sliderالحوارات

الدكتور عثمان الخشت: الخطاب الدينى التقليدى تحكمه أفكار رجعية

رئيس جامعة القاهرة متحدثا إلى "عقيدتي":

يجب تغيير منظومة القيم حتى يصبح لدينا “أخلاق التقدم”

الفصل بين الإيمان والعمل .. وعدم الربط بين الأعمال الدنيوية والجنة .. السبب وراء الفساد

المفكرون فشلوا في حشد طاقات الأمة .. ونتخبط في مواجهة التحديات

العلماء استنفدوا جهدهم في بناء النظريات .. وعجزوا عن ترسيخ فلسفة الفعل والانجاز

العقل العربي والإسلامي مازال حائراً بين التراث والمعاصرة 

يجب تجديد فهم المسلمين للدين عن طريق ثورة في التعليم والإعلام

حوار: د.عمرو أبو الفضل

المفكر الدكتور محمد عثمان الخشت، أستاذ فلسفة الأديان والمذاهب الحديثة والمعاصرة ورئيس جامعة القاهرة، منارة بارزة في المشهد الثقافي والفكري والعلمي، ارتبط اسمه بالبحث العميق في التراث الإسلامي والفكر الغربي، وله بصمته المتفردة على جدر الفلسفة والحداثة وأصول الدين والشريعة ومقارنة الأديان وتطور الفكر الإنساني والمنهج العقلي والوسطية والنهضة.

وهو صاحب مشروع للتغيير الجذري والتقدم، ونقد ورفض الجمود والانغلاق والتقليد عبر نصوص “فلسفة الأديان”، و”الفلسفة الحديثة والمعاصرة”، و”تطور الأديان”، و”العقائد الكبرى”، و”المعقول واللامعقول في الأديان”، و”الاستشراق في عصر الأيديولوجية”، و”المجتمع المدني”، و”الدولة العالمية والدولة القومية”، و”فلسفة المواطنة وأسس بناء الدولة الحديثة”، و” العقلانية والتعصب”، و”الإسلام والغرب”، و”الإسلام والعلم”، و”الخطاب الديني”، و”تطوير الخطاب الديني”.

وفي حوارنا معه، أكد أن الإسلام دين السلام والتعايش السلمي والحوار والتعددية والتآخي والعدل والقيم الإنسانية، مضيفاَ أن تعاليمه السمحة ترفض التعصب والتطرف والعنف والإرهاب، وتحض على التعاون والرحمة والتواصل والأخوة الإنسانية.

وقال إن التنظيمات الإرهابية تسعى لبث الفتنة وضرب أسس وركائز الدولة المصرية القائمة على قيم ومبادئ المدنية والديمقراطية والتعددية والمساواة والمواطنة، موضحاً أن المسيحية دين المحبة والتسامح والمودة والسلام لكل البشر، ورسالتها السامية تقف حائط صد ضد هجمة الكراهية التي تستهدف تمزيق نسيج الوطن الإنساني الذي تجسد تراثه العظيم في الوحدة والتماسك والعيش المشترك.

وشدد على أن مصر دولة مدنية ويتمتع فيها جميع أبنائها بكل حقوق المواطنة الكاملة دون تمييز أو تهميش أو إقصاء أو انتقاص، موضحاً أن تقدم مصر وتحقيق نهضتها مرهون بإعلاء منظومة قيم التقدم وأخلاق العمل والمصلحة العامة وتعزيز حقوق الإنسان والانتماء وتدعيم الأمن القومي.

ما تقييمك للمشاريع الفكرية التي قدمها الفكر العربي المعاصر، خاصة فيما يتعلق بقضايا التراث والتجديد ومواجهة تحديات العصر؟

