sliderالتحقيقات

برامج المسابقات.. غش وخداع وقمار

العلماء: تضييع للمال.. وحرام شرعا

تحقيق: سمر هشام

انتشرت في الآونة الأخيرة كثير من المسابقات بصورة مُلفته للنظر ،حتى يُخيَّل للإنسان أنها لم تترك مجالا يهتم به الناس أو بعضهم إلا واقتحمته، فمنها مسابقات لتحقيق الربح الوفير والجائزة تجاوزت قيمتها ملايين الجنيهات، بدون بذل أي مجهود سوء بإرسال رسالة بمبلغ مالي أو بالاتصال برقم موبايل، أو مسابقات للفوز بتذاكر سفر لأداء فريضة الحج أو مناسك العمرة، أو للسياحة، بل وصل الأمر إلى إجراء مسابقات بغرض استطلاع آراء الجماهير عن نتيجة المباريات الرياضية قبل إقامتها ونحو ذلك.

وقد اختلط على الناس- وعلى المشاركين في هذه المسابقات- الأمر في مدى مشروعية هذه المسابقات، وهل تتفق مع صحيح الدين من عدمه؟ فكان لزاما علينا سؤال أهل الذكر، حتى يتضح الأمر ويستبين الحكم الشرعى.

في البداية يؤكد د. محمد الصفتى- باحث أول بالإدارة العامة للفتوى وبحوث الدعوة- أنه يجب التفريق بين إجراء المسابقات الدينية لغرض التنافس، ونشر المعلومة الدينية، كما يحدث في بعض دور العلم من المدارس والجامعات، وبين إجرائها بغرض تحقيق أرباح مادية، تستغل تسارع الناس إلى تملّك الأموال وتحقيق الثراء السريع على أي وضع كان، مشيرا إلى أن المسابقات ليس لها حكم واحد، بل تختلف أحكامها بين الحِلّ والحُرمة باختلاف أحوالها، وهيئاتها، فمنها ما هو مباح، ومنها المحرم، ولا شك أن المسابقات في حد ذاتها قد تكون نافعةً في مجالات كثيرة منها مثلا المجال العلمي والثقافي، بتشجيع المشاركين على تنشيط عقولهم وعصف أذهانهم، ومنها التشجيع على اكتساب مهارات وفنون قتالية أو بناء جسم قوي لمزيد من اللياقة والتحمّل، ومنها ما يكون لأجل التريّض، والأخذ بشئ من اللهو المباح، والخروج من رتابة الحياة، ونجد في السنة المشرَّفة كثيرا من النصوص التي تؤيد ذلك، فعَنْ عَبْدِاللَّهِ بْنِ عُمَرَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ- صلى الله عليه وسلم- قَالَ: «إِنَّ مِنَ الشَّجَرِ شَجَرَةً لاَ يَسْقُطُ وَرَقُهَا، وَهِيَ مَثَلُ المُسْلِمِ، حَدِّثُونِي مَا هِيَ؟» فَوَقَعَ النَّاسُ فِي شَجَرِ البَادِيَةِ، وَوَقَعَ فِي نَفْسِي أَنَّهَا النَّخْلَةُ، قَالَ عَبْدُاللَّهِ: فَاسْتَحْيَيْتُ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَخْبِرْنَا بِهَا؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «هِيَ النَّخْلَةُ» قَالَ عَبْدُاللَّهِ: فَحَدَّثْتُ أَبِي بِمَا وَقَعَ فِي نَفْسِي، فَقَالَ: «لَأَنْ تَكُونَ قُلْتَهَا أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ يَكُونَ لِي كَذَا وَكَذَا».

ومن النصوص التي تدعم إقامة المسابقات الرياضية- لأنها كانت من أدوات دفع العدوان، وحماية الأوطان وقتئذ- مسابقات الرمي، وركوب الخيل ونحو ذلك، ومن أشكال المسابقات لأجل التريّض، والخروج من رتابة الحياة وتقريب المشاعر الإنسانية ما أخبرت به السيدة عَائِشَةَ- رضي الله عنها- قَالَتْ: سَابَقَنِي النَّبِيُّ- صلى الله عليه وسلم- فَسَبَقْتُهُ، فَلَبِثْنَا حَتَّى إِذَا رَهِقَنِي اللَّحْمُ سَابَقَنِي فَسَبَقَنِي، فَقَالَ: “هَذِهِ بِتِلك”.

