sliderالرأى

الغلو في الدين.. بدايته ..وصوره ..وعلاجه “3”

د: إبراهيم صلاح الهدهد.. الأستاذ بجامعة الأزهر

هناك موقف مهم جدا وله دلالات عدة منها، أنه غلو باتهام رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ في الأمانة، ولم يختلف على اتصافه بها من كفر به فهو الملقب بالصادق الأمين، ولقد كان مشركو مكة يناصبونه العداء، ويضعون أماناتهم عنده، ومنها الأوصاف المذكورة لذلك الرجل وكأنها أوصاف لشكل المغالين ( كث اللحية ـ محلوق الرأس ـ مشمر الإزار) ومنها أن بعض الصحابة استأذن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ في قتله ، وأن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ رفض ذلك، وعلل رفضه باحتمال أن يكون ذلك المتهم من المصلين، وهو بيان واضح وتنبيه للأمة على حمل تصرف المغالين على احتمال حسن وحقن دمائهم ما أمكن ذلك، وإرشادهم بتذكيرهم بمنزلة رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فهو يأتيه خبر السماء صباح مساء وهو أحق أهل الأرض بالتقوى، ومنها أن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ نبه إلى أننا ليس لنا من الناس إلا ظاهرهم، وأنه لم يؤمر بتنقيب القلوب، وفيه ما فيه من حقن الدماء، وصيانة النفس، كما أن في الموقف أيضا أن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ نبه إلى أن هؤلاء المغالين من علاماتهم الاجتهاد في الطاعة والعبادة وقراءة القرآن وقد جاء في حديث آخر: تحقرون صلاتكم مع صلاتهم ، أو ليست صلاتكم إلى صلاتهم بشئ، ولا صيامكم إلى صيامهم بشئ ، ولاقراءتكم إلى قراءتهم بشئ، ومن وجوه العلاج أن ينبه إلى الخطر بكل دقة، وما يجب من التصرف حين صيرورة هؤلاء الأفراد إلى جماعة وشيعة تناصب الأمة العداء : لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل ثمود.

وقد روى الإمام أحمد بن حنبل بسنده عن عبد الله بن عمرو بن العاص ـ رضي الله عنهما ـ أنه قال: أقبل رجل من بني تميم يقال له : ذو الخويصرة فوقف على رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وهو يعطي الناس، قال : يا محمد قد رأيتُ ما صنعتَ في هذا اليوم، فقال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ أجل . فكيف رأيت؟ قال: لم أرك عدلتَ، قال: فغضب رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ثم قال: ويحك إن لم يكن العدل عندي فعند من يكون؟ قال عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ يا رسول الله ألا نقتله؟ قال: لا. دعوه، فإنه سيكون له شيعة يتعمقون في الدين حتى يخرجوا منه، كما يخرج السهم من الرميّة، ينظر في النصل فلا يوجد شئ، ثم في القِدْح فلا يوجد شئ، ثم في الفُوق فلا يوجد شئ سبق الفرث والدم”

من صور الغلو العملي في العهد النبوي:

1 ـ الغلو العملي في العبادات بدعوى أن الرسول معصوم مغفور له ما تقدم من ذنبه، وإدخال السائلين أنفسهم في علم الغيب، وتكلفهم: وذلك من مداخل الشيطان فهو يدخل عليهم من طريق الطاعة، مع أن موقفهم هذا كأنه اتهام لرسول الله أنه لم يبين الشريعة بيانا شافيا، أو أن الله لم يوضح الشريعة وضوحا لايدع مجالا لسائل، وقد يكون الدافع من وراء ذلك أيضا أنهم أخشى لله من رسوله، وأتقى له من نبيه، وما كان من رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ حينما جاءه ذلك الرهط إلا أن يخاطبهم مصرحا بأنهم حينما تقالوا عبادته ـ صلى الله عليه وسلم ـ كأنهم اتهموه بقلة الخشية وضعف التقوى، وما من ريب في أن هذه المواجهة الكاشفة عن خطر ما فعلوا كانت رادة لهم عما فكروا فيه، مرشدة إياهم إلى الطريق الأصوب، فكانت المواجهة حلا حاسما لهذه المشكلة، كما كان الحوار المباشر هو الطريق إلى تصويب الخطأ يتضح ذلك فيما رواه البخاري ومسلم بسنديهما عن أنس بن مالك ـ رضي الله عنه ـ أنه قال: جاء ثلاثة رهط إلى بيوت أزواج النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ يسألون عن عبادة النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ فلما أخبروا كأنهم تقاّلوْها، فقالوا: وأين نحن من النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، قال أحدهم : أما أنا فإني أصلي الليل أبدا، وقال آخر: أنا أصوم الدهر ولا أفطر، وقال آخر: أنا أعتزل النساء، فلا أتزوج بدا، فجاء رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ إليهم، فقال : أنتم الذين قلتم كذا وكذا، أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له، لكني أصوم وأفطر، وأصلي وأرقد، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني” فقوله : إني لأخشاكم …. كأنه توبيخ لهم على سوء معتقدهم في نبيهم، وفي ذلك زجر لهم، وقوله فمن رغب … تنبيه لهم إلى الوجه الأصح وأن الرشد في الاتباع، لا في الغلو.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

pmclips.com
إغلاق
التخطي إلى شريط الأدوات