sliderدعوة ودعاة

الحكمة من نزول القرآن على سبعة أحرف (2)

بقلم: الدكتور شعبان إسماعيل أستاذ علمي القراءات وأصول الفقه بجامعة الأزهر

سبق أن أوضحنا في المقال السابق أن الله تعالى استجاب لدعاء النبي صلى الله عليه وسلم وأنزل القرآن على سبعة أحرف وبينا معنى الحرف، وقد وضع العلماء لقبول أي قراءة ثلاثة شروط: التواتر أو صحة السند، وموافقة وجه من وجوه اللغة العربية الفصيحة، والقراءة التي تفقد هذه الشروط أو واحدا منها تسمّى: القراءة الشاذة فلا يقرأ بها القرآن الكريم.

وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ بهذه الأوجه كلها، كما نزل بها جبريل عليه السلام، إلا أن الصحابة رضي الله عنهم كانوا يختلفون في الأخذ عنه صلى الله عليه وسلم، فمنهم من أخذ بحرف، ومنهم من أخذ بأكثر، ثم تفرقوا في الأمصار يقرئون الناس بما تلقوه من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا هو السبب في اختلاف القراءات بين الأئمة الذين انقطعوا لنقل هذه القراءات؛ فقيل: قراءة نافع، وقراءة عاصم، ورواية ورش عن نافع، أو رواية حفص عن عاصم وهكذا.

ولا شك أن لهذه القراءات حكماً وأسراراً كثيرة يصعب حصرها في هذا المقام.

الحكمة الأولى: التيسير والتخفيف:

فالأمة العربية كانت متعددة اللهجات، فلو كُلًفت القراءة على حرف واحد لشق ذلك عليها، وهذا ما جاء في قوله تبارك وتعالى: (وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ).

كما جاء في سبب طلب التخفيف من رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث أُبي ابن كعب المتقدم، وما في الحديث الذي رواه حذيفة بن اليمان أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “لقيت جبريل عند أحجار المراء – موضع بمكة -، فقال: يا جبريل: إني أرسلت إلى أمة أمية، منهم: العجوز، والشيخ الكبير، والغلام، والجارية، والرجل الذي لا يقرأ كتابًا قط. فقال: لي يا مُحمّد إن القرآن أنزل على سبعة أحرف”.

ومن الأمثلة الواضحة في ذلك: اختلاف القراء في لفظ: (الصِّراطَ)، (صِرطَ) المعرف والمنكر، فمعظم القراء يقرؤونه بالصاد وهي لغة قريش، والبعض يقرأ بالسين، وهي لغة عامة العرب، والبعض يقرأ بالإشمام، وهي لغة قيس.

ومن الأمثلة أيضًا: ظاهرة تخفيف الهمزة:

فالهمزة من أصعب الحروف نطقًا، وذلك لبعد مخرجها حيث تخرج من أقصى الحلق، كما اجتمع فيها صفتان من صفات القوة، وهما الجهر والشدة. لذلك: عمدت بعض القبائل العربية إلى تخفيف النطق بها بطرق مختلفة: تارة بالتسهيل بين بين، أي: بين الهمزة وحرف حركتها؛ فإن كانت مفتوحة سهلت بين الهمزة والألف، وإن كانت مضمومة فبين الهمزة والواو، وإن كانت مكسورة فبين الهمزة والياء.

وتارة بالإبدال حرفًا محرًكًا، أو حرف مد.

وتارة بالسكت على الحرف الساكن الواقع قبلها.

وتارة بإسقاط إحدى الهمزتين إذا اجتمعتا في كلمتين متجاورتين.

ونسب علماء اللغة هذه الظاهرة إلى أهل الحجاز، وهذيل، وأهل مكة، والمدينة المنورة. بينما كانت القبائل الأخرى تنطق بالتحقيق على الأصل، وعلى غرار ما اعتادت القبائل العربية نزل القرآن الكريم.

ولنضرب لذلك مثالاً يوضح بعض هذه الظواهر:

قال الله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ ءَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ) البقرة 6.

في كلمة (ءَأَنذَرْتَهُمْ) عدة قراءات:

الأولى: تسهيل الهمزة الثانية وإدخال ألف بين الهمزتين.

الثانية: التسهيل بدون إدخال ألف.

الثالثة: إبدالها حرف مد، مع المد ست حركات.

الرابعة: التحقيق مع إدخال ألف بينهما.

الخامسة: التحقيق بدون إدخال ألف، كما ورد في رواية حفص.

ويقول العلماء: إن الحكمة من إدخال ألف بين الهمزتين هو: التمكن من النطق بالهمزة.

ومن أمثلة ذلك أيضا لفظ (قُرءَانٍ) قرأها ابن كثير – وهو قارئ أهل مكة – بنقل حركة الهمزة إلى الراء الساكنة قبلها مع حذف الهمزة، حيثما وردت في القرآن الكريم، معرفة أو منكرة. وهكذا سائر صور التخفيف التي يطول شرحها.

وما قيل في الهمزة يقال في باقي أبواب أصول القراءات، كالإدغام، والإمالة، وترقيق الراء أو تفخيمها، وتغليظ اللام أو ترقيقها، وفتح ياء الإضافة أو تسكينها.

فالتيسير والتخفيف هو الحكمة الأولى من نزول القرآن على سبعة أحرف، والتي جاءت بها الأحاديث النبوية.

مقالات ذات صلة

pmclips.com
إغلاق
التخطي إلى شريط الأدوات