sliderالرأى

الغلو في الدين.. بدايته.. وصوره.. وعلاجه”1″

*بقلم: د إبراهيم صلاح الهدهد

*الأستاذ بجامعة الأزهر

لاشك أن الغلو والتطرف الذي نعاني منه الآن له جذور وصور الغلو منذ العهد النبوي، في الجانبين الاعتقادي، والعملي، مما يخالف منهجه ـ صلى الله عليه وسلم ، وهذا الغلو يخالف طبيعة الإسلام ، ووسطيته، وقد وصفت أمته بالوسط وهو دين الصراط المستقيم، وهو مما يوجب على الأمة أن توجه طاقاتها وتستثمر جهودها في البناء والعمران بكل أنواعه، فشريعة الإسلام تحقق التوازن

بين الروح والمادة، والدنيا والآخرة، والعقل والنقل، وتنفر شريعة الإسلام من الغلو أيما تنفير ، ولأهمية الأمر وجه النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ العدول من علماء الأمة إلى الوقوف صفا واحدا في وجه الغلو لبيان زيفه، ودحر أكاذيبه، وكشف دوافعه ، وإبطالها، في الحديث الذي رواه البزار بسنده ، عن أبي هريرة، وعبد الله بن عمر ـ رضي الله عنهم أجمعين ، قالا : قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ” يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله، ينفون عنه تحريف الغالين وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين”

مبنى الدين على اليسر:

تتظاهر نصوص الكتاب والسنة على بيان أن الدين يسر، كما تصرح النصوص برفع الحرج، كاشفة أن هذا هو مراد الله بالأمة، من ذلك قوله ـ تعالى ـ ( يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر) (البقرة/185) وقوله: ( لا يكلف الله نفسا إلا وسعها) (البقرة/ 286) وقوله: ( وما جعل عليكم في الدين من حرج ملة أبيكم إبراهيم هو سماكم المسلمين من قبل وفي هذا ليكون الرسول شهيدا عليكم وتكونوا شهداء على الناس) ( الحج/78) وقوله: (ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى) (طه/2) وقوله:(ونيسرك لليسرى) (الأعلى/8) ومن رحمة الله بالأمة أن جاءت النصوص واضحة الدلالة لا تتعدد احتمالاتها، لئلا تكون مثار خلاف في الأمة.

جاءت نصوص السنة المطهرة متظاهرة على بيان ذلك أيضا، وقد وردت النصوص مسوقة سوق الحقائق التي لا تحتاج تأكيدات، شأن النصوص القرآنية في هذا الصدد، من ذلك ما رواه البخاري بسنده عن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ قال: قال رسول الله : ـ صلى الله عليه وسلم ـ ” إن الدين يسر ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه، فسددوا وقاربوا وأبشروا، واستعينوا بالغدوة والروحة، وشئ من الدلجة” ومنه أيضا ما رواه البيهقي في السنن الكبرى بسنده عن جابر بن عبد الله الأنصاري ـ رضي الله عنهما ـ قال : قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ” إن هذا الدين متين فأوغل فيه برفق ، ولاتبغِّض إلى نفسك عبادة الله، فإن المنبت لا أرضا قطع، ولا ظهرا أبقى”

أمر رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ معاذا وأبا موسى الأشعري ـ رضي الله عنهما ـ بالتيسير حينما بعثهما إلى اليمن ” يسرا ولا تعسرا، وبشرا ولا تنفرا” ألا ترى هذا النمط من الخطاب فهو بفعل الأمر، ولم يكتف ـ صلى الله عليه وسلم ـ بالأمر، بل أكده بما هو مفاد من مفهوم المخالفة (ولا تعسرا) وهكذا ليكون أمرا لا لبس فيه.ولقد نبه رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ الأمة إلى ما يحبه الله ـ عز وعلا ـ من عباده في الحديث الذي رواه الإمام أحمد بسنده عن ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ قال : قيل لرسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ أي الأديان أحب إلى الله؟ قال:”الحنفية السمحة”

الغلو لغة واصطلاحا:

الغلو لغة: مجاوزة الحد، وكل من غلا فقد تجاوز الحد، يقال : غلا القدر إذا ارتفع ماؤه، وفار بسبب شدة الحرارة، ويقال : غلا السعر، إذا ارتفع عن الحد المعروف. أما الغلو اصطلاحا فهو المبالغة في الشئ والتشدد فيه ، بتجاوز الحد ، أو هو مجاوزة الحد بأن يزاد في الشئ في حمده أو ذمه على ما يستحق، يقال غلا في الدين غلوا : تشدد وتصلّب حتى جاوز الحد، والغلو في الدين : الإفراط فيه

الفرق بين الغلو وطلب الأكمل في العبادة:

ربما يلتبس عند بعض الناس أن في ذم الغلو طريقا إلى ترسيخ التكاسل في الطاعات، خشية ارتكاب الغلو، وقد كفانا ابن المنير رفع هذا الالتباس بقوله :” رأينا ورأي الناس قبلنا أن كل متنطع في الدين ينقطع، وليس المراد منع طلب الأكمل في العبادة، فإنه من الأمور المحمودة، بل منع الإفراط المؤدي إلى الملال، أو المبالغة في التطوع المفضي إلى ترك الأفضل، أو إخراج الفرض عن وقته، كمن بات يصلي الليل كله، ويغالب النوم إلى أن غلبته عيناه في آخر الليل، فنام عن صلاة الصبح في الجماعة”

أنواع الغلو:

يدلنا استقراء نصوص القرآن والسنة على أن أنواع الغلو يمكن جمعها في ثلاثة أنواع:

1ـ الغلو في الدين على المستويين الاعتقادي والعملي، وتتنوع صور الغلو تحت هذا النوع تنوعا كثيرا.

2ـ الغلو في القرآن: وذلك بتأويله المبالغ فيه، أو حمله على وجه واحد من الوجوه، وهو حمّال أوجه، أو بمجاوزة الحد في قراءته، وغير ذلك من وجوه الغلو.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

pmclips.com
إغلاق
التخطي إلى شريط الأدوات