sliderالرأى

الغلو في الدين.. بدايته ..وصوره ..وعلاجه “2”

بقلم: د: إبراهيم صلاح الهدهد.. الأستاذ بجامعة الأزهر

تنوع الغلو في الديانات السابقة تنوعه في المسلمين،وقد أورد القرآن صراحة نهي الله لهم عن الغلو في الدين قال : ـ تعالى ـ ” قل يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم غير الحق ولا تتبعوا أهواء قوم قد ضلوا من قبل وأضلوا كثيرا وضلوا عن سواء السبيل” (المائدة77) وقد غلوا في الدين بتأليه البشر، من ذلك قوله : ـ تعالى ـ ( وقالت اليهود عزير بن الله وقالت النصارى المسيح بن الله ذلك قولهم بأفواههم يضاهئون قول الذين كفروا من قبل قاتلهم الله أنى يؤفكون اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله والمسيح ابن مريم وما أمروا إلا ليعبدوا إلها واحدا لا إله إلا هو سبحانه عما يشركون) (التوبة/31،30) وقد غالوا في الدين بتحريف الكلم عن مواضعه، وسجل ذلك ربنا في كتابه العزيز في غير موضع من ذلك قوله : ـ تعالى ـ (أفتطمعون أن يؤمنوا لكم وقد كان فريق منهم يسمعون كلام الله ثم يحرفونه من بعد ما عقلوه وهم يعلمون) (البقرة/75) وكما غالوا في الاعتقاد والعلم ، غالوا في الجانب العملي أيضا، من ذلك ما رواه أبو داود في سننه بسنده عن أنس بن مالك ـ رضي الله عنه ـ كان يقول:”لا تشددوا على أنفسكم فيشدد عليكم، فإن قوما شددوا على أنفسهم، فشدد عليهم، فتلك بقاياهم في الصوامع والديارات رهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم”

ومن غلوهم أيضا سؤالهم عما لم يكلفوا بالسؤال عنه، قال ابن عباس ـ رضي الله عنه ـ في وصف بني إسرائيل لما طلب منهم موسى ـ عليه السلام ـ أن يذبحوا بقرة، لو أخذوا أدنى بقرة لاكتفوا بها، ولكنهم شددوا فشدد الله عليهم”

من صور الغلو الاعتقادي في العهد النبوي:

1 ـ الغلو بإطراء النبي بما يخرجه عن حد الرسالة والعبودية : يحذر النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ الأمة من وقوعها فيما وقعت فيه الأمم السابقة من الغلو بتأليهه ـ صلى الله عليه وسلم ـ أو رفعه عن مرتبة النبوة بدعوى حبه، وتتضح بلاغة التحذير من تشبههم آنذاك بمن وصف بالكفر لارتكابه هذا الجرم، وفيه ترشيد للأمة وتوجيه لها إلى الوجهة الرشيدة في حبه ـ صلى الله عليه وسلم ـ بما لايرفعه عن درجة النبوة، والبشرية المعصومة، وبما لايخرجه عن كونه عبدا لله رسولا، وهذا التحذير وجه من وجوه استباق الحدث بوضع علاجه،وذلك فيما رواه البخاري في صحيحه بسنده عن ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ أنه سمع عمر بن الخطاب يقول على المنبر سمعت النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ، يقول: ” لا تُطروني كما أطرت النصارى ابن مريم، فإنما أنا عبده، فقولوا : عبد الله ورسوله”

2ـ الغلو باتهام النبي بعدم الأمانة، وارتكابه الظلم: سأذكر الحديث بطوله لأنه مهم جدا ، روى البخاري ومسلم بسنديهما عن أبي سعيد الخدري ـ رضي الله عنه ـ قال: بعث علي بن أبي طالب ـ رضي الله عنه ـ إلى رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ من اليمن بذُهَيْبَةٍ في أَدِيمٍ مقروظ لم تُحصّل من ترابها، قال: فقسمها بين أربعة نفر بين عيينة بن بدر وأقرع بن حابس وزيد الخيل، والرابع إما علقمة، وإما عامر بن الطفيل، فقال رجل من أصحابه: كنا نحن أحق بهذا من هؤلاء ، قال: فبلغ ذلك النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ فقال: ألا تأمنوني وأنا أمين من في السماء يأتيني خبر السماء صباحا ومساء؟ قال: فقام رجل غائر العينين مشرف الوجنتين ، ناشز الجبهة ، كث اللحية محلوق الرأس، مشمر الإزار، فقال: يا رسول الله اتق الله، قال: ويلك، أولست أحقَّ أهل الأرض أن يتقي الله؟ قال: ثم ولى الرجل ، قال خالد بن الوليد : يا رسول الله ألا أضرب عنقه؟ قال: لا ، لعله أن يكون يصلي، فقال خالد، وكم من مصل يقول بلسانه ما ليس في قلبه، قال رسول الله : إني لم أومر أن أنقب قلوب الناس، ولا أشق بطونهم، قال: ثم نظر إليه، وهو مقف، فقال: إنه يخرج من ضئضئ هذا قوم يتلون كتاب الله رطبا لا يجاوز حناجرهم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية، وأظنه قال: لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل ثمود”.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

pmclips.com
إغلاق
التخطي إلى شريط الأدوات