هناك عشرات المفكرين العرب المحدثين قدموا رؤية ومشاريع فكرية سواء في الوطن العربي أو الجانب الشرقي من العالم الإسلامي في ماليزيا والهند وباكستان وإيران، ولعل من أول المشاريع الفكرية لإعادة قراءة التراث مشروع أدونيس، الذي عني بالبحث في منظومة الثقافة العربية وحلل الأصول، وقام بالتأصيل، وتعرض للحداثة وسلطة الموروث الديني، وأكد أن في التراث نتاجات ثقافية تتباين لدرجة التناقض وينبغي عدم البحث فيه، ولكن يتعين البحث في نتاج ثقافي محدد، وتنسى أن الأصيل والدخيل ضروريان معاَ من أجل التقدم، فمن غير الديالتيك بينهما لن يحدث التحول. كما أن الإبداع الكامل ليس ممكناً، فلا توجد شخصية قادرة على الإبداع الكامل في كل عناصر فكرها، فالإبداع يتلازم مع قدر من الإتباع، والثبات والتحول عمليتان متلازمتان ولولا الصراع بينهما لما حدث التقدم. وأيضاً لدينا مشروع حسن حنفي الذي حاول فيه أن يحل إشكالية الأصالة والمعاصرة، ورغم أن مشروعه يدخل في إطار ما يسمى بـ”اليسار الإسلامي”، إلا أن تصنيفه على جبهة اليسار الإسلامي ليس دقيقاً، فمشروعه يضم تركيبه من اتجاهات مختلفة ماركسية، وليبرالية، وعقلانية، وعرفانية، وأصولية وحداثية، وعلمانية، وأيضا العديد من المناهج.

كما سعى طيب تيزيني لإعادة تأويل التراث الإسلامي وتكوين رؤية جديدة للفكر العربي منذ بداياته حتى المرحلة المعاصرة من خلال المادية التاريخية القائمة على رؤية مادية تامة للمجتمع والتاريخ. وكذلك، حاول مشروع حسين مروة البحث في التراث العربي عن النزعات المادية في الفلسفة العربية والإسلامية، وكان هدفه إثبات أن القوى الثورية في حركة التحرر العربي لها حاضرها المستقبلي المتميز عن الحاضر الماضوي للقوى المتخلفة، وأن لها تراثها المتميز، لكن قراءة تيزيني ومروة للتراث انتقائية وتقوم على مركسة التاريخ العربي والتلوين الماركسي للتراث، وإسقاط مقولات المادية التاريخية عليه، والتعسف في تفسيره واستخدام مقولات من سياق التاريخ الأوروبي وتطوره وتطبيقها على التاريخ العربي وتطوره، وكلاهما وقع في شرك المرزكية الأوروبية. ورغم أن مشروع محمد عابد الجابري هدف إلي نقد العقل العربي والكشف عن بنيته وتكوينه وتطوره بالاعتماد على مناهج ومفاهيم عديدة ومتباينة مستقاة من فلسفات غربية، إلا أن منهجيته انتقائية، واستخدم أدوات مستعارة من خارج الثقافة العربية الإسلامية، وميز بين ثلاثة نظم معرفية(البيان، والعرفان، والبرهان) بهدف إثبات تفوق العقل المغربي البرهاني على العقل المشرقي العرفاني، مما أدى إلي وقوعه في التحيز الذي يفصل بين المشارقة والمغاربة.

أما مشروع محمد أركون فقد حاول مشروعه تطبيق القراءة الغربية للكتاب المقدس على القرآن الكريم، متجاهلاً اختلاف السياق والكتاب، بهدف إثبات تاريخية الفكر العربي والإسلامي، وركز على تبني الحداثة الفكرية من منطلق أن تبني الحداثة المادية من دون الحداثة الفكرية أدى إلي تعميق تخلفنا.

فلسفة التقدم

هل معنى ذلك أن الفكر العربي المعاصر فشل في تقديم مشروع متكامل لتحقيق النهضة والتقدم؟

للآسف الفكر العربي مازال حائرا بين التراث والمعاصرة، واستنفد طاقته في البحث عن النظريات، فلم يستعيد التراث، ولم يعش المعاصرة، وفشل في حشد طاقته لمواجهة تحديات العصر، وأكبر دليل على ذلك هو الحال الذي وصلت إليه الأمة الآن، والتخبط الذي عاناه، ولا يزال يعانيه العالم الإسلامي. وكل المحاولات التي قدمها المفكرون العرب والمسلمون المعاصرون بعيدة عن التأثير في الواقع، وفشلت في التأثير فيه، فهي تهيم في بناءات فكرية مجردة معزولة عن الواقع التاريخي، وتفتقد إلي فلسفة الفعل، فنحن في أمس الحاجة لفلسفة للفعل والعمل لا الكلمة والنظر، فلسفة للتقدم، والأخلاق، ليست أخلاق النظريات المجردة، ولكن أخلاقيات قابلة للتنفيذ، وأخلاقيات التقدم.

