sliderالحوارات

الشيخ عبدالحميد الأطرش: رخصة الإفتاء صعبة التنفيذ

رئيس لجنة الفتوى الأسبق بالأزهر متحدثا مع "عقيدتى"

الدكتوراه ليست مؤهِّلا للإفتاء.. لدينا أميّة دينية بنسبة٩٥٪

نحذِّر الباحثين عن الأضواء..  حب الظهور يقسم الظهور

فتوى المشاركة الانتخابية ليست سياسية

حوار: سمر عادل

إن الله يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن، والفتوى في حد ذاتها تكليف ليست تشريفا، والمفتي هو الموقِّع عن الله عز وجل، وللفتوى دورها وأثرها البالغ في حياة الفرد والجماعة، ولكننا نشاهد في الآونة الأخيرة أن الفتوى أصبحت لكل من هب ودب، كل من قرأ كتابا أو بعض كتاب، ظن أنه أصبح مؤهلا للفتوى فيفتي وهو لا يدري خطورة هذا العمل، مع أن الفتوى في حد ذاتها لها من الخطورة ما لها، فلقد كانت الفتوى تعرض على أكثر من ثلاثمائة صحابي فكان يخشاها ويعمل لها ألف حساب لأن المفتي آنذاك كان يعلم خطورة فتواه، وأنه هو الموقع عن الله عز وجل، لذا لم يجرؤ واحد من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أن يتجرأ على الفتيا بغير علم خوفا من قول النبي صلى الله عليه وسلم: “أجرؤكم على الفتيا أجرؤكم على النار” لذلك كان الصحابة والسلف الصالح يعرفون قيمة الفتوى حيث ثبت أن أحد الفقهاء سئل في بضع وثلاثين مسألة فأجاب عن ثنتين وقال عن الباقي: لا أدري. ومن بين كلام الإمام مالك المشهور: من قال لا أدري فقد أجاب. من هنا تأتي أهمية هذا الحوار مع الشيخ عبد الحميد الأطرش، الرئيس الأسبق للجنة الفتوى بالأزهر.

من الذي يتصدى للإفتاء؟

** ينبغي على العامة التأكد ممن يتلقّون منهم الفتوى، فليس كل إنسان يصلح لأن يصدر فتوى لأن المفتي له شروط من بينها ، أن يكون على تقوى وورع من الله عز وجل، وأن يكون دارسا لأقوال الأئمة والمجتهدين عالما باللغة ،ودارسا لسنة النبي صلى الله عليه وسلم حافظا للقرآن، وفوق كل ذلك أن يكون المفتي عالما بنفسية المستفتي ،وربما تصلح فتوى لفرد من الناس ولا تصلح لآخر، فعلى سبيل المثال: جاء رجل إلى سيدنا عبدالله بن عباس وسأله: هل للقاتل من توبة؟ فأجاب بقوله: لا، فجاءه رجل آخر، وقال: هل للقاتل من توبة؟ قا : نعم. فقيل لابن عباس: السؤال واحد والإجابة مختلفة تماما: قاتل ليس له توبة، وقاتل له توبة! فقال: الأول جاء متوشِّحا سيفه، والغدر في عينه، ويسأل: إن كان للقاتل توبة ذهب وقتل، ثم رجع وتاب، فحينها قال له: ليس للقاتل توبة، فأراد أن يسد في وجهه باب قتل سيحدث، أما السائل الثاني فقتل حقيقة وجاء نادما يسأل عن التوبة، وباب التوبة لا يُغلق في وجه أحد من الناس، فقال له: نعم للقاتل توبة.

ولذلك ينبغي على الناس أن يكونوا أكثر وعيا بأن ليس كل إنسان مؤهل لأن يسأل، وهنا أذكر واقعة حدثت معي شخصيا حيث كنت أسير في يوم من الأيام ومعي بعض رفاقي فقابلنا رجل في الشارع وقال: أنتم علماء أم مشايخ؟ تبسّمنا وسألناه: لماذا تسأل هذا السؤال؟ فأجاب: إن كنتم علماء أسأل سؤالا، أما إن كنتم مشايخ “يبقى مع السلامة”.

هذا الإنسان عنده وعي لأن بعض الناس يرتدون الزي الأزهري ويعتبرون ارتداءه وسيلة تكسّب فيأتيهم شاب يسأل عن الطلاق فيفتونه بغير علم، وآخر يسأل عن الرضاع فيفتونه بغير علم وهكذا، ونحن نعلم أن الفتوى ليست عملا هيّنا بل هي من أخطر الأعمال، وسيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: إذا زلّ عالِم (بكسر اللام) زلّ بِزِلَّته عالَم (بفتح اللام).

