sliderدعوة ودعاة

الحكمة من نزول القرآن على سبعة أحرف “3”

بقلم الدكتور: شعبان إسماعيل.. أستاذ علمي القراءات وأصول الفقه بجامعة الأزهر

لا يزال الحديث متصلا بالحكمة الأولى من نزول القرآن الكريم على سبعة أحرف وهي: التخفيف على الأمة في تلاوة القرآن الكريم، وقد يفهم البعض من غير المتخصصين أن الصحابة رضي الله عنهم كانوا يقرءون حسبما يتيسر لهم بدون قيد أو ضابط، وعدم الرجوع إلى الوحي الذي نزل على قلب سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم بحجة التخفيف، وهذا غير صحيح، فإن القراءة سنة متبعة نزل بها الأمين جبريل عليه السلام على النبي صلى الله عليه وسلم كما تلقاها من رب العالمين، ولم يكن له ولا للنبي صلى الله عليه وسلم أن يستبدل كلمة بكلمة، ولا حرفا بحرف، ونقلها الصحابة رضي الله عنهم كذلك بالأسانيد المتصلة إلى رب العزة والجلال.

فقد جاء في بعض روايات الحديث عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “أقرأني جبريل على حرف فراجعته، فلم أزل أستزيده ويزيدني حتى انتهي إلى سبعة أحرف”. ولنتأمل جيدا قوله صلى الله عليه وسلم: “أقرأني”، فإنها نص فيما قلت.

وعن عبد الرحمن بن عبد القارئ قال: “سمعت عمر بن الخطاب يقول: سمعت هشام بن حكيم يقرأ سورة الفرقان على غير ما أقرؤها عليه، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم أقرأنيها، فكدتُّ أن أعجل عليه، ثم أمهلته حتى انصرف، لبّبته – جمعت عليه رداءه – بردائه، فجئت به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت: يا رسول الله إني سمعت هذا يقرأ سورة الفرقان على غير ما أقرأتنيها، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: “اقرأ” فقرأ القراءة التي سمعته يقرأ. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “هكذا أنزلت” ثم قال لي: “أقرأ” فقرأت فقال: “هكذا أنزلت” إن هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف، فاقرؤوا ما تيسر منه”.

وعن عمرو بن العاص رضي الله الله عنه: أن رجلا قرأ آية من القرآن فقال له عمرو بن العاص: إنما هي كذا وكذا، لغير ما قرأ الرجل، فقال الرجل: هكذا أقرأنيها رسول الله صلى الله عليه وسلم فخرجا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أتياه، فذكرا ذلك له، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إن هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف، فأي ذلك قرأتم أصبتم، فلا تماروا في القرآن، فإن مراء فيه كفر”. إلى آخر الأحاديث التي وردت في هذا المعنى، وهي كلها صحيحة بل بلغت حد التواتر.

الحكمة الثانية:

ربط الأمة العربية والإسلامية وقبائلها المختلفة بالقرآن الكريم من الناحية اللغوية، كما هي مرتبطة به من الناحية التشريعية، حتى تشعر كل قبيلة بأن القرآن يخاطبها بلهجتها، وترى أن في هذا شرفاً عظيماً لها، فيحملها ذلك على الانضواء تحت لوائه، وهو ما يمكن أن يندرج تحت قوله تعالى: (لَقَدْ أَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ ۖ أَفَلَا تَعْقِلُونَ) الأنبياء: 10.

قال ابن عباس رضي الله عنهما أي: فيه شرفكم.

والمتأمل في بعض القراءات يرى أن القرآن الكريم قد أورد العديد من الأوجه المختلفة التي تمثل بعض اللهجات العربية: قال تعالى: (قَالُوا إِنْ هَٰذَانِ لَسَاحِرَانِ يُرِيدَانِ أَن يُخْرِجَاكُم مِّنْ أَرْضِكُم بِسِحْرِهِمَا وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَىٰ) طه: 63.

في قوله تعالى: (إِنْ هَٰذَانِ لَسَاحِرَانِ) عدة قراءات:

الأولى: (إِنْ هَٰذَانِ لَسَاحِرَانِ) وهي رواية حفص، على أنّ (إِنْ) مخففة من الثقيلة لا تعمل شيئاً، و(هَٰذَانِ لَسَاحِرَانِ) مبتدأ وخبر، واللام هي الفارقة بين (إِنْ) المخففة والنافية.

الثانية: مثل قراءة حفص، إلا أنها بتشديد النون من (هَاذَانَّ) وهي قراءة ابن كثير، قارئ أهل مكة.

الثالثة: (إِنَّ هَاذَيْنِ لَسَاحِرَانِ) بتشديد النون و”هذين” بالياء على أنها اسم “إنَّ” واللام للتأكيد، و”لساحرانِ” خبرها، وهي قراءة أبي عمرو البصري، قارئ أهل البصرة.

الرابعة: ( إِنَّ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ) بتشديد النون، و(هذان) بالألف، قرأ بها باقي القراء العشرة.

وقد اختلف العلماء في توجيهها: فقيل: إنها جاءت على لغة بني الحارث بن كعب، الذين يلزمون المثنى الألف في كل حال.

وقيل: إنَّ (إنَّ) بمعنى “نعم”.

قال عبيد بن قيس:

ويقلن شيب قد علاك وقد كبرت فقلت إنّه.  أي: نعم.

وقيل غير ذلك، والشاهد فيها: أن القرآن نزل يخاطب العرب بلهجاتها المختلفة.

وبذلك حفظ القرآن كثيراً من لغات العرب ولهجاتها من الضياع والاندثار.

وإلى أن نلتقي في حكمة أخرى أستودعكم الله تعالى الذي لا تضيع ودائعه.

مقالات ذات صلة

pmclips.com
إغلاق
التخطي إلى شريط الأدوات