ضوابط شرعية

ويشير د. الصفتى، إلى وجود ضوابط شرعية لابد من توفرها حتى يكون إجراء المسابقات بعيداً عن الغش والخداع، والضرر والجهالة، وتضييع أموال المشاهدين دون أدنى فائدة تعود عليهم، أن تكون جائزة المسابقة ليس فيها شئ من المقامرة ،وكذلك أن تكون الجائزة من الغرر: وهو الشئ المجهول، ولا تكون الجائزة بها شئ من الربا كعوض مشروط في تلك المناسبات، ولا يكون الهدف من إجراء تلك المسابقات الاستحواذ على أموال الناس بالباطل، وفي هذا يأتي قوله تعالى: {يا أَيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنَّما الخَمرُ والمَيسِرُ والأَنصابُ والأَزلامُ رِجسٌ مِن عَمَلِ الشَّيطَانِ فَاجتَنِبُوهُ لَعَلَّكُم تُفلِحُونَ}، ومن الواضح أن جمع أكبر قيمة من المال هو الهدف الأساسي لتلك المسابقات، وبهذا تحقق فيهم أكل أموال الناس بالباطل فكانت تلك المسابقات- في مجملها-  قائمة على الغرر والضرر، قال تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ) (النساء:29) لأن الأصل في المال هو حفظه وتنميته وبذله فيما يعود بالخير والنفع على الأفراد والمجتمع، ولا طائل من تلك المسابقات إلا ضياع أموال الناس، وأكلها بدون وجه حق، ويشترط في قيمة الجائزة أن تكون من صاحب المال نفسه القائم على أمر المسابقة، مثلًا القناة، بأن تُخرجها من ماليتها لا من تحصيل المبالغ من رسائل نصّية بمبالغ باهظة، وأن يكون الهدف من المسابقة إثراء الناحية الفكرية والعلمية، أو غرض نافع على الفرد والمجتمع.

وعود برّاقة

ويضيف د. الصفتى:  هناك الكثير من المسابقات التي يكتنفها الغرر والضرر والجهالة، فإنا نهيب بالمشاهدين ألا يُخدعوا بالوعود البراقة التي تُزف إليهم، وألا ينساقوا خلف هذه المسابقات بغرض تحقيق المال والربح السريع، لأن هذه المسابقات في النهاية هي مسابقات زائفة مشكوك في أمرها، وأتحدى أن تبادر الجهة أو القناة المنظمة لهذه المسابقات بتوفير أي صورة من صور الشفافية أو تعلن عن قيمة ما تم جمعه من الأموال عبر كمّ الرسائل الكثيرة التي تصلها، ففيها تضييع واستنزاف أموال الناس، وأكلها بالباطل، وفيها أيضاً تنشأ أجيال لا تحرص على العمل وتملك أسباب القوة العلمية أو الاقتصادية، بل تحرص على جمع الأموال ولو عن طريق المقامرة والغش، والخداع.

