sliderالتحقيقات

العلماء يحذرون الباحثون عن الوجاهة الاجتماعية ولقب “حاج”

لا ثواب لهم

هناك من يذهبون بطقم حراسة مثل القادة والرؤساء والوزراء والفنانين

تحقيق: خلود حسن

في موسم الحج, نجد من يتسابقون كل عام على هذه الرحلة من باب الوجاهة الاجتماعية فقط ورغم أننا لم نشقق عن قلوبهم لكن هذا الحرص على الحج كل عام وفي المقابل تجدهم مستمرين في أعمالهم غير المشروعة ينفي عنهم ثواب الحج.

بداية أوضحت الدكتورة رحاب عوض ، أخصائية في الطب النفسي ، أن هناك نوعاً من الحجاج من طائفة “الناس المهمة” يذهبون إلى بيت الله الحرام في صورة من الوجاهة الاجتماعية كي يحظوا بلقب “حاج”، والكثير منهم لا يستفيد من حجه، ويستمر في نفس أعماله أو سلوكه المنحرف، حتى أصبحت أفلام السينما تضع نوعيات من هؤلاء في قوالب ساخرة تحت اسم “الحاج”، وأصبحت الكلمة لا تحظى بالاحترام الواجب لصاحبها.

وأضافت الدكتورة رحاب ، أن هناك أيضاً من يذهبون بطقم حراسة خاص بهم مثل القادة والرؤساء والوزراء والفنانين، من الذين لا يريدون أن يتنازلوا عن ألقابهم أو وجاهتهم أو شهرتهم السياسية أو الفنية أو الأدبية، ويصطحبون جزءاً من حراسهم في أثناء أدائهم فريضة الحج، كنوع من الوجاهة الاجتماعية حتى وهم في بيت الله الحرام..!!

وأنهت الدكتورة رحاب كلامها مؤكدة أن الحج فرض على المسلم القادر العاقل، حيث قال الله عز وجل: ” وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَىٰ كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ . لِّيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ عَلَىٰ مَا رَزَقَهُم مِّن بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ ۖ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ “، ومعنى ذلك أنه ليس فريضة لتحقيق الأهواء والرغبات فقط، وبالتالي فإن حرص البعض على الحج الفاخر يمكن أن يكون خيراً لو كان وسيلة لفتح صفحة جديدة مع الله عز وجل، ولكن للأسف الشديد فإن بعضهم يعودون من الحج ويواصلون معاصيهم التي كانوا يرتكبونها قبل الحج، كالرقص والغناء وأكل أموال النّاس بالباطل أو البحث عن مصالح شخصية في المقام الأول وليس التوبة والرجوع إلي الله .

إخلاص النية

عن حكم الشرع في هذه النوعية من الحجيج قال الدكتور أحمد عشماوي، أستاذ التفسير بجامعة الأزهر: لا شك أن العبادات تعود بأثرها الطيب على الإنسانية والحج عبادة تعمل عمل السحر في هذا الجانب ذلك أن الحج يوحد الصفوف ويقرب المسافات ويذكر الناس بالمشهد العظيم يوم الحشر الكبير الذي وصفه الله بقوله ” يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ . إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ ” ، ومن ثم كان الحج هو الدرس الأكبر للمسلمين والتجمع الأعظم لكافة الموحدين لذا ينبغي على الذاهب إلى الحج أن يخلص النية لله فالثواب على قدر الإخلاص في العمل وفي حديث نبي الرحمة صلى الله عليه وسلم ” إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل أمرئ ما نوى ” ، ولهذا فإن الحج عبادة إذا أخلص فيها المسلم رجع من حجه من ذنوبه كيوم ولدته أمه ففي حديث نبي الرحمة صلى الله عليه وسلم “من حج فلم يرفث ولم يفسق رجع من حجه كيوم ولدته أمه”.

