sliderدعوة ودعاة

الحكمة من نزول القرآن على سبعة أحرف (5)

بقلم الدكتور شعبان إسماعيل.. أستاذ علمي القراءات وأصول الفقه بجامعة الأزهر

لا يزال الحديث مستمرا في بيان الحكم والأسرار التشريعية للرد على المتطاولين على الثوابت الشرعية، والطعن في القراءات التي تلقيناها بالأسانيد الصحيحة المتصلة برسول الله صلى الله عليه وسلم ومنها:

الحكمة الخامسة: الدلالة على حكمين شرعيين مختلفين تبعاً لاختلاف الأحوال، ومن الأمثلة على ذلك قوله تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ} المائدة: 6.

ففي قوله تعالى: { وَأَرْجُلَكُمْ} قراءتان صحيحتان:

القراءة الأولى: بالنصب عطفاً على الأيدي والوجوه، ويكون المعنى: فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وأرجلكم إلى الكعبين وامسحوا برؤوسكم، فيكون هناك تقديم وتأخير، لأن الواو لمطلق الجمع ولا تقتضي الترتيب، والسنة النبوية بينت أن فرض الرجلين الغَسل.

قال الزجاج: الدليل على أن الغسل هو الواجب في الرّجل وأن المسح لا يجوز: تحديد قوله تعالى: { إِلَى الْكَعْبَيْنِ} كما جاء تحديد اليد: { إِلَى الْمَرَافِقِ} ولم يجيئ في شيئ من المسح تحديد فقال تعالى: { وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ} بغير تحديد.

القراءة الثانية: بالخفض:

وللعلماء في توجيه هذه القراءة كلام طويل، وآراء متعددة أكتفي منها بما أراه راجحاً ويتمثل ذلك في وجهين:

الوجه الأول: أنها معطوفة على قوله تعالى: { بِرُءُوسِكُمْ}، والمراد به الغَسل أيضاً، لأن المسح قد يطلق على الغسل في لغة العرب، نقل عن أبي زيد الأنصاري أنه قال: “المسح في كلام العرب يكون غسلاً، ويكون مسحاً، ومنه يقال للرجل إذا توضأ فغسل أعضاءه: فقد تمسَّح، ويقال: مَسحَ الله ما بك: إذا غسلك وطهّرك من الذنوب”.

الوجه الثاني: أن يكون المراد به المسح لا الغَسل، وهو محمول على لابس الخف، وهو ثابت في السنة الصحيحة، قال الحسن: حدثني سبعون رجلاً من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أنهم مسحوا على الخفين، كما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم.

وبذلك تكون كل قراءة قد دلت على حكم في بعض الحالات دون البعض الآخر.

ويبقى – بعد ذلك – إشكال في تحديد المسح إلى الكعبين، وهذا لا يكون إلا في الغسل، فإن المسح إنما يكون لظاهر الخفين لا إلى باطنهما.

وقد أجاب عنه بعض العلماء: بأن السنة الصحيحة هي التي بينت ذلك.

عن المغيرة بن شعبة رضي الله عنه قال: “رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يمسح على الخفين على ظاهرهما”.

ومن المعلوم أن السنة تبين القرآن الكريم وتوضح المراد منه، كما قال الحق تبارك وتعالى: { بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ ۗ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ}. النحل: 44.

الحكمة السادسة: تعدد وجوه الإعجاز:

ومعنى هذا: أن القرآن الكريم معجز إذا قرئ بوجه من الوجوه، ومعجز – أيضاً – إذا قرئ بوجه آخر وهكذا، فكل قراءة تمثل آية مستقلة، وبذلك تتعد وجوه الإعجاز بتعدد تلك الوجوه والحروف، ولو جعل الله تعالى كل قراءة آية مستقلة لكان في ذلك من التطويل ما يتعارض مع ما تميز به القرآن الكريم من جمال الإيجاز، وكمال الإعجاز.

وإلى نلتقي – بإذن الله تعالى – في حلقة قادمة لكم مني خالص الدعاء.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

pmclips.com
إغلاق
التخطي إلى شريط الأدوات