sliderالتحقيقات

العلماء: إنفاق الأموال في تنمية الفقراء.. أهم من تكرار العمرة

د.محمود الصاوي: مساعدة اليتامى والمحتاجين من مكفرات الذنوب

تحقيق: مروة غانم- خلود حسن

رغم الظروف الاقتصادية الصعبة التي يمر بها الوطن، والغلاء الرهيب في الأسعار وتزايد أعداد الفقراء يوما بعد يوم، ووجود قرى بأكملها محرومة من المياه النظيفة، وأخرى تعاني من نقص الخدمات الضرورية، وتدهور المرافق الصحية والتعليمية، مما يتسبب في انتشار الأمراض المزمنة التي تلتهم صحة وأموال المصريين وتقف الدولة عاجزة عن توفير الرعاية لكل أفراد المجتمع، الا أن البعض يتجاهل هذه الأوضاع المأساوية ويحرص على تكرار العمرة وإنفاق مبالغ طائلة ربما أكثر من مرة خلال العام الواحد غير مكترث بظروف المجتمع والصعاب التي تواجهها الدولة.

صحيح أن كل إنسان حر في تصرفاته ولا رقيب عليه في إنفاق ماله طالما حصل عليه من طريق مشروع، لكن هناك أولويات اجتماعية ودينية لابد أن يعيها الجميع وهذا ما أكده علماء جامعة الأزهر الذين شددوا على ضرورة توجيه أموال تكرار العمرة والحج لمساعدة الفقراء والمساكين والمساهمة في أعمال الخير والدعوة وتنمية المجتمع.. وفى السطور التالية أرائهم بالتفصيل:

قال علي محمد, إن القرار مهم وتأخر اتخاذه وهو لا يمنع أداء العمرة ولكن ينظمها ومجتمعاتنا في أمس الحاجة إلى التعاون والمشاركة في تحمل المسئولية، والاقتداء بالرسول صلى الله عليه وسلم في حرصه على مساعدة الفقراء والمحتاجين، ومن المهم أن نلتزم جميعاً بهذه القيم حتى نجتاز المحنة التي بتعرض لها الوطن.

وأيد عبد المنعم حسن, القرار، مؤكداً أن مصر بلد الأزهر الشريف ويجب الالتزام بتعاليم الشرع وما يحض عليه من إيثار وحب لفعل الخير وتوجيه الأموال لخدمة الناس وإصلاح المجتمع لتحقيق التكافل الاجتماعي.

ويقول محمد عبد الحميد: رحلة العمرة تتكلف حالياً آلاف الدولارات، وهذا المبلغ يكفي لعلاج عدد من المرضى ومساعدة الأسر الأكثر فقراً أو المساهمة في تجهيز فتاة لا يستطيع والدها تجهيزها، ولهذا ارفض تكرار العمرة واعتبر الإنفاق على أوجه الخيرات الأخرى أفضل وأكثر أجراً وثواباً لصاحب المال لأنه إنقاذ لحياة إنسان أو تخفيف معاناته وأسرته.

أكد الدكتور محمود الصاوي، وكيل كلية الدعوة الإسلامية بجامعة الأزهر بالقاهرة، أن مسألة تكرار العمرة قضية يحكمها فقه الأولويات وفقه الموازنات، ومن يكررون العمرة  يتكئون على سند قوى وهو قول النبي- صلى الله عليه وسلم:” العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما “، مبيناً أن العمرة ليست وحدها مكفرات الذنوب، فهناك مكفرات يومية للذنوب أقوالا وأفعالا مثل الذكر والدعاء وقد صح الخبر عن سيد البشر حينما قال صلى الله عليه وسلم:” من قال أستغفر الله العظيم الذي لا إله إلا هو الحي القيوم وأتوب إليه غفر له وإن كان قد فر من الزحف “، وكذلك قوله- صلى الله عليه وسلم:” من قال سبحانه الله في اليوم مائة مرة  يكتب له ألف حسنة أو يحط عنه ألف سيئة “، وهذه الأقوال لا تستغرق دقائق معدودة لكن ثوابها عظيم لمن يدرك قيمتها ويوفق لقولها.

