sliderالحوارات

الشيخ على الحرايرى: مهنة العلاج بالقرآن الكريـم.. فتنـة كبرى

الدول المتقدمة تأخذ بالعلم.. والمتخلفة تأخذ بالدجل

أجري الحوار: إبراهيم نصر

فضيلة الشيخ على الحرايرى أحد علماء الأزهر الشريف، ويعمل إماما وخطيبا بأحد المساجد الكبرى بمدينة أبو كبير شرقية، ويرأس فضيلته فرع الجمعية الشرعية بالمدينة نفسها.

فضيلة الشيخ الحرايرى أخذ الدعوة إلى تجديد الخطاب الدينى مأخذ الجد، وفهم منها ضرورة التعامل مع الظواهر السلبية فى المجتمع أولا بأول حتى لا ترسخ فى أذهان الناس على أنها حقاىق، ولعلك لاحظت عزيزى القارئ في الآونة الأخيرة على الفضائيات وفى الأعمال الدرامية  برامج ومسلسلات تروج لخرافات عن الجن والعفاريت وحرق الجن لبعض البيوت، واستغلال هذه الظواهر ممن يَدَّعُونَ العلاج بالقرآن الكريم، وظهورهم على بعض  الشاشات ويَدَّعُونَ قدرة هائلة للعلاج والشفاء.. مستغلين الجمهور العريض من الشعب المصرى استغلالا سيئاً، وكأن هناك حملة شرسة منظمة لتغييب العقل، لأن العقل إذا غاب استطاع أصحاب هذه الحملة أن يسيطروا عليه، فضلاً عن الاستيلاء على أموال المصريين وعقيدتهم.

فضيلة الشيخ على الحرايرى يرى أن هؤلاء يريدون تخريب العقل المصرى في أبشع صورة إجرامية تتم عبر الإعلام والفضائيات، لذا التقينا فضيلته وكان لنا معه هذا الحوار:

هل تتفق معنا فى أن التركيز الإعلامى على ظواهر الدجل والشعوذة والعمل بما يسمى العلاج بالقرآن الكريم كمهنة، يصب فى جانب تغييب العقل، وترسيخ مفاهيم مغلوطة لا تتفق مع أصول الدين الإسلامى الحنيف؟ وكيف تعاملت مع هذه الظاهرة؟.

** اتفق معكم تماما، وقد اجتهدت فعلا  فى التصدى لهذه الحملة الشرسة عن طريق أكثر من خطبة في هذا الموضوع الذى يؤرق الكثير من المصريين، وأيضا راجعت كل الأحاديث الواردة فى البخارى ومسلم، وكتب السنن الأخرى التى تناولت قضية الطب النبوى والرقية الشرعية، وقمت بشرحها جميعاً في درس الاثنين والأربعاء في مسجد أبوالسيد التابع لإدارة أوقاف أبوكبير شرق.

وأخيراً حدثت نفسى بكتابة هذا الموضوع في بحث لعله يكون نواه لكتابة أبحاث أخرى يستعين بها إخوانى وزملائى من أئمة الأوقاف في خطبهم ودروسهم.

وكيف وجدت تناول الأحاديث النبوية لهذه القضية؟.

** لقد حَذر الرسول صلى الله عليه وسلم من الدجل والدجالين الكذابين الذين يبيعون الأوهام للناس باسم الدين، وكأنهم أقسموا فيما بينهم على أن يتركوا هذا المجتمع جثة هامدة، وذلك بتخديره وسلب عقله ووعيه، وسلب أمواله بل استحلال ماله وعقله وعرضه ودينه باسم العلاج بالقرآن وباسم الرقية الشرعية فاحذروا احذروا أيها المصريون من هذا الدجل، ومن أولئك الدجالين والمشعوذين.

 بالعلم .. لا بالدجل

وقد جاء الإسلام بالعلم لا بالخرافة، فرسالة محمد صلى الله عليه وسلم، رسالة علم وإيمان ولا مجال فيها للخرافة ولا الشعوذة، فالدول المتقدمة تأخذ بالعلم.. والدول المتخلفة تأخذ بالدجل.