عقوبة الأدعياء

أترى ضرورة معاقبة المتطفلين على الفتوى؟

** أي دخيل في مجال غير تخصصه يعاقب قانونا فمثلا حكومتنا حينما تجد شخصا يرتدي بدلة ضابط شرطة مثلا وهو ليس بضابط تدخله غياهب السجون، وحينما تضبط شخصا يضع في أذنه سماعة طبيب ويعالج مرضى وهو ليس بطبيب تدخله أيضا غياهب السجون، أما إذا وجدت إنسانا يفتي بغير علم فالأمر عادي لأبعد الحدود رغم أن الضابط إذا أخطأ فخطؤه محسوب عليه، وكذلك الطبيب، أما المفتي فبخطئه يخطئ الكثيرون.

جريمة إعلامية

من المسئول عن انتشار هذه الفوضى في الإفتاء؟

** إعلامنا هو المسئول عن ذلك، حيث نجد بعض القنوات الفضائية أو الاستثمارية كما أطلق عليها تستضيف كل من هب ودب يتربع على الشاشة ويسأل ويجيب وربما إجابته يجانبها الصواب تماما، ولهذا على القناة الإعلامية التي تستضيف علماء أن تتأكد من مؤهلاتهم الدراسية وخبراتهم العلمية، فمثلا: من الذي أخرج ميزو وأمثاله على الشاشة؟ إنه الإعلام رغم أنه مطالب قبل نشر أي فتوى أن يقوم بعرضها على المتخصصين ممثلين في : مجمع البحوث الإسلامية ودار الإفتاء المصرية ولجان الفتوى المنتشرة بجميع مناطق الوعظ المنتشرة بالمحافظات، فإن أقرها المتخصص تنشر، وإن أنكرها تدفن في مهدها

نموذج عملي

نريد نموذجا توضيحيا؟

** مثلا قرأت في إحدى الصحف أن أحدهم يقول: تدخين سيجارة أو سيجارتين في رمضان لا يُفطر، فقمت بالرد عليه في نفس الصحيفة وكتبت مقالا بعنوان: (خدعوك فقالوا: التدخين لا يُفطر). نفس الشخص كان قد أصدر فتوى بأنه يجوز للشاب أن يقبل الفتاة في الحرم الجامعي لأن هذه القبلة من الصغائر ولا شئ فيها، والقرآن الكريم ينهانا عن ذلك، قال تعالى: (قل إنما حرَّم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحق وأن تشركوا)، فهذا الرجل اعتبر القُبلة من اللمم ونسي أنها هي الرسول بين الرجل وزوجته، وسمعت شخصا آخر يفتي بأن الصلاة داخل الحمام جائزة وهو لا يعلم أن الحمام لو فرش بسجاد أعجمي لن يخرج عن كونه حماما، وثالث طالب بإقامة كعبة في شمال سيناء بحجة أن جبل الطور كلم الله عليه موسى عليه السلام. لذلك فإن صدور قانون يتصدى لمن يفتي بغير علم من أنجح الخطوات التي تجعل كل إنسان يفكر ألف مرة قبل أن يفتي، ويعلم جيدا أنه إن قال لا أدري فقد أجاب.

رخصة إفتاء

هل تؤيد فكرة إصدار رخصة للأشخاص المؤهلين للإفتاء لقطع الطريق على غيرهم؟

** فكرة الرخصة صعبة التحقيق، لأننا لن نتمكن من إعطاء رخص لكل المستحقين، وقد شاهدنا ما حدث بعد إطلاق لجنة المفتين التي يتكون معظم أعضائها من شباب حديث العهد يطلق على كل منهم الدكتور فلان، والحقيقة أن الدكتوراه رسالة علمية لا تؤهل صاحبها للفتوى، إنما العلم يأتي بالتعلم. ولو قسمنا الأسماء التي استقر عليها الأزهر واعتمدها للإفتاء على المائة مليون مواطن، فكم سيكون نصيب الفرد من المفتين؟ ولو أراد مواطن من البحيرة مثلا أن يسأل سؤالا هل يتوجب عليه الذهاب للقاهرة من أجل ان يجد مفتيا يجيبه عن سؤاله؟

تقنين الفتوى

كيف نقنن الفتوى ونقصرها على أصحابها من المؤهلين لها؟

** عن طريق معاقبة كل من يفتي فتوى دون أن يكون متخصصا بالعقوبة الزاجرة والمانعة له من تكرار فعلته، ويحضرني هنا فتوى لم استرح لها مطلقا حيث باع شخص في أحد الأيام قطعة أرض ، وبعد أن باعها قام ببيعها مرة أخرى فتم عقد جلسة عرفية تم على إثرها تجريم من باع مرتين وترتب على فعلته نشوب نزاع بين المشتري الأول والثاني لدرجة أنهما كادا يقتلان بعضهما البعض، وانتهت الجلسة إلى إلزام من باع مرتين بدفع جزء من ماله كتعويض للمتضرر، فإذا بأحد المشايخ يفتي بأنه ما كان ينبغي أن يتم حل المشكلة بهذه الطريقة، بل كان الأفضل ترك المتنازعين يقتلان بعضهما!