ويضيف “وكيل كلية الدعوة” انه ورد عن النبي- صلى الله عليه وسلم- بخصوص المكفرات من الأفعال، قوله:” ما من عبد يذنب ذنبا فيتوضأ فيحسن الطهور ثم يقوم فيصلى ركعتين ثم يستغفر الله لذلك الذنب إلا غفر الله له “، وكذلك قوله- صلى الله عليه وسلم:” الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة ورمضان إلى رمضان مكفرات لما بينهن إذا اجتنبت الكبائر “، وقوله أيضا:” ما من مسلمين يلتقيان فيتصافحان إلا غفر لهما قبل أن يفترقا “، فرغم أن هذه أفعال بسيطة إلا أنها تعد كنوز عظيمة لمن أراد أن يغفر الله له ويتقرب إليه بهذه الأعمال التي يؤجر عليها ويغفر الله له بها ذنوبه ويفرج كربه.

ويؤكد “الصاوي” أن الهموم التي تصيب الإنسان  والضيق الذي يحدث له يجعله الله سببا لتكفير ذنوبه لقوله- صلى الله عليه وسلم:” ما يصيب المؤمن من وصب ولا نصب ولا هم ولا حزن ولا غم ولا أذى حتى الشوكة يشاكها إلا كفر الله بها من خطاياه “.

فقه الأولويات

وطالب “وكيل كلية الدعوة” بضرورة فهم وتطبيق فقه الأولويات عند كل مسلم حتى يعرف كيف يرتب واجباته ويؤدى ما عليه من حقوق، وينظم احتياجاته وغاياته مع مراعاة تقديم الأولى فالأولى من الأعمال فذلك يعينه على الخروج من الحيرة والتردد حيث تجعله هذه الثقافة يضع كل شيء في مرتبته فلا يكبر الصغير ولا يصغر الكبير ويكون نافعا لكل من حوله, موضحا أن الشريعة الإسلامية مرنة ويسيرة، فقد قدمت الفرض على النافلة وحتى الفرائض بينها تفاوت، فهناك فروض الأعيان وفروض الكفايات, فمثلا في باب الصدقات هل الأولى بالمسلم أن يقدم الصدقة علانية أمام الناس أم يخفيها؟ فهنا قال الله تعالى:” إن تبدو الصدقات فنعما هي وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم ويكفر عنكم من سيئاتكم والله بما تعملون خبير “، ففي الآية دلالة على أن إخراج الصدقة سرا أفضل من إظهارها لأنه أبعد عن الرياء إلا إذا ترتب على الإظهار مصلحة راجحة مثل إقتداء الناس فيكون أفضل من هذه الحيثية.

أوجه الخير

وتسأل د.الصاوي وكيل كلية الدعوة: لماذا لا يبحث كل معتمر للمرة الثالثة أو الرابعة والعاشرة  عن فتاة في قريته أو شاب غير مقتدر على الزواج ويقدم لهم المساعدة على العفاف والإحصان ويسهم في بناء أسرة مسلمة؟، وواصل قائلاً: لا أفهم كيف يترك مرضى الكبد والسرطان والفشل الكلوي فريسة لهذا المرض اللعين، وهناك من يمتلك من الأموال التي تمكنه أن يقدم لهم العلاج ويكون سببا في شفائهم بدلا من تكرار العمرة ناهيك عن القرى المحرومة من المياه النظيفة والتي أصيب أهلها بشتى أنواع الأمراض وتسبب ذلك في موت الأطفال والرجال، لماذا لا يقوم بتحمل تكاليف توصيل المياه النظيفة لها ويحصد الثواب العظيم من الله عز وجل؟،  فأوجه الخير كثيرة لمن أراد أن يفعله بإخلاص.

واتفق معه في الرأي الدكتور منصور على السمالوسى، أستاذ الحديث بجامعة الأزهر، وقال: الحج ركن من أركان الإسلام للمسلم البالغ القادر. أما العمرة فهي سنة مؤكدة يمكن أن يؤديها الإنسان مرة واحدة في العمر، وممكن أن يتابع بين العمرة والعمرة لكن بشرط أن يؤدى حقوق الفقراء والمساكين بإخراج الزكاة فلا يصح أن يعتمر المسلم ولم يخرج زكاة ماله.

وأضاف أستاذ الحديث بجامعة الأزهر: ليس من المقبول أن تمر البلاد بهذه الظروف الاقتصادية العصيبة ويوجد بيننا من لا يجد قوت يومه، ومن يعجز عن توفير السكن لأسرته ومن يعانى من الفقر الشديد ويقوم البعض بإنفاق آلاف الجنيهات بتكرار العمرة وتتابع الحج، فمن باب الإحسان والبر وإخراج حق الفقراء أن توجه هذه الأموال لحل مشاكل الناس، ومد يد العون لهم ومساعدة الدولة على استكمال خططها الاقتصادية لتغيير وجه المجتمع للأفضل.