 بضاعة رائجة

هل ترى فضيلتكم أن بضاعة الدجل والشعوذة رائجة بيننا؟.

** إن هناك مرضا عضالاً أعتبره “سرطان العصر” ينخر في عظام الأمة، إنه مرض الجهل والدجل والخرافة والشعوذة، وصارت الخرافة بضاعة رائجة ندفع حياتنا ثمنا لها. أما العلم فأصبح بضاعة راكدة، فالغالبية العظمى هجروا العلم: ” وَقَالَ الرَّسُولُ يَارَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا” (الفرقان: آية30)

فى حين  أول آية في القرآن الكريم (اقْرَأ..)

ومن آفات مجتمعاتنا العربية الوقوع بين رذيلتى التهويل والتهوين فنضخم الحديث عن الجن والشياطين ونهون من الله والملائكة. الكثير من الذين يعالجون بالقرآن يضخمون من شأن الجن والشياطين والسحرة والعفاريت والكثير من المروجين يضخمون من قدرة الجن والعفاريت على اختراق بدن الإنسان وحرق البيوت وسرقة الأموال مع أنهم لا يملكون هذه القوة، فقد كان الجن قبل مجئ النبى صلى الله عليه وسلم يتسللون إلى السماء ويسترقون السمع ويقعدون منها مقاعد للسمع فيعلمون شيئاً من الغيب ثم يقوم الجن بإخبار الكهان عن هذا الأمر ويزيدون معها مائة كذبة.

وعندما جاء الإسلام وأُرسل النبى صلى الله عليه وسلم إلى الناس كافة بالرسالة الخاتمة لم يبق للجن دور في التسلل إلى السماء ليسترقوا السمع ويبلغوا الكهان والدليل على ذلك قوله تعالى:   )وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا، وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعْ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَصَدًا، وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا،

 الرقية الشرعيىة

وأين الفتنة فى الرقية الشرعية؟

** المتأمل في ألفاظ الرقية الواردة في السنن: كل رقية منها لا تتجاوز سطراً أو بضعة أسطر، فكم تستغرق قراءة هذه الرقية على المريض من الزمان؟ فما الذى يفعله الراقون عندما يرقون المريض ويجلسون ساعات طويلة معهم أو معهن؟!!! فعندما أقول فتنة العلاج بالقرآن أقصد الممارسات الخاطئة التى يقوم بها المعالجون من حيث الألفاظ الواردة في السنة فلا يلتزم بها المعالجون ولا يلتزمون بهذه الدقيقة لعلهم يجلسون ساعات طويلة طمعاً في اللبن والعسل والأجرة وكله باسم الدين ولا يلتزمون بالمكان فالمكان في أى مكان ولكنهم خصصوا أمكنةً ومراكز وشققاً وعيادات أطلقوا عليها “اسم العلاج الروحانى” أو “العلاج بالقرآن” أو “عيادات الطب النبوى”.

   ليس تشريعا

هل ما ورد فى شان الطب النبوى يعد تشريعا لا ينبغى تجاوزه؟

** ما ورد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في شئون الطب لا يعد تشريعا .. وقد كتب د. عبدالمنعم النمر في كتابه في رحاب السنة (السنة والتشريع): ما صدر عن الرسول صلى الله عليه وسلم بصفته البشرية أو بحكم التجارب كأمور الطب وغيرها لا يعد تشريعاً إنما هو من الشئون البشرية التى ليس مسلك الرسول صلى الله عليه وسلم فيها تشريعاً ولا مصدر تشريع يعنى أنه خاص بوقته وظرفه ولسنا مدعوين إلى محاكاته والعمل به، وقاله أيضا المرحوم الشيخ محمود شلتوت والمرحوم الشيخ على حسب الله.

