sliderطيب القول

المذهب والهوى.. فى احتفالات الحُسين

بقلم: مصطفى ياسين

يحتفل المصريون هذه الأيام بذكرى انتقال واستقرار الرأس الشريفة للإمام الحُسين بن على بن أبى طالب، بن السيدة فاطمة الزهراء، حفيد سيّد ولد آدم- صلى الله عليه وآله وسلم- الذى قال عنه وأخيه الحسن، أنهما “سيّدا شباب أهل الجنَّة” فى أرض مصر المحروسة والمُشَرَّفة والمُكرَّمَة باحتضان العديد من الأجساد الطاهرة لآل البيت والصحابة والصالحين، بل الأنبياء السابقين كذلك.

يفد ويحج إلى مقامه ومشهده المعروف بوسط البلد بالقاهرة، ليس المصريين المُحِبِّين فقط من مختلف أرجاء المحروسة، بل عدد كبير أيضا من مسلمى العالم، الذين يحرصون على هذه الزيارة فى مثل هذا التوقيت من كل عام، لتجديد اللقاء والقُربى والتودّد لآل بيت النبى- صلى الله عليه وآله وسلم- الذى جاءت آيات الله الحكيم، على لسانه الشريف، تحثّ وتمدح ذلك، ومنها “قُل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودّة فى القُربى”.

ودائما تتجدَّد الادعاءات والاتهامات من طرفى نقيض- لمعين واحد- حول هذه الذكرى العَطِرَة، حيث يُطْلِق أصحاب الفكر المُتشدِّد العَنان لأهوائهم باتهام المُحتفلين بالتبديع والتفسيق، أو التَشَيُّع والخروج على السُنَّة، فالاتهامان مُتضاربان وإن كان مصدرهما واحد، هذا المصدر الذى لمَّا يعرف بعد معنى “الحُبّ والمودّة فى القُربى” لآل البيت الكِرَام، ولمَّا يعرف بعد طبيعة وكينونة المصرى، وفى هذا المقام تحضرنى المقولة الشهيرة، والتى كثيرا ما يُردِّدها مفكرنا الكبير وأحد ساستنا المُخضرمين، د. مصطفى الفقى- مدير مكتبة الإسكندرية- وهى: المصريون سُنّيو المذهب، شيعيّو الهوى.

هذه هى المعادلة الصعبة التى مزجها المصريون فمَثَّلت هُويّتهم وتوجّههم نحو آل بيت النبى والصحابة الكرام والصالحين من أُمَّة سيّد الخَلْق والخُلُق فى شخصيّة فريدة تهيم عشقا وحُبًّا، مع اعتدال ووسطية، بلا شَطَط أو ذَلَلٍ أو انحراف فى العقيدة، لإدراكهم حقيقة الإسلام السمح الذى وصفه المفكر الكبير د. مصطفى الشَكْعَة “إسلام بلا مذاهب” أو كما قرَّره المُفكّر الكبير د. عبدالودود شلبى “أُمَّة واحدة.. سُنَّة وشيعة”.

فصعب- بل يستحيل- على المصريين الذين عرفوا “التوحيد” قبل غيرهم من الشعوب والحضارات، ولا غَرو إن قلت أنهم أصحاب أول حضارة وتجمّع بشرى، أن ينزلقوا لتُرّاهات واتهامات مثل التَشَيّع أو التَبَدّع والتَفَسّق، فى حُبِّهم وعِشقهم، لأنهم يعرفون جيّدا “الخط الفاصل” ويقفون عند حدود الله ولا يقربوها.

من هنا نقول للمُتَخَوِّفين، ولِمَنْ يُنَصِّب نفسه وصيًّا على المُحِبّين والعاشقين لآل البيت والصحابة والصالحين: جزاكم الله خيرا، ولا تُجهِدوا أنفسكم، فالمصريون أدرى بشئون دينهم ومذهبهم وحياتهم، اخرجوا منها وهى “تِعْمَر”!

وفى ذات الوقت أقول للمُحِبِّين والعاشقين: احتفلوا كما تشاؤون، وعبِّروا عن مشاعركم كيفما ترون، لكن ضعوا فى اعتباركم أنكم مسئولون عمَّا يظنّه الآخرون فيكم، فأحسنوا التصرّف والمسلك، ولا تكونوا سببا فى فتنة أحد أو سوء ظنّه، واعلموا أن الحب أو العشق الذى يترتب عليه ضرر أو إساءة، الجميع فى غنى عنه، المُحْتَفَى به قبل المُحتَفِل، فلتكونوا قدوة طيبة، وسيرة حسنة، ومثلا يحتذى بكم غيركم، فالمُحب لمَنْ يُحب رسول.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

pmclips.com
إغلاق
التخطي إلى شريط الأدوات