من هنا ننبّه إلى خطورة الفتوى وما يترتب عليها من آثار، ونحذر العلماء والمشايخ من أن حب الظهور يقسم الظهور ونقول لمن يفتي من اجل فرقعة إعلامية: تأكد ان هذه الفرقعة ستكون سببا في تدميرك.

تغيّر الفتوى

الفتوى تتغير بتغير الزمان والمكان، فكيف نتعامل مع الفتاوي التي انقضى زمانها ومكانها؟

** ينبغي أن تكون الفتوى مواكبة للعصر بشرط ألا يكون بها مساس بثوابت الدين والعقيدة الإسلامية، فهناك أمور لم تكن موجودة في عهد النبي- صلى الله عليه وسلم- مثل الطائرات والدبابات وغيرها، هل نقول عنها الآن إنها حرام لأن النبي لم يستخدمها؟ بالطبع لا، كذلك كانت هناك مسائل وحالات موجودة في عهد النبي ولم تعد موجودة الآن مثل المؤلفة قلوبهم، والرقيق وغيرها.

لذلك حسنا فعلت دار الإفتاء المصرية عندما اعتبرت الوديعة البنكية التي يعيش الفرد على ربحها كالارض الزراعية وتعامل معاملة غلة الأرض في الزكاة بإخراج ١٠٪ على أرباحها ففي هذا تيسير على المسلمين باجتهاد لا يمس العقيدة.

حذف فتاوى

تردَّدت أنباء عن قيام دار الإفتاء المصرية بحذف ما يزيد عن خمسمائة فتوى قديمة من سجلاتها نظرا لعدم مواكبتها للعصر فهل يعد الحذف حلا امثل في رأيكم؟

** حتى لو حُذفت هذه الفتاوى فهي ليست مقصورة على دار الإفتاء، بل إنها موجودة بمجلدات كبيرة متداولة بالمكتبات ولدى الأفراد أيضا، ويدرك العلماء المتخصصون جيدا أسباب وظروف إطلاقها.

أمور شكلية

رغم التطور الذي نشهده في كل مناحي الحياة لماذا مازالت أسئلة كثير من الناس تنحصر في أمور شكلية كاللحية وطول الجلباب وغيرها؟

** هذا نتاج الأمية التي يعيشها الناس، نحن نسمع كثيرا عن محاربة الامية، لكننا في الحقيقة نعيش حالة أمية دينية تصل إلى ٩٥٪ بحيث يكون الفرد حاملا مؤهلات علمية كبرى وهو لا يحسن الوضوء، ولا الغسل ولا أبجديات الدين فيبدأ في طرح أسئلة قتلت بحثا على غرار اللحية التي اختلف العلماء حولها لدرجة أن وصفها الإمام الغزالي بأنها سنة عادة، وكذلك تطويل الجلباب ، فمن المعروف أن المسبل( أي من يطيل جلبابه) صلاته مكروهة لأن وصول الجلباب للأرض يجر معه نجاسات، لكن للأسف الشديد التدين الشكلي أصبح سمة عند معظم الناس.

هلك المتنطّعون

أليس من واجب من يتصدى للإفتاء أن يوجه المستفتي لطرح الاسئلة التي تنفعه في دينه؟

** عندما تعرض علينا أسئلة كهذه نقوم بسؤال المستفتي: ما هدفك من طرح السؤال؟ وهل الجهل بإجابة هذا السؤال سيضرك؟ لكن صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قال: (هلك المتنطعون) أي المتشدّدون.

وأذكر هنا سؤالا طريفا وجهه شخص لأحد المشايخ: ما اسم النملة التي كلَّمت سيدنا سليمان؟ فاجابه الشيخ: اسأل عنها بالسجل المدني!!

فتاوى الانتخابات

اعتبر البعض الفتوى التي أطلقتها دار الإفتاء المصرية بشأن وجوب المشاركة في الانتخابات الرئاسية نوعا من خلط الدين بالسياسة، فما رأيكم؟

** فتوى دار الإفتاء بشأن المشاركة الانتخابية ليست سياسية بل دينية  تنطلق من فكرة أمانة الكلمة والصوت، فالإحجام عن الإدلاء بالصوت خيانة، والنبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا يكن أحدكم إمَّعة إذا أحسن الناس أحسن معهم، وإذا أساءوا أساء معهم)، ودار الإفتاء لم توجه أحدا للإدلاء بصوته لمرشح بعينه، بل حثّت الناس على المشاركة بانتخاب من يرونه الأصلح، وفي هذا تأكيد على أهمية الإدلاء بالصوت في حد ذاته.

 

 

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

إغلاق