ولابن خلدون كلام عن الطب وأحاديثه المنقولة  عن الرسول صلى الله عليه وسلم قدمه بكلام عن طب البادية فقال في مقدمته عن علم الطب، “وللبادية من أهل العمران طب يبنونه في غالب الأمر على تجربة قاصرة على بعض الأشخاص ويتداولونه متوارثاً عن مشايخ الحى وعجائزه وربما يَصِحُّ منه البعض إلا أنه ليس قانون طبيعى ولا عن موافقة المزاج. وكان عند العرب من هذا الطب كثير. وكان فيهم أطباء معروفون كالحارث بن كلَدَة.

والنبي صلى الله عليه وسلم بُعِثَ ليعَلِّمنا الشرائع، ولم يُبْعثْ لتعريف الطب ولا غيره، وقد وقع له في شأن تلقيح النخل ما وقع فقال: “أنتم أعلم بأمور دنياكم”. فلا ينبغى أن يحمل شئ من الذى وقع من الطب الذى وقع في الأحاديث الصحيحة المنقولة على أنه من الشرع. ولو كان النبى صلى الله عليه وسلم يطبب الناس ويصف لهم الدواء بناء على وحى من الله لأمره الوحى بعلاج سعد بن أبى وقاص ولم يضطر الرسول صلى الله عليه وسلم تحويله إلى غيره ممن اشتهر بالطب.

فتنة العلاج بالقرآن

وماذا عن المعالجين بالقرآن الكريم، ولماذا اعتبرت ذلك فتنة كبرى؟.

** نعم .. العلاج بالقرآن فتنة كبرى  وخرافة خدع بها كثيرون من الناس وروج لها المشعوذون، وأذكر أننى كنت في السويد سنة 2012م فأهدانى أ.د. أنيس مالك الراوى كتابه في ظلال الملكوت عدد صفحاته 837 صفحة وكان قائماً بأعمال السفير العراقى في دولة السويد، وعندما قرأت هذا الكتاب لفت نظرى عنوان في ص316 : “العلاج بالقرآن خرافة………”

أما التقرير الذى وضعته لجنة من كبار العلماء فيؤكد أن العلاج بالقرآن الكريم في عصرنا الحاضر خرج عن معناه في عصر الرعيل الأول والسلف الصالح رضوان الله عنهم فقد كان الواحد منهم يؤثر أن يموت جوعاً على أن تتلوث يده بخبيث أو يتدنس بدنه بمحرم، وكان يترك ما فيه شبهة حتى تبرأ نفسه ويرتاح ضميره، أما اليوم والكلام للتقرير فقد أصيبت العقيدة بالوهن والأخلاق الفاسدة والذمم بالخراب والنفوس بالشبهات وأصبح القابض على دينه كالقابض على الجمر. لقد تمتع السلف الصالح بالطهر والنقاء والقرب من الله يتجلى ذلك حينما أنكر الناس الرقية في عصرنا فقيل له ألم يكن عمر بن الخطاب يرقى بالفاتحة فقال الفاتحة موجودة ولكن أين عمر؟

وماذا عن خرافة دخول الجن جسد الإنسان؟.

** القول بأنه يمكن للجن أن يدخل جسم الإنسان فهذا مستحيل شرعاً وعقلاً ومنطقاً وهذه الظاهرة من هوس المشعوذين نسجته أخيلتهم لاستنزاف أموال الناس بالباطل وتحقيق الأرباح الفاحشة فإن الإنسان حين تقوم لديه قناعة بأن جنياً كان بداخله يقتله الخوف والهلع ويبذل كل ما في وسعه من غال ونفيس لإخراج ذلك الجنى المزعوم وهذا ما تنتظره بفارغ الصبر جيوب الدجالين والمشعوذين، ومن هنا تبدأ معاناة الإنسان فهل من المعقول أن يعطى الله الجن سلطاناً بدخوله في بدن الإنسان يتحرك فيه يأكل ويشرب وينام معه كأن بدن الإنسان فندقٌ ينام فيه الجنى ويتخذه مكانا لمعاشه هو وذريته؟ أين عقولنا أين قلوبنا؟ أما آن للقلوب والعقول أن تعى؟ أما لهذا الهوس الدينى من حدود فهذه آخر حدود الهوس الدينى!؟؟

 

مقالات ذات صلة

إغلاق