والفلسفات والأفكار التي قدمها العرب والمسلمين المحدثين لم تقدم حتى الآن توضيحاً للوسائل والآليات العملية التي يمكن أن توصل لتحقيق نهضة حقيقية، واستغرقت في الإشكاليات النظرية، ولم تضع اخلاقاً للتقدم، وليست أخلاق التقدم فقط هي التي تتحدث عن قيم وأخلاق العلم، مثل الموضوعية، والأمانة، والحياد، واستبعاد أهواء والميول النفسية، والتحقق وعدم الحكم إلا بعد إثبات يقيني، والإتقان، وغيرها. وإنما هي التي تبين كيف يمكن للإنسان أن يحقق في نفسه هذه الصفات، وكيف يمارسها تلقائياً في حياته العملية، وكيف يحقق ذاته بوسائل مشروعة تكتسب شرعيتها من مدونة أو أجندة التقدم، مؤسسة نظرياً وفلسفياً ويلتقي عليها الوعي العام.

التراث اجتهاد بشري

لكن كل هذه المشاريع الفكرية انطلقت من نقد التراث، والبعض يعتبره العائق الرئيسي أمام تقدمنا، فما رأيك؟

التراث إنتاج بشري عظيم جداً، أصاب وأخطأ، ولا يمكن تركه كلية، وليس من الحكمة أخذه بالكلية، وينبغي النظر إليه بـ”عين الفحص والتدقيق” لأن منه الحي والميت، فنأخذ الحي ونترك الميت.

وما رأيك فيمن يرفض المساس بالتراث بحجة الخوف على الدين؟

علينا الحذر من الخلط بين المقدس والبشري، فالكلمة الإلهية بدأت في الإسلام بـ” اقرأ باسم ربك الذي خلق”، وانتهت بـ” اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا”، فالدين اكتمل بإعلان إلهي، وهذه هي كلمته الأخيرة، وهنا انغلقت “دائرة الكلمات المقدسة “، وكل ما جاء بعد ذلك في التراث ليس “دينا”، بل هو مجرد اجتهادات بشرية في فهم الدين واستنباط الأحكام.

التطرف العلماني والديني

وأين موقع الدين في حياتنا المعاصرة لاسيما في ظل المتغيرات الحضارية المتسارعة؟

الدين رغم أهميته القصوى، فإنه يبدو في وضع يتميز بالالتباس، نتيجة المتغيرات الحضارية والفكرية الحديثة، إذ يجد الإنسان المعاصر نفسه بين حجري رحى، يتمثلان في تيارين متطرفين أصبح لهما السيادة في الجدل الجاري على مختلف الساحات، أعني تيار التطرف العلماني وتيار التطرف الديني. وإزاء هذا الوضع المزدوج تجد الإنسان المعاصر حائراً في الاختيار وسبب هذه الحيرة يرجع إلي أنه لم يستطع إيجاد حل ثالت. وهذا الحل الثالث غير ممكن دون ترسيخ قيم التفكير النقدي وسيادة العقلانية المعتدلة، ولذلك يجب ضبط موقع الفكر العربي المعاصر من العقلانية ومن ثم الفلسفة لأنها سعي متواصل نحو تغيير العالم إلي الأفضل وهنا تتحول من النظر إلي العمل، وتتحول من علم للتفسير إلي علم لتغيير النفس والمجتمع والقوانين والاقتصاد والسياسة، من خلال المناهج الدقيقة التي تتيح لنا نقد تاريخنا وأنفسنا وعصرنا، والانتقال نحو المستقبل على أساس المبادئ والقيم المطابقة لطموحاتنا، من أجل مشروع أمتنا في الانتقال الديمقراطي وترسيخ قيم الأصالة والتقدم معاً وتوسيع مجالات المشاركة وحقوق الإنسان وبناء الذات على نحو عصري عبر شق طريق ثالث ومن خلال تأويل جديد للأصول يجمع بين العقلانية والروحية، وهذا بدأ في التبلور لدي مع أول كتابين في فلسفة الدين، بالمعنى الموضوعي والمنهجي، وهما “المعقول واللامعقول في الأديان”، و”مدخل إلي فلسفة الدين”.