ويرى د. مسعد أحمد سعد الشايب- باحث أول الدعوة بالديوان العام لوزارة الأوقاف- أن المسابقات التي تهدف إلى غرض محترم ومشروع جائزة ولا حرج فيها شرعًاـ سواء أكانت مسابقات جسدية عضلية (كالجري والرمي…إلخ)، أم كانت بحيوانات، أم كانت عقلية ذهنية، فكل ذلك ثابت في سنة النبي (صلى الله عليه وسلم)، ووقع منه (صلى الله عليه وسلم) ووقع من صحابته (رضي الله عنهم)، وعن سلمة بن الأكوع -رضي الله عنه- قال: مرَّ النبي (صلى الله عليه وسلم) على نفر من أسلم ينتضلون، فقال النبي: (ارْمُوا بَنِي إِسْمَاعِيلَ، فَإِنَّ أَبَاكُمْ كَانَ رَامِيًا، ارْمُوا، وَأَنَا مَعَ بَنِي فُلاَنٍ). قال: فأمسك أحد الفريقين بأيديهم، فقال رسول الله: (مَا لَكُمْ لاَ تَرْمُونَ؟) قالوا: كيف نرمي وأنت معهم؟ فقال النبي: (ارْمُوا فَأَنَا مَعَكُمْ كُلِّكُمْ)، وعن ابن عمر (رضي الله عنهما): (أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَابَقَ بِالْخَيْلِ الَّتِي قَدْ أُضْمِرَتْ مِنَ الْحَفْيَاءِ، وَكَانَ أَمَدُهَا ثَنِيَّةَ الْوَدَاعِ، وَسَابَقَ بَيْنَ الْخَيْلِ الَّتِي لَمْ تُضْمَرْ، مِنَ الثَّنِيَّةِ إِلَى مَسْجِدِ بَنِي زُرَيْقٍ) وكان ابن عمر فيمن سابق بها.

يضيف د. الشايب: يجب أن تكون المسابقة فيما نص عليه النبي من الأشياء التي من شأنها إعداد القوة وإعزاز الدين، امتثالا لقول الله تعالى: {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ} [الأنفال:60]، فقد قال (صلى الله عليه وسلم): (لَا سَبَقَ إِلَّا فِي خُفٍّ أَوْ فِي حَافِرٍ أَوْ نَصْلٍ)، وأراد (صلى الله عليه وسلم) كلّ ذي خف، أو حافر، ويدخل في معنى الخيل: البغال، والحمير، ولأنها كلها ذوات حوافر، وفي معنى الإبل: الفيل، وألحق بعضهم به الشد على الأقدام، والمسابقة عليها، وسئل ابن المسيب عن الدحو بالحجارة، فقال: لا بأس به. يعني: السبق بالحجارة، أما المسابقة بالطير وعلى البقر والكباش والكلاب، وغيرها مما ليس من عدة الحرب، ولا من باب الدعوة على الجهاد، فأخذ المال عليه قمار محظور، فلا تجوز المسابقة عليه وكذلك لا يجوز عقد المسابقة على اللعب بالشطرنج وسائر أنواع اللعب ، مشيراً إلى أن جماعة من أهل العلم أجاز بذل المال في المسابقات العلمية، التي يستعان بها على إقامة الدين وإعلاء شأنه، كمسابقات حفظ القرآن الكريم، والسنة المطهرة.

البُعد عن القمار

ويرى د. الشايب أنه يجب أن تكون المسابقة بعيدة عن صورة القمار المحرم شرعا، فلو بذل كل واحد منهما مالا (عوضا) لأجل المسابقة على أن يأخذ المالين الفائز فلا يجوز، وإن كان المال (العوض) من أحدهما فقط، أو من طرف خارجي، أو كان منهما معا ولكن دخل في المسابقة طرف ثالث فكل ذلك جائز، لبعده عن صورة القمار (التردد بين المغرم والمغنم)، ولقول النبي (صلى الله عليه وسلم): (مَنْ أَدْخَلَ فَرَسًا بَيْنَ فَرَسَيْنِ- يَعْنِي وَهُوَ لَا يُؤْمَنُ أَنْ يَسْبِقَ- فَلَيْسَ بِقِمَارٍ، وَمَنْ أَدْخَلَ فَرَسًا بَيْنَ فَرَسَيْنِ وَقَدْ أُمِنَ أَنْ يَسْبِقَ فَهُوَ قِمَارٌ).

ويجب القول: إن المسابقات التليفزيونية اليوم كذكر رقم الآية والسورة…إلخ بالاتصال برقم موبايل، أو إرسال كلمة ما في رسالة بالموبايل ماهي إلا صورة من صور القمار المحرم شرعا، كما أن الكثير منها لا فائدة فيه.

 

 

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

handjob-hd.net
إغلاق
التخطي إلى شريط الأدوات