وأوضح الدكتور عشماوي، أن الذين يتخذون من الحج رحلة سياحية أو ترفيهية فأولئك قد ضلوا أيضا لأن العبادة لها حسابها مع الله بما تكون لها من نية وإخلاص وهذا الأمر لا يعلمه إلا الله وفي القرآن الكريم” أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ ” وهذا يجعل هذا النوع من الناس في حرج مع ربهم لأنهم أدخلوا أنفسهم في معترك الإسراف والتبذير وترك الأولى من الإنفاق في سبيل الله والعجيب أننا نرى في أيامنا هذه من يفتخرون بأنهم يحجون كل عام ويعتمرون كذا مرة في العام ولا شك بأنهم يدخلون بكلامهم وأفعالهم إلى منحدر الفخر والرياء ناسين أو متناسين أن الله غني عن هذا كما أن هذا النوع لو قلت لأحدهم أنت حججت حج الفريضة واعتمرت أكثر من مرة فهلا تبرعت لفقير بمال حجك أو ليتيم أو لمريض أو لمستشفى ما فعل مع أنه لو سخر ماله لسد حاجات المسلمين لكان خيرا له عند الله, وفي حديث نبي الرحمة صلى الله عليه وسلم “من فرج كربة عن أخيه فرج الله عنه كربة من كربات يوم القيامة ومن ستر مسلما ستره الله”

أوصي الدكتور أحمد عشماوي، الراغبين في الحج الإخلاص في النية والعمل وما نراه في أيامنا هذه من اتخاذ الحج نوعا من أنواع البيزنس والتربح والتجارة أو اتخاذه كنوع من أنواع السياحة والترفيه يعد ذلك كله خروجا عن مقصد الحج فبالسلوك الأول تكون أهداف الحج دنيوية بحتة وبذلك تكون الدنيا أكبر هم هذا النوع من الحجاج ، وهذا لا يعني أن البيع والشراء في أيام الحج محرم بل الأمر جائز وقد حدث أن بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم تحرجوا من البيع والشراء في أيام الحج فأنزل الله قوله ” ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم ” أي في مواسم الحج بالبيع والشراء لكن الله سبحانه يحذرنا في آيات تالية أن نكون ضمن صنف من الناس لا يطلب إلا الدنيا إشارة منه سبحانه وتعالى إلى سطحية ودناءة هذا الصنف فقال سبحانه ” فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ . فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ ”

ووجه الدكتور عشماوي، رسالة إلى الأثرياء الذين يتباهون بكثرة حجهم وتكرار اعتمارهم  بأن يتحسسوا المحتاجين والفقراء وذوي الحاجات فأولى لهم أن يطوفوا بهم بالعطاء فإنهم إن فعلوا ذلك وجدوا الله عندهم وفي القرآن الكريم ” فَلا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ . وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ .فَكُّ رَقَبَةٍ .أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ . يَتِمًا ذَا مَقْرَبَةٍ .أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ .ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ .أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ ”

دعاية إعلامية

أوضح الدكتور أسامة أمين، مدرس مساعد بكلية أصول الدين جامعة الأزهر، أن ظاهرة كثرة مرات الحج بين فئات من الناس مخصوصة كالمشاهير من الفنانين ورجال الأعمال والإعلام المشهورين انتشرت بكثرة, وأصبح البعض يستغل ذلك في دعاية إعلامية لشركات سياحية وغير ذلك, ووصل الأمر إلى التباهي والتفاخر بعدد مرات الذهاب لقضاء فريضة الحج أمام الناس، دون مراعاة لمشاعر آلاف من البشر ممن لم يتمكنوا من أداء هذه الفريضة العظيمة لضيق حالهم وكثرة مسؤولياتهم، وممن لا يجدون ما يكفيهم من مأوى وغذاء، في ظل ظروف الغلاء في الأسعار التي تعيشها مصر وكثير من البلدان الإسلامية في هذه الأيام.

وأضاف الدكتور أسامة ،أن هذه ظاهرة اجتماعية تطل علينا مع اقتراب موسم الحج العظيم، ولسنا نمنع الناس من أداء فريضة الله تعالى، لكننا نذكر بأن فريضة الحج من أعظم العبادات، فبجانب أنها بذل للمال في سبيل الله تعالى كالزكاة، فهي أيضا تحتاج إلى المقدرة البدنية كالصلاة والجهاد,  بل هي جهاد حقيقي ضد شهوات النفس ورغبات الجسد وأماني القلب الزائغة، فقد سُئل النبي  صلى الله عليه وسلم : أي العمل أفضل؟ فقال: «إيمان بالله ورسوله». قيل: ثم ماذا؟ قال: «جهاد في سبيل الله». قيل: ثم ماذا؟ قال: «حج مبرور».

