sliderدعوة ودعاة

الحكمة من نزول القرآن على سبعة أحرف (4)

بقلم الدكتور: شعبان إسماعيل

أستاذ علمي القراءات وأصول الفقه بجامعة الأزهر

الذي لا شك فيه: أن الحديث عن القرآن الكريم يتضمّن جميع القراءات والروايات الصحيحة التي جاءت في الحديث الشريف: “أنزل القرآن على سبعة أحرف”، باعتبارها جزءاً منه، فحينما يقال: القرآن الكريم معناه: جميع هذه القراءات والروايات، وبالتالي ينطبق عليها قول الحق تبارك وتعالى: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْر وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} الحجر 9.

وهذا ما يهدف إليه الحديث عن هذه الحكم، والتي منها: إفادة الكلمة القرآنية لأكثر من معنى.

ومن الأمثلة على ذلك: قوله تعالى في شأن المنافقين: {فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا ۖ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُون} البقرة: 10، قرئت {يُكَذّبُونَ} بالتشديد، كما قرئت {يَكْذِبُونَ} بالتخفيف، فقراءة التشديد تفيد أنهم كانوا يُكذَّبون رسول الله صلى الله عليه وسلم في كل ما يبلغه عن ربه جل وعلا.

وقراءة التخفيف تفيد أنهم غير صادقين في أقوالهم وأفعالهم، كما قال سبحانه: {إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ} المنافقون: 1.

ومثل ذلك قوله تعالى: {وَاتَّخذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلّىً} البقرة: 125، قرأ نافع وابن عامر: { وَاتَّخِذَوا} بفتح الخاء على أنه فعل ماضٍ معطوف على قوله تعالى: {وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا}.

والمعنى: واتخذ الناس من المكان الذي وقف عليه سيدنا إبراهيم عليه السلام عند بناء الكعبة {مُصلًى} أي يصلون عنده بعد الطواف بالبيت، وهذا المكان لم يزل موجودا حتى الآن، وفيه أثر قدم سيدنا إبراهيم عليه السلام، وهذه تعتبر معجزة لسيدنا إبراهيم حيث غاصت قدمه في الحجر على غير عادة.

وقرأ الباقون {واتخِذوا} بكسر الخاء، على أنه فعل أمر، والمأمور بذلك قيل: سيدنا إبراهيم وذريته.

وقيل: نبينا محمد صلى الله عليه وسلم وأمته، والأمر بالصلاة عند مقام سيدنا إبراهيم للندب، وليس للوجوب، فمن ترك الصلاة عنده لا يفسد حجه.

وكذلك قوله تعالى: { بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ . فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ} البروج: 22،21 قرئت بالرفع في قوله تعالى {محفوظ} على أنها صفة للفظ {قرآن}، كما قرئت بالخفض على أنها صفة للفظ {لوح}، وهذا يدل على أن الله قد حفظ القرآن الكريم في جميع مراحل تنزلاته.

الحكمة الرابعة:

لاختلاف القراءات أثر واضح في بعض الأحكام الفقهية، ومن الأمثلة الواضحة في ذلك قوله تعالى:{وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ} البقرة: 222.

قرأ بعض القراء { يَطْهُرْنَ} بالتخفيف، وقرأ البعض بالتشديد {يطَّهَّرْن}.

فقراءة التخفيف تفيد أصل الطهر، وهو انقطاع الدم، فيحل للزوج مباشرة زوجته بمجرد انقطاع الدم، بشرط أن يكون الانقطاع لأكثر مدة الحيض، وهي عشرة أيام، وعلى ذلك فقهاء الحنفية.

أما قراءة التشديد فتفيد المبالغة في الطهر من الحيض، وذلك لا يحصل إلا بانقطاع الدم والاغتسال، وعلى ذلك جمهور الفقهاء.

الحكمة الخامسة:

الدلالة على حكمين شرعيين مختلفين تبعاً لاختلاف الأحوال، ومن الأمثلة على ذلك قوله تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ} المائدة: 6.

ففي قوله تعالى: { وَأَرْجُلَكُمْ} قراءتان صحيحتان:

القراءة الأولى: بالنصب عطفاً على الأيدي والوجوه، ويكون المعنى: فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وأرجلكم إلى الكعبين وامسحوا برؤوسكم، فيكون هناك تقديم وتأخير، لأن الواو لمطلق الجمع ولا تقتضي الترتيب، والسنة النبوية بينت أن فرض الرجلين الغَسل.

قال الزجاج: الدليل على أن الغسل هو الواجب في الرّجل وأن المسح لا يجوز: تحديد قوله تعالى: { إِلَى الْكَعْبَيْنِ} كما جاء تحديد اليد: { إِلَى الْمَرَافِقِ} ولم يجيئ في شيئ من المسح تحديد فقال تعالى: { وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ} بغير تحديد.

القراءة الثانية: بالخفض:

وللعلماء في توجيه هذه القراءة كلام طويل، وآراء متعددة أكتفي منها بما أراه راجحاً ويتمثل ذلك في وجهين:

الوجه الأول: أنها معطوفة على قوله تعالى: { بِرُءُوسِكُمْ}، والمراد به الغَسل أيضاً، لأن المسح قد يطلق على الغسل في لغة العرب، نقل عن أبي زيد الأنصاري أنه قال: “المسح في كلام العرب يكون غسلاً، ويكون مسحاً، ومنه يقال للرجل إذا توضأ فغسل أعضاءه: فقد تمسَّح، ويقال: مَسحَ الله ما بك: إذا غسلك وطهّرك من الذنوب”.

الوجه الثاني: أن يكون المراد به المسح لا الغَسل، وهو محمول على لابس الخف، وهو ثابت في السنة الصحيحة، قال الحسن: حدثني سبعون رجلاً من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أنهم مسحوا على الخفين، كما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم.

وبذلك تكون كل قراءة قد دلت على حكم في بعض الحالات دون البعض الآخر.

ويبقى – بعد ذلك – إشكال في تحديد المسح إلى الكعبين، وهذا لا يكون إلا في الغسل، فإن المسح إنما يكون لظاهر الخفين لا إلى باطنهما.

وقد أجاب عنه بعض العلماء: بأن السنة الصحيحة هي التي بينت ذلك.

عن المغيرة بن شعبة رضي الله عنه قال: “رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يمسح على الخفين على ظاهرهما”.

ومن المعلوم أن السنة تبين القرآن الكريم وتوضح المراد منه، كما قال الحق تبارك وتعالى: { بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ ۗ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ}. النحل: 44.

وإلى أن نلتقي – بإذن الله تعالى – في حلقة قادمة لكم مني خالص الدعاء.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

pmclips.com
إغلاق
التخطي إلى شريط الأدوات