sliderدعوة ودعاة

الحكمة من نزول القرآن على سبعة أحرف (6)

بقلم الدكتور شعبان إسماعيل.. أستاذ علمي القراءات وأصول الفقه بجامعة الأزهر

لا يزال الحديث مستمرا في بيان الحكم والأسرار التشريعية للرد على المتطاولين على الثوابت الشرعية، والطعن في القراءات التي تلقيناها بالأسانيد الصحيحة المتصلة برسول الله صلى الله عليه وسلم ومنها:

الحكمة السابعة: بيان بعض أحكام العقيدة:

إذا كان لاختلاف القراءات أثر واضح في بيان بعض الأحكام الفقهية، فهناك بعض القراءات توضح بعض المسائل المتعلقة بالعقيدة الصحيحة، وهو موضوع مهم يحتاج إلى دراسات متأنية، وأكتفي هنا بذكر مثال واحد يؤيد هذه الدعوى:

قال تعالى في قصة سليمان عليه السلام: (فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَىٰ مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنسَأَتَهُ ۖ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَن لَّوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ) سبأ: 14

قرأ الجمهور (تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ) على البناء للفاعل.

وقرأ رويس عن يعقوب (فَلَمَّا خَرَّ تُبُيِّنتِ الْجِنُّ) على البناء للمفعول. فقراءة الجمهور تفيد أن الجن عرفت أنها لا تعلم الغيب.

أما قراءة رويس فتفيد أنه تبين للإنس أن الجن لا يعلمون الغيب.

وقد أورد ابن جني في المحتسب قراءة منسوبة لابن مسعود وابن عباس رضي الله عنهما بلفظ (تَبَيَّنَتِ الإنسُ أن لو كان الجنُّ يعلمون الغيب).

كما أورد القرطبي حديثاً عن رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “كان نبي الله سليمانُ ابن داود عليهما السلام إذا صلى رأى شجرة نابتة بين يديه، فيسألها: ما اسمك؟ فإن كانت لِغَرْس غُرِست، وإن كانت لدواء كتبت، فبينما هو يُصلي ذات يوم إذا شجرة نابتة بين يديه، فقال: ما اسمك؟ قالت: الخرنوب، فقال: لأي شيء أنت؟ فقالت: لخراب هذا البيت، فقال: اللهم عمَّ عن الجن موتي حتى تعلم الإنس أن الجن لا يعلمون الغيب. فَنَحَتَهَا عصاً، فتوكأ عليها حولاً وهم لا يعلمون، فسقطت، فعلم الإنسُ أن الجن لا يعلمون الغيب، فنظروا مقدار ذلك فوجدوه سنة”.

فهذه القراءة تعالج قضية من أهم القضايا العقدية، وتكشف اللثام عن مسألة طالما أفسدت عقيدة بعض المسلمين الذين يعتقدون أن الجن يعلمون الغيب.

الحكمة الثامنة: في نزول القرآن الكريم على سبعة أحرف دلالة واضحة على شرف هذه الأمة، وأنها الأمة الأمينة على رسالة الإسلام بلَّغتها نقية خالصة من الشوائب، بدون تحريف أو تبديل، وأنها حافظت على مصدر التشريع الأول بجميع قراءاته ورواياته وطرقه بالأسانيد الصحيحة المتصلة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، إلى الأمين جبريل عليه السلام، إلى رب العزة والجلال، مع أن القرآن الكريم نزل منجماً ومفرقا في ثلاث وعشرين سنة، على عكس ما حدث في الأمم السابقة، حيث كان الكتاب ينزل جملة واحدة، وعلى وجه واحد، ومع ذلك حرّفوا وبدّلوا، واشتروا بآيات الله ثمنا قليلاً.

لذلك استحقت هذه الأمة أن تأتي يوم القيامة شاهدة على الأمم السابقة، ويتّوج هذه الشهادة خاتم الأنبياء والمرسلين، سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم.

قال الله تعالى: (وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا) البقرة: 143.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

إغلاق