sliderالتحقيقات

العنف يقتل البراءة..ويولد الإجرام.. والإسلام يمقت القسوة

بعد تزايد بلاغات خط نجدة الطفل

تحقيق- هالة السيد موسى

أثارت إحصائية العنف ضد الأطفال أن هناك 1959 حالة عنف وردت بشأنها بلاغات إلى خط نجدة الطفل التابع للمجلس القومى للطفولة والأمومة عن عام 2017 والتى تبين أن الأطفال ضحايا العنف فى كل زمان ومكان من أب وأم من أحد الجيران أو الأقارب من الزملاء فى المدرسة أو أيتام فى دور الإيواء مما يؤكد أن الأطفال لا يشعرون بالأمان ولا يعرفون غير الإهانة والتعذيب وهو ما يثير عدداً من التساؤلات: هل تؤثر مشاهد العنف أو التعرض لها على صحة الطفل ومستقبله.. هل تدوم آثار ذلك مع الأطفال مدى الحياة؟.. وهل نواجه مستقبل الوطن بأطفال مشوهين نفسياً وصحياً؟ وكيف نظمت الشريعة الإسلامية العلاقة بين الوالدين والأطفال؟

فى البداية تستعرض الدكتورة نجلاء المصيلحى أستاذ ورئيس قسم مجالات الخدمة الاجتماعية المساعد بالمعهد العالى للخدمة الاجتماعية بكفرالشيخ أنواع العنف منها الجسدى أو النفسى أو الجنسى أو اللفظى الذى يمارس على الطفل ويؤدى إلى آثار وتبعات سيئة جداً على الطفل من الجانبين النفسى والجسدى وتكون آثاره عميقة جداً، وقد تستمر للمستقبل مُحدثة تشوهات بدنية وروحية للطفل مدى الحياة، وقد تؤدى فى بعض الأحيان إلى الوفاة وهى ظاهرة منتشرة فى جميع أنحاء العالم، وقد يتعرض لها الطفل فى المنزل أو المدرسة على يد أحد أفراد أسرته أو من أشخاص غرباء.

وعن الآثار النفسية والاجتماعية لاستخدام العنف ضد الأطفال تقول: إن الطفل الذى يتعرض للعنف من قبل والديه يصبح أكثر عُرضة للإصابة بالأمراض النفسية عند الكبر حيث إنه دائماً ما يتذكر هذه المواقف التى مر بها مما يؤثر على نفسيته ويصيبه بالأمراض النفسية.

قد يؤدى استخدام العنف ضد الطفل لإصابته بنوع من القلق المرضى أو الرهبة الاجتماعية أو حب العزلة والانطواء والبعد عن الناس.

يؤدى العنف ضد الأطفال إلى خلق شخصية عدوانية تحب الإيذاء والعنف حيث إن الطفل دائماً يتذكر المواقف التى مر بها وكيفية التعامل معه.

أيضاً الطفل الذى تعرض للعنف فى الصغر يكون عصبياً جداً وسريع الغضب وذلك بسبب إحساسه الدائم بأن ضعفه وهو صغير كان هو السبب فى تعرضه للعنف، لذلك يجد أنه لابد وأن يكون قوياً حتى لا يتعرض للضرب والإهانة مرة أخري.

فضلاً عن أن العنف ضد الأطفال يؤثر فى خلق أناس راغبين فى البعد عن المجتمع أو بناء أى من العلاقات الاجتماعية مع المحيطين بهم حيث إنهم يخشون دائماً من التعامل مع الناس فتراهم يفقدون الثقة بسرعة فيمن حولهم.

كذلك تؤدى بعض حالات العنف الشديدة ضد الأطفال فى خلق مجتمع به الكثير من المجرمين والقتلة، فقد أصبحت الدراسات الحديثة أن كثيراً من المجرمين فى العالم كانوا فى البداية أطفالاً تعرضوا لعنف شديد من قبل الأسرة التى عاشوا بها.. كما يؤدى العنف اللفظى المتبع مع الطفل فى بعض الأسر إلى ظهور الكثير من المشكلات الاجتماعية، حيث إن الطفل قد نشأ فى بيئة اعتاد فيها سماع الكلمات غير السليمة فبالتالى تولَّد لديه شعور بأن هذه الألفاظ دارجة.