التجارة مع الله

وأعرب الدكتور المحمدي عبد الرحمن، الوكيل السابق لكلية الدراسات الإسلامية والعربية بجامعة الأزهر، عن اندهاشه من قيام بعض المسلمين بأداء الحج والعمرة كل عام وما يترتب على ذلك من زحام شديد بالأراضي المقدسة وتساقط الناس صرعى من شدة هذا التزاحم، موضحا أن الأولى بهؤلاء المعتمرين أن يحسنوا التجارة مع الله عز وجل وأن يعرفوا فقه الأولويات الذي غاب عن الكثير منا، ويعلموا جيدا أنهم لو وجهوا هذه الأموال الكثيرة في إقامة المشروعات الخيرية لمساعدة الفقراء والمساكين أو توجيه أموالهم في نشر الدعوة الإسلامية ومواجهة دعاة الإلحاد والتطرف لكان أولى لهم من تكرار نافلة العمر والحج ذاته.

وأشار إلى ضرورة أن يقوم المسلمون الذين يتطوعون سنويا بالحج والعمرة برصد هذه الأموال الطائل لإقامة المشروعات الخيرية أو كفالة الأسر الفقيرة فهو أولى لهم من تكرار الحج والعمرة، وإن كان ولابد من التكرار فليكن كل خمس سنوات فهم بذلك يكونوا قد أفسحوا المجال لغيرهم من المسلمين الوافدين من شتى بقاع الأرض وساعدوا على تخفيف الزحام وإيذاء غيرهم كما يكونوا قد مدوا يد العون للفقراء والمحتاجين ولن ينتقص هذا من ثواب العمرة طالما أن النية موجودة.

المشهد العظيم

أكد الدكتور أحمد عشماوي، أستاذ التفسير بجامعة الأزهر, أن العبادات تعود بأثرها الطيب على الإنسانية، ولا يوجد ما يمنع من تقنين أداء الحج والعمرة، فمعلوم أن إغاثة الملهوف ومساعدة المحتاج أفضل من النافلة وتكرار العمرة والحج، ويقول الرسول صلى الله عليه وسلم:” أحب الناس الي الله تعالى انفعهم للناس، وأحب الأعمال إلي الله تعالى سرور تدخله على مسلم، أو تكشف عنه كربه أو تقضي عنه دينا، أو تطرد عنه جوعا، ولأن أمشي مع أخ في حاجة أحب إلي من أن اعتكف في هذا المسجد- يعني مسجد المدينة- شهرا”

وحذر من التفاخر بأداء الحج والعمر، وقال: إن البعض يحرص على التباهي بأنه يذهب كل عام لأداء العمرة وربما يعتمر أكثر من مرة في العام الواحد، وهؤلاء يدخلون بكلامهم وأفعالهم إلى منحدر الفخر والرياء ناسين أو متناسين أن الله غني عن هذه الأفعال، والغريب انه عندما تذكيرهم بضرورة توجيه أموالهم  للفقراء واليتامى والمحتاجين ودور العلم والمستشفيات ولسد حاجات المسلمين يمتعضون ويصرون على تكرار العمرة.

وشددد. أحمد” على أهمية الاقتداء بالرسول-صلى الله عليه وسلم- والصحابة رضوان الله عليهم، ورعايتهم للمحتاجين والفقراء وذوي الحاجات، والحرص على العطاء والبذل لهم  مصداقاً لقوله تعالى:” فلا اقتحم العقبة وما أدراك ما العقبة فك رقبة أو إطعام في يوم ذي مسغبة يتيما ذا مقربة او مسكينا ذا متربة”.

التباهي والتفاخر

ويوضح الدكتور أسامة أمين، بكلية أصول الدين جامعة الأزهر، أن ظاهرة تكرار الحج والعمرة انتشرت بكثرة, ووصل الأمر إلى التباهي والتفاخر بعدد مرات الذهاب لقضائها، دون مراعاة لمشاعر آلاف من البشر ممن لم يتمكنوا من أداءها لضيق حالهم وكثرة مسئولياتهم، وممن لا يجدون ما يكفيهم من مأوى وغذاء، في ظل ظروف الغلاء في الأسعار التي نعيشها جميعاً.

ويؤكد أن الصدقات وفعل الخيرات أفضل من تكرار النافلة، وعلينا أن نبذل المال في سبيل الله  تعالى ورضاه، وأن نحرص على مراعاة الأولويات والظروف وسد حاجة الفقراء والمساكين، وعدم المزاحمة والإضرار بكبار السن والعجزة بتكرار العمرة.

 

 

 

 

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

handjob-hd.net
إغلاق
التخطي إلى شريط الأدوات