الدكتور محمد داود.. أستاذ الدراسات الإسلامية – جامعة قناة السويس

استعرضنا في المقال السابق ما آتنا الرسول صلى الله عليه وسلم ويبقي السؤال الحيوي والهام : ماذا فعلنا نحن بميراث رسول الله صلى الله عليه وسلم؟!

للأسف لقد نسينا كثيرًا وضيعنا كثيرًا، فآل بنا ذلك إلى ما نحن فيه من فرقة واختلاف، ولقد آن الأوان بعد تجارب عاصفة من المحن والشدائد أن نعود إلى نبع الهداية والتآلف، وأن نعتصم بسيرة نبينا الهادي صلى الله عليه وسلم؛ بغية الخير لأمتنا والخلاص مما نحن فيه من شرور الانقسام والتشرذم والخلاف.

لكن ما يبقى لنا سند وروح تدعونا إلى الخير والحب والتآلف والوحدة، روح سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم قائدنا، وأسوتنا، والرمز الأعظم لأمتنا.. والسراج المنير الذي به نهتدي في ظلمات الحيرة والضلال، وبه نتجاوز محنتنا ونجمع شملنا، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد.

عشت أوقاتًا نورانية مع سيرة النبي صلى الله عليه وسلم وشمائله المباركة، وكيف أنقذ الله به البشرية من الكفر والإلحاد، وطغيان الجاهلية الذي أفسد في الأرض وبغى، فأهان أقدار الرجال وكرامتهم وأذلهم، فجعل السود عبيدًا يباعون ويشترون فى الأسواق!! ‍‍‍‍‍إنـها العنصرية التي تتميز بين الناس على أساس اللون، كذلك أهان طغيان الجاهلية المرآة فجعلها جسدًا يباع ويشترى في المتعة والنزوة الرخيصة، كما أفسد طغيان الجاهلية العقل فجعل إلهه الهوى والفخر والتعالي والمصلحة. وسقطت القيم وانهارت الأخلاق فى بئر الطغيان والفساد.

أرسل الله هذا النبي العظيم صلى الله عليه وسلم لإنقاذ البشرية من نفسها، فكانت به النجاة، وتحول الضلال إلى هداية، وتحول الفساد إلى صلاح، فكان النبي صلى الله عليه وسلم كما أخبر عن نفسه بقوله: “إنـما أنا رحمة مُهداة” أخرجه الحاكم وقال حديث صحيح، وهذه حقيقة ويؤكدها الله تبارك وتعالى بقوله:{وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ}[الأنبياء/107].

والآن بعد أن عَمَّ الطغيان والإفساد فى الأرض والعلو والتكبر من الصهيونية وَمَن واَلاها، ما أحوجنا فى تلك الظروف المريرة أن نلتمس سبل الإصلاح لحياتنا من هدى الرحمة المُهداة صلى الله عليه وسلم ، كى تُبنى النفوس بناءً إيِمانيًا فتكون قادر على تجاوز المحنة، وعبور هذه الأزمات الطاحنة التى تتعرض لها الأمة.. وهديه صلى الله عليه وسلم قارد على إنقاذ شبابنا، وقادر على إصلاح كل مظاهر الخَلل والفساد فى حياتنا، وقادر على إحداث كل تحول وتغير فى الأمة، كيف لا؟‍‍!‍ والله تعالى يقول عن الرحمة المُهداة صلى الله عليه وسلم: {لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ}[آل عمران/164].

والخطاب للأمة فى كل جيل وفى كل عصر ومكان أن تأخذ بالنصيب الأوفى من هدى الرحمة المُهداة، ونصيبنا من هذه الرحمة، ومن تلك الهدية يكون على قدر التأسي بـهديه صلى الله عليه وسلم والاقتداء بسنته صلى الله عليه وسلم.

مثلا في الهجرة عبر ودروس لا تمحوها الأيام لأن في حياة الأمم أحداث عظيمة لا تمحوها الأيام ولا تنال منها الليالي، بل تعود إليها الأجيال لتستمد منها أسباب النصر والقوة وأسباب النجاح والفلاح، ولقد علمنا القرآن الكريم سنة استرجاع الأحداث العظيمة في تاريخ الأمة، ويظهر لك واضحا فى آية الهجرة، قال تعالى: )إِلاّ تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا( التوبة/40.

وهذه الآية التي تتعلق بـهجرة سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم لم تنزل مواكبة لأحداث الهجرة، ولا نزلت بعدها بقليل، بل نزلت بعد الهجرة بتسع سنين، استرجاعًا لعبر ودروس غالية، حين كان المسلمون فى حاجة شديدة إلى هذا الدعم المعنوي الإلهي، كما كانوا في حاجة لتذكيرهم بحقيقة مهمة فى المعركة الدائمة بين الخير والشر, وهى روح التضحية والفداء وعدم التخاذل والهوان فى أوقات الشدائد والمحن.

وكان نزول آية الهجرة بسبب موقف بعض الناس من قرار النبي صلى الله عليه وسلم بمحاربة الرومان الذين اعتدوا على الدعاة الإسلاميين، ومنعوهم من الدعوة.. فقال بعض الناس: أنّى لنا بمحاربة هؤلاء؟ وكان الرومان القوة الأولى فى العالم آنذاك، فأنزل الله آية الهجرة لتستأصل روح الهزيمة من نفوسهم، وتقطع دابر الضعف فى قلوبـهم، وتطالب المؤمنين بالتضحية والفداء مع رسول الله صلى الله عليه وسلم كى ينصرهم كما نصر وأيد نبيه ومن معه فى الهجرة.

وكان يمكن للهجرة أن تتم فى أقل من لمح البصر، فماذا تساوى المسافة بين مكة والمدينة اما قورنت بالمسافة بين المسجد الحرام والمسجد الأقصى فى رحلة الإسراء، أو المسافة بين المسجد الأقصى والسماوات العلا فى رحلة المعراج؟..

ولك ربك أراد أن لا يحرمنا من القدوة فى حياة سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فى أوقات الشدائد والمحن، فأجرى الهجرة وفق الأسباب، لنتعلم كيف خطط النبى ورتب دليل الطريق ومن يأتى بالزاد ومن يمشى بالغنم كى يمحو الأثر والرفيق والدابة، وخالف الطريق والجهة تمويها على المشركين. ولنتعلم أن لا ننهار أمام المفاجآت غير المتوقعة حين وصل الكفار إلى الغار وسيطرت مشاعر الخوف على أبى بكر فكان الثبات من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكان التماسك قائلاً لـه: لا تحزن إن الله معنا، ولنتعلم درس التآخى والتراحم والتعاطف من المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار.وهكذا نرى أن الهجرة درس قيم فى عبور المحن والكوارث والشدائد.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

handjob-hd.net
إغلاق
التخطي إلى شريط الأدوات