توضح دكتورة نجلاء علامات العنف التى تظهر على الطفل الذى وقع ضحية للعنف منها آثار الجروح والكدمات فى مناطق الجسم المختلفة.. إبداء الخوف والهلع عندما يصرخ أحدهم.. العزلة والابتعاد عن الناس.. بطء تطور الطفل وبطء اكتساب المهارات أو القدرات التى يكتسبها الأطفال فى العمر نفسه.. فقدان المهارات والقدرات التى اكتسبها الطفل مسبقاً.. التعامل بغرابة وعدم الارتياح مع الأبوين والخوف من التعامل معهما.. التصرف بطريقة مثيرة للريبة، وبطريقة غير مناسبة مثل الخوف المستمر أو العصبية.. انخفاض الأداء المدرسي.. القلق والتوتر والاكتئاب أو التفكير فى  لانتحار.

وتستعرض الدكتورة نجلاء أهم أسباب العنف ضد الأطفال وأولها الأسباب الأسرية منها العزلة الاجتماعية التى تعيشها الأسرة وضعف الروابط العائلية بين أفراد الأسرة الواحدة.. وغياب التنظيم وطغيان الفوضى على الحياة اليومية.. توقع نتائج غير منطقية من الطفل.. وعدم تلقى الأسر الصغيرة الدعم من الأسر الممتدة أيضاً طبيعة العلاقة بين الأبوين اعتداء أحدهما على الآخر. والعنف المنتشر بين أفراد العائلة.. وامتلاك الأبوين عواطف وأفكاراً تدعو إلى العنف ضد الأطفال وقلة معرفة الأبوين بطريقة تربية الأطفال والتعامل الصحيح معهم وكذلك عدم معرفة الأبوين باحتياجات الطفل.

كما أن الضغوطات النفسية التى يمر بها أحد أفراد العائلة تؤدى إلى العنف ضد الطفل مثل أن يعانى أحد أفراد العائلة أو الأبوان من الاكتئاب أو أحد الأمراض العقلية أو الجسدية الدائمة.. أو ضعف ثقة الآباء بأنفسهم أو تعرض أحد الوالدين لضغوطات العمل.. وأحياناً تعاطى أحد أفراد العائلة المخدرات وشرب الكحول بشكل مفرط.

أشارت إلى أن العنف ضد الأطفال قد ينبع من المجتمع مثل نقص التعليم وانتشار الجهل فى المجتمع وانتشار مفاهيم العنصرية أو عدم المساواة أو التوازن فى العلاقة بين الرجل والمرأة كما يعتبر الفقر وتراجع الوضع الاقتصادى للأسرة والبطالة والسكن غير الملائم أحد أهم الأسباب التى تؤدى إلى العنف ضد الأطفال.

كشفت الدكتورة نجلاء أن نتائج العنف الأسرى تظهر على الأطفال فى سن مبكرة عندما يكونون أجنة فى بطون أمهاتهم  حيث يصابون بأذى نتيجة ضرب آبائهم لأمهاتهم وبعد ولادة هؤلاء أن العنف يتسبب فى نشوء العقد النفسية التى قد تتطور وتتفاقم إلى حالات مرضية.. يكون هناك زيادة فى احتمال انتهاج الطفل المعنف للنهج ذاته الذى نشأ عليه.. الكثير من الأطفال خاصة الفتيات أصبح لديهن قناعة لا واعية بأن الحياة الزوجية عذاب بعذاب لذلك نلحظ عزوف الفتيات عن الزواج.

قد يحدث العنف بعض العاهات المستديمة، كما أن خسارة المجتمع تكون مضاعفة عندما يحدث العنف بين أفراد الأسرة.

وتنهى الدكتورة نجلاء كلامها مطالبة بضرورة تغيير وضع برامج تثقيفية للوالدين والمعلمين والمربين لتعليمهم الأسس الصحيحة للتربية وأشكال التأديب غير المؤذية وتغيير نظرة المجتمع نحو القضية للحد من العنف وتشجيع الأطفال  المعرضين للعنف على إكمال تعليمهم ومساعدتهم فى ذلك وتفعيل القوانين المتعلقة بالعنف والحد منه ونقلها إلى حيز التنفيذ.