أشار الدكتور أسامة ، إلي أن من شأن الحاج أن يجاهد نفسه في إخفاء عمله طلبا للإخلاص، ورغبة في الابتعاد عن الشهرة والسمعة والرياء حتى لا يحبط عمله ويفقد ثوابه, فقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ سَمَّعَ سَمَّعَ اللَّهُ بِهِ، وَمَنْ يُرَائِي يُرَائِي اللَّهُ بِهِ». فقوله: (من سمَّع) يعني طلب الشهرة ويذاع صيته بين الناس أو عمل عملا لم يخلص فيه لله تعالى، (سمع الله به) يعني كشفه الله تعالى أمام الناس على حقيقته وفضح أمره ولم يستره! وهذا وعيد شديد لكل طالب شهرة أو ثناء أو تعظيم أو وجاهة اجتماعية ولهذا على الحاج حتى لا يفقد الإخلاص والخشوع والثواب من عبادة الحج  أن يجردها من كل شائبة وشهرة، فمن يجعل غايته من الحج هو التصوير الفوتوغرافي أو نشر مقاطع الفيديو أثناء سعيِهِ وطوافه ورميه للجمرات…الخ وكأن عبادة الحج أصبحت مزارا سياحيا!! كيف يحقق الخشوع والإخلاص!! وكيف يعتبر من أعمال الحج ويتفكر فيها وفيما تحتويه من معان جليلة وأهداف تربوية عظيمة؟!!

وأكد الدكتور أسامة أنه لا بد أن نقرر أن تتابع الحج والعمرة من الإيمان، فقال النبي صلى الله عليه وسلم «تَابِعُوا بَيْنَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ؛ فَإِنَّهُمَا يَنْفِيَانِ الْفَقْرَ وَالذُّنُوبَ كَمَا يَنْفِي الْكِيرُ خَبَثَ الْحَدِيدِ وَالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، وَلَيْسَ لِلْحَجِّ الْمَبْرُورِ ثَوَابٌ دُونَ الْجَنَّةِ». لأن من شروط الحج وآدابه إخلاص النية ، وليس الأمر للمباهاة والتفاخر لأن هذا مناف لمعنى الحج المبرور الذي ذكر في نهاية الحديث، وهو ما كان خالصاً لله تعالى، وموافقاً للسنة، ونفقته حلال، ولم يخالطه إثم ولا رياء ولا سمعة، واشتغل فيه صاحبه بالطاعات والأعمال الصالحة.. كالعبادة والدعوة.. وإطعام الطعام.. وإفشاء السلام.. والأمر بالمعروف.. والنهي عن المنكر.. واجتناب الرفث والفسوق والجدال.. والتحلي بمكارم الأخلاق.

وأنهي الدكتور أسامة مؤكدا أن الأولى من التباهي والتفاخر وطلب الشهرة والرفعة, لمن يسر الله عليه أن يستثمر هذه الأموال في تجهيز عروس يتيمة أو فقيرة، أو مساعدة منكوبين، أو إعانة فقير أو عاطل على مشروع يتكسب به رزقا حلالا، أو يتبرع بثمن الحج لمحتاج لم يستطع الحج وله أجره .ومع هذا لا يصح لنا الحكم على أحد بقبول عمله أو رده؛ لأن مرد ذلك إلى الله تعالى وهو أعلم به، ونحن مردنا في الحكم بالصحة أو بالفساد يكون حسب مطابقة ظاهر العمل للضوابط التي وضعها الشرع الحكيم شروطا لصحة العمل فإن تحققت صحَّ وإن لم تتحقق فسد ، وقد وضع الشرع الحكيم شروطا لصحة الحج وآدابا وسننا ينبغي مراعاتها حتى تتحقق أمارات الحج المبرور الذي قال عنه النبي صلى الله عليه وسلم : «والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة».

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

إغلاق