منظومة للنهضة

قدمت دراسات كثيرة في مجال العلوم الإنسانية، فما رؤيتك لتغيير وإصلاح واقعنا؟

لاشك أننا بحاجة لرصد وفهم وتحليل دقيق لواقعنا، فهناك ارتباط وثيق بين الإصلاح الاقتصادي والسياسي والديني، فمثلاً منظومة الأفكار والقيم الحاكمة للسلوك الاقتصادي هي نفسها منظومة الأفكار والقيم الحاكمة للمعتقد والسلوك الديني، ولا توجد دولة متقدمة في الاقتصاد ومتخلفة في التعليم والصحة أو الأفكار الدينية، ولا توجد دولة متقدمة في التعليم والصحة والخطاب الديني ومتخلفة في الاقتصاد، وما نحتاجه بشدة هو منظومة قيمية جديدة لأن مشكلتنا في أساسها تتعلق بالأخلاق، ويجب تغيير منظومة القيم حتى يصبح لدينا “أخلاق التقدم” وسبق وتناولتها باستفاضة في كتابي الذي يحمل ذات العنوان، لأن أي دولة قوية لابد أن تقوم على الأخلاق بالأساس، والمعالجة الحقيقية لكافة مشاكلنا تحتم الإسراع بإجراء عملية إصلاح ديني حقيقي، لترسيخ أخلاق التقدم، وما تقوم عليه من أسس تحقق بيئة تنافسية عادلة، تقديس الحرية، الضمير، قانون عادل، تقديس ثقافة الإنتاج والتنمية والربط بين إتقان العمل والصدق والمبادرة وتحمل المسئولية من جهة وبين التقدم ودخول الجنة من جهة أخرى.

تجديد الخطاب الديني

وهل الخطاب الديني السائد غير قادر على ترسيخ أخلاق التقدم؟  

الأفكار التقليدية السائدة في الخطاب الديني التقليدي تحكمها أفكار رجعية تفسد الدين كما تفسد الاقتصاد، فنجد مثلاً التسليم بمقولات النصيب، والقدر، وانتظار الفرج، والتواكل، والفصل بين الإيمان والعمل، وعدم السعي، أو عدم الربط بين دخول الجنة والبذل لتحقيق الأعمال الدنيوية، فهذه الأفكار الدينية الخاطئة هي التي تحكم الحركة الاقتصادية للمجتمع والأفراد، وهذه الأفكار تشكل الأيديولوجية التي تحرك منظومة الفساد الإداري، التي تعتمد على إهمال العمل والاختلاس والرشاوى والعمولات والواسطة وعدم تكافؤ الفرص، وفي آخر السنة يقوم الفاسد بأداء الحج أو العمرة تكفيراً عن ذنوبه. ولن تتغير الأوضاع إلا بوضع خطاب ديني جديد يؤكد على مجموعة من المعتقدات الدينية الصحيحة التي تدعم العمل الحر والإنتاج والتنمية، مثل أن مفهوم “العمل الصالح” هو العمل المنتج في مجالات البناء والصناعة والزراعة وغيرها، وأنه لا قيمة لها إذا لم تصلح سلوك الناس في الحياة، وأن الغش والرشوة والسرقة والكذب والظلم وأكل أموال الناس بالباطل كبائر تفسد الأشخاص والمجتمعات، ولها حساب في الدنيا وتُدخل مرتكبيها النار في الآخرة.