مسئولية الأسرة

يقول الدكتور محمد فتحى موسى أستاذ أصول التربية جامعة الأزهر  إن الأسرة هى الخلية الأولى التى يتكون منها نسيج المجتمع، كما أنها الوسط الاجتماعى الذى يتعهد الإنسان بالرعاية والعناية منذ سنوات عمره الأولي، حيث تستقبل الطفل وتقوم بالدور الرئيسى فى تنشئته، وغرس العقيدة والأفكار والقيم والأخلاق والعادات والتقاليد، وغير ذلك من السلوكيات الإيجابية أو السلبية فى نفوس أبنائه، فقد تحصن الأسرة أبناءها من الانحراف الفكرى والسلوكي، وقد تتركه عرضة للأفكار المنحرفة الهدامة، فالأسرة أولى الجماعات الرجعية للطفل والتى يتخذ من معاييرها نموذجاً لتقييم سلوكه واتجاهاته حيث يبدأ الطفل منذ السنوات الأولى من حياته فى تكوين مفاهيم مهمة فيدرك أن بعض الأعمال أو أنماط السلوك مقبولة أو غير مقبولة.

وتعد الأسرة المظهر الأول للاستقرار الاجتماعي، ولذلك فإن استقرار شخصية الفرد وارتقاءه يعتمدان اعتماداً كبيراً على  ما يسود داخل الأسرة من علاقات اجتماعية.. ومن ناحية أخرى تمثل الأسرة الإطار الأساسى لممارسة أساليب الضبط الاجتماعى مع أبنائها لتحقيق تكيفهم مع المجتمع، كما تؤدى دوراً بارزاً فى التفاعل الذى يجب أن يسود بين أفرادها، ولهذا التفاعل  أثر كبير على اتجاهات الأبناء وسلوكهم منذ طفولتهم المبكرة ويستمر فعلياً فى المراحل التالية للعمر.

ويشير الدكتور محمد فتحى إلى أنه غالباً ما تحدث سلوكيات داخل الأسرة لها تأثير سلبى على احترام الطفل للحقوق والواجبات، كأن تقول لابنها: »إذا كتبت واجباتك سأزيد لك المصروف « مما يتسبب فى تلاشى مفهوم الحقوق والواجبات عنده بمعزل عن المنفعة الشخصية، كما يسهم فى إرساء القيم المادية على حساب القيم الروحية والأخلاقية وكأن تقول الأم لابنها: “لو ضربت أختك الصغيرة شكوتك للمدرس” وكأنها شاهدة غريبة عن البيت ومجردة من كل الصلاحيات، مما يتسبب فى ضياع المسئولية، وينشأ الطفل لا يعرف حدود مسئولياته لأنه لم يترب على حمل المسئولية.

أشار إلى أن هناك سلوكيات يجب أن نعالجها فى بيوتنا ومدارسنا هى “حصول الطفل على ما يريد بكثرة الإلحاح” فالطفل الذى ترفض له والدته شيئاً يعتمد المثابرة فى الإلحاح، اليوم وغداً إلى أن تستسلم الأم مرهقة ومنهارة الأعصاب، وتسارع إلى تلبية رغباته من يبكى ويصخب يحصل على مبتغاه، ومن يمارس العقلانية وضبط النفس تكون حقوقه مهضومة  ويمتد هذا السلوك إلى الحياة الاجتماعية هذا النوع من الملاحقة والإلحاح يرسى علاقات بين الناس قائمة على الشطارة حيث الحق ليس حقاً والواجب ليس واجباً مما يؤكد ازدواجية المعايير والمبادئ والحقوق، كما أنه يحدث غالبا فى الأسر الممتدة، خصوصاً فى المناطق الريفية من تدخل الأقارب فى تربية الطفل، مما يهمِّش دور الأب فى تربية أبنائه، وهذا ما يصيب الطفل بالتنافر المعرفى فهو لا يعرف من الصح ومن الخطأ، فالتمييز بين الأدوار واحترام الصلاحيات هو من الأمور التى يجب أن يتربى عليها النشء حتى يعرف حدود مسئولياته ومجال واجباته وحقوقه.

ويؤكد الدكتور فتحى أن الوسطية فى تربية الأبناء بلا إفراط ولا تفريط بتدليل سخيف أو قسوة مفرطة هى المخرج من هذه المشكلات التى تواجه الأسرة فى المستقبل لأن التربية على المسئولية والاعتماد على  الذات فى مقابل الاعتماد على الآخر الأب والأم تقى الأبناء فى حاضرهم ومستقبلهم من الانسياق وراء أصحاب الأفكار المنحرفة.