التغيير الثقافي

ما الدور الذي ستلعبه جامعة القاهرة في تطوير الخطاب الديني؟

تجديد الخطاب الديني سيكون محل اهتمام كبير للجامعة، وتطويره على رأس أولوياتنا، فالمسئولية يتحملها الجميع مؤسسات وأفراداً، وهو جزء من التغيير الثقافي، والبداية تكون من تغيير المناهج لأن التعليم التقليدي يبني عقولاً مغلقة تصنع إرهاباً.

وما هي ملامح رؤيتك للخطاب الديني الجديد؟

الخطاب الجديد بحاجة لتضافر العلوم الأخرى معه لأن العلم لا يتقدم إلا إذا تضافر مع العلوم الأخرى، والعلوم الشرعية لم تظهر بصورتها المعروفة إلا بعد أن تضافرت مع العلوم القادمة من فارس واليونان والهند. لذا ينبغي أن يستفيد الخطاب الديني الجديد من التكنولوجيا والعلوم الحديثة، وإحداث التلاقح بين العلوم الشرعية والعلوم الحديثة، ونحن لا نحتاج لإحياء علوم الدين بل نحتاج لتطوير علوم الدين لأن علوم الدين بشرية وليست دينية فهي ليست نصوصاً مقدسة، ويجب بالعودة للنص المقدس في نقائه الأول، وهذا النص هو القرآن والسنة الصحيحة قبل اختلاطها بتفسيرات اللاحقين.

وهل هذا يتطلب تغيير المرجعيات الفكرية والدينية؟

بالفعل، لأن إسلام اليوم ليس الإسلام الذي نعرفه، ويجب تجديد فهم المسلمين للدين، عن طريق ثورة في التعليم والإعلام، حتى تحل الرؤية العلمية للدين والعالم محل الرؤية اللاهوتية السحرية القائمة على النقل والحفظ والإتباع الأعمى للذين وضعوا أنفسه كوسطاء بين الإنسان والله، وبين المسلم والقرآن، وبين الأمة ورسولها الكريم، فتجديد التفكير الديني يتم من خلال تغيير طرق التفكير في الدين، وتغيير المرجعيات الفكرية والدينية، والانتباه لمن يحاولون تغيير مفهومنا عن الإسلام، ومن غير الممكن تأسيس عصر ديني جديد دون تفكيك العقل الديني التقليدي، وإحداث ثورة عقلية على طرق التفكير الحاكمة لحياتنا.

أزمتنا في الجمود

البعض يقول إن تجديد الخطاب الديني لن يغير من الواقع لأن المشكلة في الإسلام ذاته؟

المشكلة ليست في الإسلام، بل في عقول المسلمين وحالة الجمود الفقهي والفكري التي يعيشون فيها منذ أكثر من سبعة قرون، فالإسلام، قرآنا وسنة صحيحة، يقدم نموذجاً عالمياً للدين الذي يلائم الطبيعة الإنسانية، ويعترف بالتنوع الكوني والإنساني، ويعتبر التعددية سنة إلهية، ويميز بوضوح بين البشرى والإلهي، وهو دين يؤمن بالتطور والتغير، ويعطى مساحات واسعة للاجتهاد البشرى ومراعاة المصالح المرسلة، والاستحسان، بينما المسلمون يعيشون في جمود فقهي، وفى خطاب وعظي إنشائي فارغ ومنفصل عن حياتهم اليومية. ولذلك لن تجدي عملية تجديد الخطاب الديني التقليدي لأنه أشبه بعملية ترميم بناء قديم، فهو صنع لعصور سابقة يناسب ظروفها السياسية والاقتصادية والفكرية، والأجدى هو إقامة بناء جديد بمفاهيم ولغة ومفردات جديدة، وتكوين خطاب ديني من نوع مختلف يتوافق مع العصر، وقادر على الاشتباك مع الواقع وتحدياته ويلاءم الظروف المعاصرة والعلوم الحديثة.

هل نفهم من ذلك أن الأزمة في البنية العقلية السائدة في مجتمعاتنا؟

أحد أبعاد أزمتنا الرؤية الأحادية للإسلام، والنظر إلى الدين من زاوية واحدة وضيقة، فهناك بعض الفئات التي تحتكر الفهم الصحيح والأوحد للإسلام، ويتعين لتجديد المسلمين لذواتهم تغيير رؤية العالم في مخيلاتهم، لأن هذه الرؤية هي الأساس النظري للفهم والتفكير، إضافة إلى تغيير طرق تفكير الناس العادية في الحياة اليومية وفي العمل والمجتمع والسياسة وتغيير طريقة إدراك المسلمين لمفهوم الدين. وكل هذا يفرض ضرورة تفكيك البنية العقلية التي ترقد وراء هذا النوع من الخطاب الديني عبر تفكيك العقل المغلق والعقل النقلي والفكر الإنساني المتصلب المقنع بأقنعة دينية، وأيضاً ضرورة تخليص الإسلام من الموروثات الاجتماعية.

لا مستقبل للإرهاب

هل تتفق معي أن جرائم التنظيمات الإرهابية تبرر للغرب اتهام الإسلام وتشويه صورته؟

التنظيمات والجماعات الإرهابية ضد الإسلام ومنهجه وقيمه ومقاصده، ومن يتورطون في هذه التنظيمات المخربة لا يرون الواقع الحقيقي، ولا يعرفون حقيقة الإسلام الوسطية السمحة، ولم يفهموا سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم الذي رفض ترويع الآمنين والإفساد وممارسات التخريب والقتل والعدوان، فحروب النبي صلى الله عليه وسلم كانت حروب دفاعية منظمة “جيش ضد جيش” وليس استهداف للمدنيين والسعي لتقويض الدولة وضرب مؤسساتها. ويتعين النظر إلى الإرهاب من منظور التحليل النفسي، وأن بعض الإرهابيين سيكوباتيين وكارهي ذاتهم، ولا يتورعون عن ارتكاب أي جريمة فالمبدأ عندهم الغاية تبرر الوسيلة، وكل أفكارهم عدمية وفاسدة ومضللة مثل فكرة إلغاء الوطن لأن انتمائهم للعقيدة والجماعة، وعلينا إدراك أن هناك الإرهابي المتمرس ولابد من القصاص منه، والإرهابي الواحد مثل الذئاب المنفردة، وهو شخص غير معروف يتلقى أوامر بالتفجير، ونوعاً ثالثاً قابل لأن يكون إرهابي وله عقلية مغلقة، وكل التنظيمات الإرهابية تعمل ضد مفهوم الدولة الوطنية المدنية الحديثة، وضد مصلحة شعوب العالم الإسلامي، لأنها عامل هدم للإسلام، وهذه التنظيمات الإرهابية لن تنتصر، وستنتهي خلال أعوام قليلة، وتختفي من الساحة العالمية.

وكيف يمكن الانتصار في معركة مصر ضد الإرهاب؟

خطر الإرهاب من أكبر التحديات التي تواجه مصر، ومواجهته يجب إلا تكون فقط أمنياً وعسكرياً، بل لا بد من المواجهة الشاملة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والتعليمية، فالتعليم الذي يعود الطالب على الحفظ يلغي شخصيته ويجعله عرضه لقبول التشدد والتطرف، مما يؤدي إلي الإرهاب، ونحتاج لنوعية جديدة من الثقافة والتعليم تركز على عقل وجسد وروح الشباب، وتقدم لهم أسلوب حياة وطريقة عمل تعتمد على التعلم بدل التعليم، والبحث بدل النقل، والحوار بدل الاستماع، والقدرة على الاختلاف بدل التسليم المطلق بالأفكار السائدة. وأيضاً خطاب ديني وفق متغيرات العصر وطبيعة التحديات التي تواجه الأمة، بحيث تتعدد وتتنوع مصادر المعرفة، والتحول من مرحلة “الوعظ والإدهاش” إلى مرحلة “الفكر والتفكر”، ومن المهم تغيير لغة الخطاب الإعلامي، حتى يصبح الإعلام هو إعلام النقد البناء الذي يعكس الواقع كاملاً وليس جزءا منه، ولا يكتفي بنقد ما هو كائن، بل يقدم أيضا تصوراً علمياً لما ينبغي أن يكون.

 

 

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

handjob-hd.net
إغلاق
التخطي إلى شريط الأدوات