الضوابط الشرعية

عن الضوابط الشرعية للتعامل مع الأطفال وحمايتهم من العنف يقول الدكتور أحمد عشماوي: الأطفال هم فلذات أكبادنا وحملة الراية من بعدنا لابد من رعايتهم والاهتمام بهم وتنشئتهم تنشئة سليمة تبعدهم عن مخاطر الأمراض النفسية والعصبية ليخرج لنا جيل قوى يستطيع مجابهة ما يدور حول مجتمعنا من محاولات اختراق لاقتلاع قيمنا الإسلامية الطاهرة ومن أجل ذلك نجد أن الإسلام يعنى عناية كبيرة بالطفل حتى من قبل مجيئه إلى الحياة لأن الإسلام يحث على حسن اختيار الزوجة التى تؤتمن على تربية الأطفال وفى حديث نبى الرحمة  صلى الله عليه وسلم “فاظفر بذات الدين تربت يداك” كذلك يحث الإسلام على حسن اختيار الزوج الذى يصلح أن يكون أباً وفى حديث نبى الرحمة “إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه إلا تفعلوا تكن فتنة فى الأرض وفساد كبير.

وأوضح أن الإسلام يرفض أى صورة من صور امتهان الطفل أو ضياع حقوقه ولا شك أن الإسلام فى هذا قد سبق كل المنظمات والهيئات التى ترفع شعار حقوق الطفل .ليس هذا فحسب بل جعل الإسلام للطفل حق الحياة بكرامة بداية من الرضاعة ففى القرآن الكريم )والوالدات يُرضعن أولادهُنَّ حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة” وأوجب النفقة على الأب أو المجتمع فى حالة غياب الأب نفقة تشمل الطعام والشراب والكسوة وغير ذلك من أمور الحياة ولوازمها وفى القرآن الكريم ) وعلى المولود له رزقهُنَّ وكسوتهُنَّ بالمعروف( )لا تُضار والدةٍ بولدها ولا مولودٍ له بولده وعلى الوارث مثل ذلك( وللطفل فى الإسلام حق فى أن ينعم بطفولته بمرحلته التى يعيشها فله التدليل والمحبة والشفقة وفى حديث نبى الرحمة  صلى الله عليه وسلم) رداً على الأقرع بن حابس الذى استكثر تقبيل الصبيان وقال إن لى عشرة من الأبناء ما قبَّلت أحدهم فقال له  صلى الله عليه وسلم  وما أملك لك إن نزع الله من قلبك الرحمة من لا يَرحم لا يُرحم(.

وأشار إلى أن النبى صلى الله عليه وسلم  كان صديقاً ودوداً لكل أطفال المسلمين يداعبهم ويمازحهم بل كان يتجاوز فى صلاته ويخففها إذا سمع بكاء لطفل رحمة به بل نزل من على منبره وهو يخطب فى الناس ليلتقط الحسن والحسين لما وجدهما يمشيان ويعثران فى مشيهما واحتضنهما وصعد بهما المنبر مرة أخرى ثم تلا قول الله تعالي: )إنما أموالكم وأولادكم فتنة والله  عنده أجرٌ عظيم(، ليس هذا فحسب بل كان نبى الرحمة يتعهد أولاد المسلمين بالتربية والتعليم بالحسنى وفى الحديث عن عبدالله بن عباس  رضى الله عنه:) كنت ردف النبى صلى الله عليه وسلم  فقال: يا غلام إنى أعلمك كلمات احفظ الله يحفظك إذا سألت فاسأل الله وإذا استعنت فاستعن الله( الحديث.

وفى الحديث الآخر )كنت غلاماً فى حجر النبى وكانت يدى تطيش فى صفحة الإناء فقال لى رسول الله يا غلام سم الله وكل بيمينك وكل مما يليك.

ونبه الدكتور عشماوى إلى أن )النبى لا يسمح بمخادعة الأطفال ففى مرة سمع امرأة تقول لطفلها تعال أعطك فقال لها رسول الله وماذا كنت ستعطيه فقالت كنت سأعطيه تمرة فقال لها أما إنك لو لم تعطه لحُسبت عليك كذبة( وهكذا يظهر جمال الإسلام فى رعاية الأطفال فى كل أحوالهم ذكوراً أو إناثاً بل ويولى الإسلام عناية بالأطفال الذين فقدوا الآباء والأمهات من اليتامى ففى القرآن الكريم )فأما اليتيم فلا تقهر( وهذه الآية من أولما نزل من القرآن بل حذَّر القرآن من تناول اليتامى بالأذى فى أنفسهم أو أموالهم وفى القرآن الكريم )وآتوا اليتامى أموالهم ولا تتبدلوا الخبيث بالطيب ولا تأكلوا

أموالهم إلى أموالكم إنه كان حوباً كبيرا”.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

handjob-hd.net
إغلاق
التخطي إلى شريط الأدوات